Feeds:
Posts
Comments

Archive for February, 2012

وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة  بكى عليها قائلاً : إنّك لو علمت أن أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الآن قد أخفي عن عينيك. فإنّهُ ستأتي أيام ويحيط بك اعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة  ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفي زمان افتقادك  لوقا 19 : 41 – 44

ما الحكمة في أن يرى المريض الصحة عندما يمرض  سواء أكانت تاجاً أم خِلخالاً  ! ما الذي يفيدني من استجلاب-استحلاب ذكريات بلد كان آمناً ذات ظهيرة ! استحضار ظلال ايادي متشابكة في ليلة دمشقية مقمرة ، وقع أقدام تتمشى على طرقات باب توما الحجرية و كلّما تقدم الليل ازداد وقع الخطى. ما الفُكاهة في نكتة طائفية لطالما اضحكتنا لاستحالة وقوعها  والدعابة اضحَت اليوم ..قاتلة ! ما المضحك في سكيتش ما من مسرحية فلم امريكي طويل لزياد ؟ ونحن صنعنا حتى اليوم إحدا عشرا  مسلسلاً و فلماً والشمسَ والقمرَ و نجوم الظهر رأيتهم لي واضحين!! ما ال…ما الجدوى من التهكم على القرف اللبناني السياسي الممتد من عصور خلت في نشراتهم في برامجهم في اغانيهم في حياتهم ، ونحن استجلبنا القرف ذاته والحرية ذاتها(حرية الشتيمة والغاء الاخر) لكن على مساحة اوسع

  الساعة تقارب الخامسة صباحاً، السفر باكراً يعني أن  أكسب النهار بأكمله هناك وأعود قبل المغيب،وصلت كرجات البول-مان قبل نصف ساعة  كانت كافية للتزود بالطعام الملوث ك زاد للرحلة . الباص في الموقف 13 بين القدموس والأهلية اخترت القدموس الذي سيصل مباشرة إلى حمص دون توقف باستراحات لا تمت للراحة بصلة..السفر مبهج  خصوصاً عندما تكون بمفردك..انتظرت ريثما يفتح مساعد السائق باب الباص ،راقبت عن كثب مرتادي الرحلة كان الوقت صيفاً الحرارة لم تشتد بعد والجميع يشاركني بهجة لا أعرف لها مرداً ….صرخ شاب : ركاب حووووومص .المقعد الأول مباشرة خلف السائق لا يتيح لي اسناد ركبتي بشكل مريح لأنني سأزعج السائق حتماً..لم أدع الموضوع يزعجني، تمترست قرب النافذة وضعت التيكت الورقية في مكان كأس الماء البلاستيكي ،مكاني في المقدمة يتيح لي الاستمتاع بتفحص الصاعدين إلى الباص ،تفحصت بنظرة خاطفة الجالس بقربي ،هو الآخر بدوره تفحصني تلاقت نظراتنا على الكيس الأسود الذي كان يحمله..كيس صغير يفضح محتوياته ..بزر اسود ، قلت في نفسي “ليته كان دوار ” كنت مستعدة أن يعرض عليي كمشة بحجم قبضته الكبيرة..لكنه لم يفعل اكتفى بسعال خافت متجاهلا أياي.. تنحنح الباص خرّ قليلاً تبادل السائق والمساعد وشخص آخر في الخارج كلمات غير مفهومة أقرب للصياح ..انتهت بضحكة مجلجلة ..ما تبادلوه للتو كان نكتة  حمصية مفادها أنه”كان في واحراحلعندبلنيبملتبيتلمبليب” لم استطع تفكيك الحرف الملصق بغراء الضمّة الموضوعة في اغلب حروف الكلمات الحومصية.انطلقنا دعاء سريع..لا لتيسير السفر والاتكال على الله ..دعاء من القلب صامت وصادق أن يمتنع المساعد عن وضع فلم مصري بورنو او خلافه..وإن كان الحظ جيد والدعاء مستجاب ف”ضيعة ضايعة” وإن كان متوسطاً ففيديو كلاب ” وإن كان الله يحبنا بحق فسيكتفي بصوت الصباح..وهذا ما حصل  ..أبقاها خافتة لكن قربي من السائق جعلها تصل لمسامعي واضحة..يا جبل البعيد..خلفك حبايبنا..بتموج متل العيد..وهمّك متعبنا.. رفعت الستارة ، اسندت رأسي لزجاج مازال بارداً ..ساعتان وسأكون في حمص..نهار كامل في بيت أخي لأرى الطفلة الجديدة الحفيدة الأولى في العائلة..أريها هديتها السيارة التي تتحول إلى طيارة في كبسة زر ويمكن وضعها في سطل ماء فتصبح زورق أو غواصة..لا أدري ،شرب كأس متة على سطح داره المطل على احياء المهاجرين من ثم التبضع من الدبلان والعودة إلى الشام في اليوم ذاته

. . . لم أكن لأظن أن تفاصيل ذهابي المتكرر لحمص المكرور والرتيب والعادي ، سيصبح يوماً ما مغامرة، وأن الجلوس على طرف نافورة مصابة بِإعاقة جمالية متوسطةً بناء استراحة البولمان في حمص متجاهلةً نداءات متواصلة : عالشام معلم؟ أختي لوين رايحة؟ حلب !! ع حلب !! بعد نص ساعة شو قلتي؟ لم أكن لأظنها شيء ..مثير ! وسأتمنى لاحقاً لو يعاد بأصغر وأتفه تفاصيله. لم أكن لأظن أن التسكع على  ارصفة بولمان حمص بانتظار الباص العائد إلى الشام، تناول سندويشة الشاورما من المحل الأشهر في الاستراحة (ع الزاوية)والمليئة ب 99 ألف نوع من انواع الميكروبات سيغدو حلماً ، البحث عن محل يشحن لي جهاز هاتفي الذي انتهى شحنه لأسأل أمي إن كان بامكاني التوجه إلى حماة لقضاء ليلتي عند بيت خالتي(بمعناها الحرفي وليس بمعناها السوريّ) أو لزيارة أخي الثاني في اللاذقية..هه!! هل حقاً كان بإمكاني التنقل بين المحافظات بهذه السهولة!! مستلزمات الرحلة حقيبة على الظهر تحوي فرشاة اسنان وبيجاما ،الاغاني المناسبة للاستماع والاستمتاع فقط لا غير .ابتسامة ل..الحرية..حرية التنقل كما النسمة  تفاصيل أصبحت كالحلم..حلم ليلة صيفية سوريّة..وأنا السيئة الحظ لا أستطيع الذهاب إليها..ولا الرجوع إليّ

.

.

.

  تتحرك ابرة الراديو من تلقاء نفسها :   … وقد أعلن نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية قلقهُ الشديد حيالَ ما يجري في سوريا ، مستبعداً حتى الأن خطوة استقدام قوات خارجية إلى سوريا

هذا وفي النشرة أخبارٌ أخراااا

Advertisements

Read Full Post »

موظف وزوجته بعد الغداء

نهار صيفي قائظ

بعد غداء دسم

الرجل والمرأة يميلان للبدانة

.

.

.

يجلس الرجل على حافّة السرير ، يشعل سيجارة . بينما تتربع المرأة فوق السرير ، بدأت تنتف بالملقاط شعرات متناثرة على ساقيها البيضاوين

يتجشأ الرجل ويقول : أكلت إلى حدّ التخمة

بعد صمت قصير ،تعقّب الزوجة وكأنها تحدث نفسها : كلّ يوم تقول أكلت إلى حدّ التخمة

يمجّ الرجل سيجارته ، ويقول باندفاع : خَلصْ ..غداً سأبدأ رِجيماً قاسياً

بعد صمت قصير تعقب الزوجة ، وكأنها تحدث نفسها: كل يوم تقول ..خَلصْ غداً سأبدأ رجيماً قاسياً

يقول الرجل بضيق : وأنتِ ..هل تمسكين عليّ دفتراً بما أٌقول

بعد صمت قصير ، تعقب الزوجة، وكأنها تحدث نفسها : كل يوم تقول وأنتِ هل تمسكين عليّ دفتراً بما أقول

ينفخ الرجل مجَّة الدخان الأخيرة وكأنّه يتنهد . يطفئ السيجارة في المنفضة الكائنة على الكوميدينة

يمدّ يده.يفتح الراديو. يتدفق صوت نسائي بالدلع والغناء”ماشربش الشاي. أشرب أزوزة أنا” يهتز الهواء الحار في الغرفة ،وتحوم ذبابة حُبست معهما

يدير الزر ، ويخفض الصوت .يحرّك المؤشر مغيّراً المحطّة. ينبعث صوت مذيع: “دعا الأمين العام للجامعة العربية”.يغير الرجل المؤشر

تنداح في فضاء الغرفة دقّات ساعة بيغ بين تتطاول الدقات وكأنها لن تنتهي

يُغلق الرجل الراديو بحركة عصبية ثم يمد يده ودون ان يلتفت إلى فخذ امرأته . يتحسّس نعومة الفخذ بحركة آلية وفاترة

تقول الزوجة، وهي تنتف شعرة من ساقها الآخرى:أجّلها إلى الليل

يجيب الرجل ، ودون أن يلتفت: لا في الليل يسرقنا التلفزيون

تضع المرأة الملقاط تحت المخدة . بحركة آلية تخلع سروالها  . تتمدد على ظهرها . يخلع الرجل بنطلون البيجاما ، وسرواله لعريض الفردتين.ينبطح فوقها،تغمغم الزوجة: ألا تعتقد أننا نكثر ؟ يدمدم الرجل من بين أسنانه: وماذا نفعل

يعمّ صمت رخو لا يخدشه إلا أزيز ذبابة وحيدة

يرتفع الرجل ،يهوي ، يرتفع ، يهوي ..تغرز الذبابة خرطومها في ظهر الرجل المغطى بالعرق والدهن

يرتفع الرجل ،يهوي ..يرتفع الرجل ، يهوي ..تطير الذبابة وتحط على المصباح الكهربائي المتدلي من السقف

تنظر من أعلى .. يرتفع الرجل، يهوي ..تشعر الذبابة بالتقزز والحزن. تطير محمومة باحثة عن مخرج

يرتفع الرجل ، يهوي.. يحشرج بصوت مخنوق ….لا يند عن المرأة صوت

يظل الصمت رخواً مخيماً على الغرفة . ينهض الرجل عن المرأة، يرتدي سرواله وبنطلون بيجامته،يتّجه نحو الباب،يخرج من الغرفة

تشعر الذبابة بالفرح وهي تطير عبر الباب المفتوح..

تنقلب المرأة على جنبها الأيسر وتغمض عينيها

بعد قليل يتناهى من داخل البيت صوت اندفاع الماء بعد فتح سيفون المرحاض، تعوم الضجّة في صمت الغرفة وفراغها كفقاعة صابونية كبيرة

يعود الرجل إلى الغرفة ، يتحول صوت الماء الذي يملأ خزان المرحاض إلى خرير خافت

تصغر الفقاعة الصابونية حتّى تتلاشى ، يتجشأ الرجل عدة مرّات

يتمدد على الطرف الثاني للسرير مُديراً ظهرهُ للمرأة ، بعد قليل يخدش الصمت وبشقوق متوازية، شخير منتظم ورتيب

.

.

.

يُمكن أن تتقزز من الذباب ، وأن تَعتَبِره “حشرات كريهة” و قادرة على أن تُزعج الإنسان في نومهِ و راحته ، بل وأن تؤذيه في صِحّته.ولكن مَهما كان فإن هناك جانباً في حياة الذباب ، لا يستطيع المرء حين يُراقبه عن كثب إلا أن يُعجب به وأن يفهم بالتالي تقزز الذبابة التي رأت الرجل يُضاجع امرأته ،ورغبتها العارمة بالفرار . والجانب الذي أعنيه هو الحب عِند الذباب كما حفِظَتهُ ذاكرة الطفولة

يقترب الذكر مِن الأنثى بِخطىً مُتلهّفة،لَكِنّها تخلو مِن عُنف الحيوانات الأُخرى .تَخلو مِن غطرسة الديك وعُنف التيس . ويلتحم الذكر بالأنثى .بعيداً عن الطابعِ الاستعراضي ،فحين يلتحم الذكر بأُنثاه، يبدو وكأنهما دَخلا حالة من الوجدِ الغامض .. قررا أن لا ينفصلا ما دَامت فيهما قوة أو حياة ..كأنهما يريدان أن يجدِّدا المتعة ،فيطيران بإجنحة أربعة متناسقة وغالباً ما يبحثان عن بقعة يصيبها شعاع من الشمس ،فيحطّان فيها طالبين أن يمدَّهما الدفء بمزيد من الرغبة والقوة .ومرة حاولت أن أعرف كم يمكن أن يستمر هذا الالتحام،ولكني مللت قبل أن يبدو عليهما أنهما سيفكّان التحامهما . كُنت طفلاً..فشعرت بالغيظ وبدأت أطارِدهما . وما يدهش في الأمر أنّهما تحمَّلا كل المطاردة وهما متلاحِمان يطيران بأجنحة أربعة . وأخيراً استطعت أن اهرسهما بِضربة من شحاطتي

  قد يكون الذباب مُزعِجاً وربّما ضايق الإنسان وأقلق راحته ،لَكِن هذه الشرور كلها تبدو صغائر تافهة إذا ما قيست بالوحشية السادية والمجانية التي بدرت من طفل يهرس جسدين صغيرين متلاحمين بحب وحنان. صحيح إن القوي هو الذي يضع القيم والمعايير ولكن لو تناسى الإنسان قليلاً أنّهُ الكائن الأقوى على هذهِ المجرّة، ولو عاين ما فعله وما يفعله،وقارنه مع سلوك أشد الحيوانات عدوانية و وحشية ، لَوَجَد أنّهُ الأكثر وحشية وعدوانية بينَ كل وحوش الأرض ودوابّها وحشراتها

سعد الله ونوس

عن الذاكرة و الموت

 

Read Full Post »

كان الوقت ظهراً وألوان الغرفة النظيفة تلتمع رغم انسدال الستائر ببريق هادئ يعطي احساساً ممتعاً بالنظافة

لم يكن ذلك هو إحساس الذبابة الصغيرة التي تتقافز على طلاء السقف الأشهب بانزعاج وضيق ، لقد ولِدت منذ يوم واحد ، ولم تتعلم بعد أي شيء عن تلك المرئيات الغامضة التي تزحم عينيها

كانت وحيدة وجائعة ،وشيء مبهم يُحرّك في صميمِها حُزناً يمتزج بالدهشة الحائرة ، وطنّت كما لو أنّها تستغيث ، ثم راحت تهوم فيما أحاسيسها المكتئبة تنمو وتشتد

كانت الغرفة واسعة كالعالم .. وما من ذبابة أخرى تلوح على المدى البعيد. ولحظتها كان بوسعها أن تهتف ملء جوارحها صادقة : إنّي جائعة وحزينة

ولكن حتى لو صرخت فمن الذي كان سيسمعها ! حطّت على منتصف الجدار المقابل لِباب شافّ يلتحم بإطاره ، ثمَ شرعت تنزلق بحركة مضطربة، يفضحهها تبعثر عينيها الصغيرتين اللامعتين

 لقد ولِدت منذ يوم واحد وكان مشروعاً أن تُزود ببعض الإيضاحات الأولية عن العالم  الذي ستحيا فيه . ولكن أحداً لم يفعل

قادتها أرجُلها المتقافزة إلى حافة مكان واسع و طويل ، حينئذ أبصرت كتلة حمراء ذات إطار أسود ، ونفذت إلى خَطمِها رائحة حسّية مبهمة، فاندفعت على الفور كأّن صوتاً حبيباً يناديها

خيّمت على سطح دافئ حيث شَملتها هبّة من تلك الرائحة أكثف وأشد تركيزاً

لم تكن أمّها التي لم تعد تعرفها الآنقد علّمتها شيئاً عن هذه الروائح وأخطارها..ولِذا غرزت خرطومها بذهول في السطح اللين الذي تخيّم عليه

وبينما كانت تتلذذ بطعم دهني سلس ، تطّوح نحوها جسم هائل ، فقفزت إلى حافة المكان مُرتعدة دون أن تدرك شيئاً البتّة

..كان النداء الغامض أقوى منها ..انهمرت ثانية على البقعة نفسها ، وأنشبت خرطومها في ليونتها الدسمة

اندفع الجسم الهائل مرة أخرى ـ تصحبه أصوات ضخمة راعِدة ، وبينما كانت تطير وكل أعضائها الصغيرة ترتعش ، كان السرير يئن ، وجسم ينهض

لَبدت الذبابة الصغيرة  التي ولِدت منذ يوم واحد فقط على الحائط القريب من السرير ..لاهثة ومذهولة

كان كل شيء عجيباً ومدهشاً في الوقت نفسه وإلى حزنها انضافت رعشة الرعب

ما مرّت لحظات حتى فرقع إلى جِوارها صوت زاعق ، ولمحت كما الحلم العابