Feeds:
Posts
Comments

Archive for July, 2011

بمزاج لا يقل ضيقاً وقرفاً عن اي يوم من الايام الماضية ، وبتكشيرة مرتسمة على الوجه في حرارة لا تقل عن الاربعين لإحدى ايام صيف 2011 أراقب بعين واحدة مفتوحة اسراب الذباب من نافذتي ..ذباب مسرع ،البعض في سيارات ،الاخر يمشي مستعجلاً من قيظ الظهيرة أعود لاغمضها..لاشيء يستدعي أن اتعب عيني اليسرى المتموضعة إلى جانب عيني اليمنى التي أصيبت ب ” الجنجل”مؤخراً

أزفر بقوة…ضيق شديد لا أدري مصدره

لم تفلح فيروز بصنع صباحي هذه المرة، ولا كأس الشاي المعدّ بتلذذ  وعناية شديدة جداً(أضع مياه ساخنة في كأس واضع ظرف شاي أحمد بعدها ..)، ولا حتى البحث عن مقالات ابراهيم الامين عادت تفلح في طمأنتي بأي شيء

 مقاطع اسماعيل الكمخة التي كانت في كل مرة تضحكني حتى الثمالة ، يبدو انها اصبحت احد اسباب كآبتي، ليختفي اسماعيل ويبقى اسم فارس الحلو  ظاهراً أمامي كشخص يمد لسانه في وجهي

يزداد انزعاجي بمجرد تذكره..تبدأ الاباليس بالتقافز أمام وجهي ، اطردها بحركة من يدي..أفتح فسحتي الالكترونية المسماة: ” تدوينة” أردد الاسم عدة مرات بصوت مسموع ..تدوينة..تدوينة ..تد وي نة ، استهجنه ، تدوينة !!..هه

كنت قد قررت أن اكتب عن احد حوادث الطفولة الجميلة المليئة بالحكمة والعبرة..يوم أحرقنا مدرستي الابتدائية في إحد أيام خريف  1995 ، حتى اليوم أشعر بمتعة لئيمة في تذكر هذا النشاط اللطيف الذي قمنا به يومها ، التخطيط المدروس لاطفال بعمر الورد وأبلسة الشياطين ، كان كل همهم أن يحرقوا المدرسة بمن فيها ،بمديرتها ذات العجيزة الضخمة ،بمدرسيها الشريرين واللطفاء منهم ومستخدميها وطلابها ،باستثناء النخبة أمثالنا طبعاً

و بالطبع يومها كان هدفنا يتراءى لنا شرعياً جداً، مدرسة تجلعنا نستقيظ من السابعة صباحاً يجب حرقها ، مدرسين يلزمونا بمناهج ما انزل الله بها من سلطان ..وماهمني ما يحصل في جنوب اريتريا أو كم عدد المواشي في شبه الجزيرة ..فليذهبو إلى الجحيم ..طلاب أغبياء يستولون على المقاعد الاولى بحجة تفوقهم!!!! ماهذه المهزلة؟! كانت المدرسة الابتدائية الوحيدة في الحي ، كان يقصدها طلاب من اماكن بعيدة ، وكاد الحريق يجهز على المدرسة بأكملها ،تأخرنا ما يقارب فصل دراسي ، وبقينا معتقدين اننا قمنا بفعل ثوري  – نحن التلاميذ البهله – ولولا أن امي كانت تعمل ك معلمة آنذاك في تلك المدرسة لما أفادني ذكائي الثوري في تجنب عواقب فعلتي الوخيمة ، (حالياً أفكر أن أصل إلى النتيجة المرجوة بأن أربط ما يجري من احداث غوغائية في  سوريا بتلك الحادثة لكن لسبب ما مرده  احترام تلك الحادثة البريئة لم أرد تشبيها بما يحصل  رغم وجه الشبه ) تزداد الحرارة ، وافقد الاستمتاع حتى بشراب الكولا الإلهي الذي قد بدأ يسخن ،اسمع همهمة بقربي .. التفت .. اراه جالساً خلفي بهدوء،ابتسم ،يبدو انه هنا منذ فترة جيدة، ادعوه لان يجلس قربي ، يضع عمامته جانباً ،اكتشف أنه أصلع برغم لحيته الكثة، حسنناً..أنا احب الصلعان نرخي قدمينا على حافة النافذة المطلة على اوتوستراد المزة ،ليبدأ صديقي أبو الطيب المتنبي بصوت مهيب تلاوة أبياتي المفضلة

يا سَاقِيَيَّ: أخَمْرٌ في كُؤوسكُما؛ أمْ في كُؤوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسهيدُ؟؟

أصَخْرَةٌ أنَا؟؟ ما لي لا تُحَرِّكُني هَذِي المُدامُ، وَلا هَذي الأغَارِيدُ؟؟

إذا أرَدْتُ كُمَيْتَ اللوْنِ صَافِيَةً وَجَدْتُهَا، وَحَبيبُ النّفسِ مَفقُودُ!!

ماذا لَقيتُ منَ الدنْيَا وَأعْجَبُهُ؟؟ إنِّي بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ

أمْسَيْتُ أرْوَحَ مُثْرٍ خَازِناً وَيَداً أنَا الغَنيُّ، وَأمْوَالي المَوَاعِيدُ

إنِّي نَزَلْتُ بكَذَّابِينَ، ضَيْفُهُمُ عَنِ القِرَى وَعَنِ الترْحالِ محْدُودُ

جودُ الرجالِ من الأيدي، وَجُودُهُمُ منَ اللسانِ—فَلا كانوا، وَلا الجُودُ!!

ما يَقبضُ المَوْتُ نَفساً من نفوسِهِمُ إلاَّ وَفي يَدِهِ—مِنْ نَتْنِهَا—عُودُ!!

أكُلَّمَا اغتَالَ عَبدُ السوْءِ سَيَّدَهُ أوْ خَانَهُ، فَلَهُ في مِصْرَ تَمْهِيدُ؟؟

صَارَ الخَصِيُّ إمَامَ الآبِقِينَ بِهَا؛ فالحُرُّ مُسْتَعْبَدٌ، وَالعَبْدُ مَعْبُودُ!!

نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصرٍ عَنْ ثَعَالِبِها فَقَدْ بَشِمْنَ، وَما تَفنى العَنَاقيدُ

العَبْدُ لَيْسَ لِحُرٍّ صَالِحٍ بأخٍ لَوْ أنَّهُ في ثِيَابِ الحُرِّ مَوْلُودُ

لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاَّ وَالعَصَا مَعَهُ؛ إنَّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ!!

ما كُنتُ أحْسَبُني أحْيَا إلى زَمَنٍ يُسِيءُ بي فيهِ عَبْدٌ، وَهْوَ مَحْمُودُ!!

ولا تَوَهَّمْتُ أنَّ الناسَ قَدْ فُقِدوا وَأنَّ مِثْلَ أبي البَيْضاءِ مَوْجودُ

وَأنَّ ذا الأسْوَدَ المَثْقُوبَ مَشْفَرُهُ طيعُهُ ذي العَضَاريطُ الرعاديدُ!!

جَوْعانُ يأكُلُ مِنْ زادي، وَيُمسِكني لكَيْ يُقالَ “عَظيمُ القَدرِ، مَقْصُودُ!!”

وَيْلُمِّهَا خُطَّةً، وَيْلُمِّ قَابِلِهَا لِمِثْلِها خُلِقَ المَهْرِيَّةُ القُودُ

وَعِنْدَها، لَذَّ طَعْمَ المَوْتِ شَارِبُهُ إنَّ المَنِيَّةَ عِنْدَ الذُّلِّ، قِنْديدُ

مَنْ عَلَّمَ الأسْوَدَ المَخصِيَّ مكرُمَةً؟؟ أقَوْمُهُ البِيضُ، أمْ آبَاؤهُ الصِّيدُ؟؟

أمْ أُذْنُهُ في يَدِ النخَّاسِ دامِيَةً؟؟ أمْ قَدْرُهُ، وَهْوَ بالفِلْسَينِ مَرْدودُ؟؟

أوْلى اللئَامِ “كُوَيْفِيرٌ” بمَعْذِرَةٍفي كلِّ لُؤمٍ؛ وَبَعضُ العُذرِ تَفنيدُ

وَذاكَ أنَّ الفُحُولَ البِيضَ عاجِزَةٌ عنِ الجَميلِ—فكَيفَ الخِصْيةُ السّودُ؟؟

Read Full Post »

بعد عدة نقاشات حادة مع عدد من الاصدقاءحول ما يجري  في سوريا وفي محاولات حثيثة منّي لتقريب وجهات النظر من باب ان الاختلافات على اشكالها يجب أن  تصب في النهاية لمصلحة الوطن

انهى صديقي كلامه ممازحاً :”أي والله حلكن تتركوا الشام لأهلها  وترجعوا انتو عاللادقية ” ، ابتسمت في البداية وهمهت:” نعم ..صحيح ” سرعان ما شعرت باختناق مخيف ، وبدأت الدموع تتكاثر لتشكل غطاء كثيفا

لم تكن الاشارة الطائفية الاولى التي اسمعها في هذه الازمة لكنها كانت الشعرة التي قصمت ظهري، وكأن الامان الذي طالما لم اقدر وجوده وحضوره في حياتي  بشكل حقيقي كان مجرد كذبة ، الشعب يرزح  تحت طائفيته  وكم كذبنا حين قلنا نحن استثناء

تتسابق شاشات التلفزة سواء تلك المسمومة أو القناتان اليتيمتان اللتان تبثان من كوالالامبور لتصوير المشهد على انه تلاحم وطني ؛ الهلال يعانق الصليب ، هتافات محببة وجميلة وشاعرية… واحد واحد واحد ، الشعب السوري واحد

لكن ما خفي هو الاعظم ، ففي دوامة ما يحصل بدأت الامور تصبح اكثر وضوحاً ، الاشياء بمسمياتها  ، الناس بطوائفها، والحقد سيد الموقف

تابعت بجمود (ربما هي الكلمة الاصح) بث مباشر لاحتفالية آخرى في ساحة الامويين  للجماعة المؤيدة للنظام (انا منها) كان قد وصلني هاتف للتو من اخي ابلغني ان اربعة شباب من طائفة معينة قد قطعوا في مدينة حمص  وارسلت الجثث المشوهة  الى اهاليهم الذي جنّ جنونهم وفي انعدام تدخل الجيش حتى الان في منطقتهم قاموا باسترداد حقوقهم بانفسهم  وكبداية قاموا باحراق محال المنطقة المجاورة للطائفة المغايرة

تخبرني احد صديقاتي بثقة شديدة : “الشبيحة هم  من قتل هؤلاء ، نعم ، وهم نفسهم من احرقوا محلات منطقة (النزهة ) للطائفة المغايرة لهولاء الذين سقطوا وقطّعوا  ،  الشبيحة هم من يعيثون في حمص قتلاً ، نعم، الشعب السوري( فلتو ع بعضو متل المسك ) في اشارة الى  ان التاريخ الحديث لسوريا ، اقصد العقدين الاخيرين ،  لم يسجل حوادث طائفية تذكر ، تضيف بعصبية : ” متى اصبح الشعب السوري طائفي؟ هذه الاشاعة تصب في مصلحة النظام” ..تكمل بسيل من الشتائم

والشبيحة لمن لا يعرف ، ( بالطبع الكل يعرف ) هم اشخاص تابعون للنظام يرتدون  ثياب مدنية ويقومون بأفعال شائنة تصب في مصلحة النظام ، في المقابل  انتشر مصطلح ” مندس”   وهو الشخص الغير سوري أو الذي لا ينتمي إلى تلك المطقة التي يعيث فيها فساداً مهمته التخريب والقاء التهمة على الجيش

وما بين مندس وشبيح تقوم البلاد بكزدورة نحو الهاوية

الغريب في كوني ” بوقة للنظام” كما يحلو للبعض ان يسميني ، هو توق لتصديق الطرف الآخر ..اريدها ثورة حقيقية على الفساد على البؤس والفقر اريدها ثورة …لكنها ليست ثورة ببساطة

انا التي هللت لثورة تونس …وانشدت في حب البوعزيزي ، انا التي ذرفت الدموع فرحاً برحيل مبارك وهللت للورد الي فتح في جناين مصر ابحث عن ثورة  لالتحق بها، فلاارى فيها الا هلاك وطني

تخضني المشاعر قليلاً وتعبرني سريعاً ليعود ذلك المزاج التهكمي واللامبالي ، لطالما اقنعت نفسي في طفولتي  انّ سوريا هي البلد المفضل لدى الله ، يبدو انه مؤخراً قد ملّ سوريا وذهب في إجازة إلى  جزر  المالديف

تمتمت بسخرية كلمات  ونوس / اننا محكومون بالامل ولا يمكن لما يحدث الان ان يكون نهاية التاريخ

يقول سعد الله ونوس في احد نصوص كتابه: عن الذاكرة والموت

منذ ما ينوف عن ربع قرن تراءت لي عائلة تسير في انفاق متداخلة ومظلمة ، أنفاق تشبه المتاهة ، أو هي متاهة حقاً ! كانت العائلة وهي دون ريب عائلتي بالذات تسير في هذه المتاهة الكالحة دون أي حس فاجع او مأساوي  ، وأذكر أني وضعت تقويماً لهذه المسيرة يبدأ في عام 27 ق.م ، وينتهي في 2699 كان لدى هذه الاسرة ومنذ التاريخ المبكر ، أمل غامض بأن الشمس تتلألأ في مكان ما خارج السراديب ، وكان يكفي أن يتذكروا هذا الأمل  حتى يغذّوا السير ، فيتحول  إلى موكب ، ولكن في معظم الأحوال كانت خطواتهم رخوة ، وكان موكبهم مشوشاً وغارقاً في تفاصيل الأيام الرتيبة

كم تمنت عائلتي هذه الشمس وهذا الصباح وتلك الحياة التي يمجدها كل شيء ، ولكن ما كنت أراه كان مختلفاً جداً ، ففي يوم لم تدركه التقاويم بعد ، وجدنا انفسنا في سرداب طيني ، أرضه موحلة ، وضوءه شحيح لا يكاد يبدد بالعتمة . كنّا عائلة تتألف من أجداد وأب ونساء وأولاد . لعلّي كنت أصغر الأولاد وأقلّهم كلاماً . ولم يكن يخطر ببال أحد من أفراد الاسرة أن وجودنا في هذا السرداب ، هو أمر غير طبيعي أو يحتاج إلى تفسير . كانت تسيطر على الجميع فكرة واحدة ، لاشك أنها تدلت وراثياً من الجد الأكبر إلى باقي أفراد العائلة ، ولم يشك أحد في صحتها ..لا ..لا أظن انها كانت فكرة بل مزيجاً من الإرادة  والرغبة معاً . فجميعهم كانوا يعتقدون ، ولو بدرجات متفاوتة من اليقين أن السرداب سيقودهم إلى الشمس وبرار خضراء ، ازدهارها مسكر وخضرتها أبدية. وكنّا نسير…كان السرداب يفضي بنا إلى سرداب آخر ، ولا تسعفني ذاكرتي بوضع أي تقويم لهذه الرحلة ، لكن في سنة 27 ق.م غاص أحد أجدادي في حماة طينية عميقة ، ولم يكن بوسع أحدهم أن ينقذه . لم نجد حبلاً ولا قطعة خشب نمدّها إليه . كذلك لم يكن لدى الكبار ما يكفي من النخوة والشجاعة كي يخاطروا ويمدّوا أيديهم إليه . غاص جسده كله ، وبقي رأسه طافياً فوق الوحل . عيناه جاحظتان ، ولونه أربد ، ولسانه يتلجلج بكلمات وانات غامضة . هل سمع الباقون ما سمعت؟ كان واضحاً أنه يتهم أخاه. بل رنّت في أذني هذه العبارة المتلجلجة ” قتلني أخي ” لم يهتم أحد بما قال ، وانشغل الأجداد الآخرون بإقامة بعض الطقوس . رُمي أمام وجهه المزرق رغيف خبز ، وتميمة خشبية ، ثم اشعلوا فتيلاً مبللاً بالزيت وغرسوه بالأرض . تلت ذلك بعض الدمدمات الدينية ، التي كانت تغطي حشرجات الجد الغارق وتخمدها .انتهت الطقوس وتابعنا السير ، بقيت اتلفت فأرى الرأس طافية وظلها المتراقص مع الشعلة المتروكة أمامها ولولا ان ابي نهرني وشدني من كمي لما استطعت ان انتزع عيني  من هذه الرؤية .ذلك الحدث وذلك المشهد هما بداية تقويمي الذي أخذت منذ الآن فصاعداً أسجل احداثه الرئيسية. كانت مسيرتنا رتيبة ، وكانت السراديب لا تفضي إلا إلى السراديب والغريب أنه لم يكن هناك أي شعور بالضياع ، وكان تراتبنا في السير يتم بصورة تلقائية وكانه قانون كوني ، الجد الاكبر في المقدمة يتلوه أجداد آخرون ثم أبي ، ثم النساء ، ثم الأطفال ، . وكنت في المؤخرة ، ومن هذا الموقع كان بوسعي أن اراقب المسيرة التي تخرج من نفق لتدخل نفقاً آخر . وقد سجلت ذاكرتي أحداثاً كثيرة ولكن بعد سنوات عديدة عندما تفحصتها جيداً ، اكتشفت أنها عديمة القيمة . في سنة 30 ميلادية توقف  جدي الأكبر عن تناول الطعام ، وكان يجبر نفسه على التبرز مرات عديدة في اليوم . وحين ظن انه صارنظيفاً وخالياً من كل خبث ، تمدد على الأرض وما ت

في اليوم التالي لوفاته انتحى جدي الأصغر بزوجته واسندها على جدار السرداب وأخذ يهز وسطه ، ومثل هذه الانتحاءات كانت تتكرر دائماً ، ولم نكن نوليها أي اهتمام ، كان علينا أن نسير فقط . وكان كل جد توافيه المنية يوصينا بأن نتابع السير ، ويصرف في وصف ألق الشمس التي تنتظرنا . في سنة 620 حدث في عائلتي فتنة فقد اختلف من تبقى من الأجداد حول التمائم وبالتالي حول الاتجاه ، وانقسمنا ، ومازلنا ننقسم عند كل مفترق من مفترقات السراديب .حين اضمحل جمعنا وتفرق الاقرباء ، ولم يبق إلا عائلتنا الصغيرة التي يرأسها أبي ، كانت الشكوك قد بدأت تنفذ إلى قلوبنا ، ومع تزايد الشكوك كان أبي يزداد غطرسة وتسلطاً . منعنا من الكلام ، ووضع قفلاً على فرج زوجته الأولى ، التي أنجبت له ثمانية ذكور وخمس إناث ، وقال لها

. تكونين بوراً إلى الأبد لا يقربك محراث ، ولايرويك ما

وفي عام 1940 كدّر أبي حلم كئيب أيقظه من نومه ، فرفع فستان أمي وانبطح فوقها . بعد أقل من عام ولدتني أمي حاملاً ذاكرة مزدحمة بالصور  والتفاصيل . سرت وراءءهم ، حريصاً على مكاني في المؤخرة بعد عشرين سنة تجرأت وقلت لأبي

لا توجد شمس  ، لا توجد إلا برار ، لاتوجد إلا  هذه السراديب التي نسير في جوفها . أما الأمل الذي يحدونا فإنه كاذب ، وأما عزائمنا فإن رخاوة موروثة تثبطها

احمرّ وجه أبي ، واتقدت عيناه ، وظن الجميع أني هالك . لكن وسط دهشتهم ، قال أبي بهدوء آمر ومتسلط

الأجداد لا يكذبون ..فلنتابع

وتابعنا …في ظروف غامضة مات أبي ..وفي ظروف غامضة مرة آخرى انتظمت العائلة تحت قيادة الأخ الأكبر وفي عام 2007 دبّ خلاف بيني وبين أخي فتخليت عن العائلة ، واتجهت في سرداب مخالف ، تزوجت وأنجبت ، وها انا أقود عائلة جديدة وصغيرة ، لكنها ستكبر مع الأيام ، وكلما كبرت سأحار ماذا أقول لها . مالذي سيجعلها تتبعني في سيري إذا لم أعدها بالشمس والبراري ! وهكذا وجدت نفسي أواري شكوكي ، وأزرع في صدور أولادي يقيناً بأن الشمس تنتظرنا في نهاية السرداب . وتابعنا السير ..صارت السراديب اسمنتية ، وفي زواياها تتدلى مصابيح تخفف العتمة ،لكن السراديب ظلت سراديب ، ومازلنا نسير بحثاً عن شمس ، لم يتأكد أحد قط من وجودها . في عام 2114 ما زلنا نسير …في عام 2690 ما زلنا نسير .. في عام 2699 خانتني قدماي وما زلنا نسير ..وسيوالي أبنائي السير وكتابة هذا التاريخ

.

.

.

! لربّما تنتظرنا شمس ما نحن السوريين في آخر هذا السرداب..لربّما

Read Full Post »

غسان كنفاني

نعم كان هناك رجل اسمه غسان كنفاني

كان له وجه طفل و جسد عجوز ، عينان من عسل و غمازة جذلة لطفل مشاكس هارب من مدرسة الببغاوات ..جسد نحيل ،هش كالمركب المنخور،عليه أن يعالجه بإبر الانسولين كي لا يتهاوى فجأة تحت ضربات مرض السكري وكأن مرضه هدية الطفولة لصبي حُرم من وطنه دونما ذنب

لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التقليدية..قامة فارغة ..صوت جهوري زجاجي..لامبالاة بالنساء ..إلى آخر عدة النضال ، (لأنهُ كان ببساطة بطلاً حقيقياً) والأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين رقةً وحزناً لانجوم السينما الهوليودية الملحمية..الغير عادي في غسان كان تلك الروح المتحدية ، النار الداخلية المشتعلة المصرّة على مقاومة كلّ شيء ، وانتزاع الحياة من بين منقار رخ القدر ..نار من شجاعة تتحدى كل شيء حتى الموت

نعم كان هناك رجل اسمه غسان كنفاني

رجل مبدع اكتمل بالموت لانه كان اكثر صدقاً من ان يسمح له عدوه بالحياة والكتابة والاكتمال بالعطاء، موت غسان المبكر خسارة عربية على الصعيد الفني لا تعوض ، لم يمهلها العدو وقتاً لتأخذ مداها من التأجج والسطوع ..والأجمل من ذلك كلّه أنهّ كان مناضلاً حقيقياً ومات فقيراً (وتلك ظاهرة في زمننا الموسخ بالخلط بين الثورة والثروة)..غسان رجل لم يتلوث بالمال ولا بالسلطة وبلا بالغرور، وظلّ يمثل النقاء الثوري الحقيقي

. نعم..كان هناك رجل اسمه :غســـــان كنفاني

.

.

.

الساعة الواحدة ظهر يوم السبت 8 تموز 1972

خبر مقتضب بثته إذاعة لندن .. (انفجار سيارة يودي بحياة الأديب غسان كنفاني وسط ظروف غامضة )بعد دقائق كنت في سيارة أجرة منطلقة تطوي تحت عجلاتها الطريق إلى بيروت

أتوسل لأول مرة في حياتي أن تقابلني هناك كذبة!.. أجمل كذبة يمكن أن يستقبلها إنسان، تقول: إن الخبر برمته ليس له أساس من الصحة ، ولأول مرة في حياتي أيضاً اجتاز حدوداً بين دولتين بلا جواز سفر ، ولا تأشيرة ، ولا تصريح فتحوا أمامي البوابات ،وحملوني بنظراتهم الطيبة الحزينة ، وتصرفاتهم الجادة الصغيرة والمخلصة والمرتبكة

ذراع واحدة ونصف صدر وبلا أرجل ..الأصابع تعلقت على اغصان الشجر الكثيفة! الوجه وحده بقي سليماً يبتسم مثل هذه الابتسامة..الابتسامة ذاتها التي تعود ان يرسمها في مناسبات هامة ومفصلية رأيتها واضحة على اطراف شفتيه وعينيه المسدلتين على صورة حلم ساخر ، ذلك اليوم ، يوم تناثرت اعضاؤه بين انقاض كثيرة في مساحة جبل وواد

.

.

.

نعم كان هناك رجل اسمه : غسان كنفاني …كان الورق أضيق من غزارة قلمه.. والعمر قصيرا.. والسياط تملأ الأمكنة كلها.. لم يدرك أبدا أن الموت وهو يسخر من حقن الأنسولين اليومية، ومن الحمية المنهكة، ومن الخوف المعشش في اللحظات سيأتيه من ها هنا، ليكمل بفعله المأساوي حلقة أخرى متصلة مع حلقات ما زالت تسطر سفر ملحمة، تكرسه أثرا ومعلما

رحم الله غسان كنفاني الشهيد الشاهد

 في الذكرى التاسعة والثلاثين لاستشهاد غسان كنفاني في 8 تموز 1972 مع ابنة اخيه لميس بانفجار سيارة مفخخة على ايدي عملاء اسرائيلين

منقول بتصرف عن رسائل غادة السمّان وعدنان كنفاني

Read Full Post »

%d bloggers like this: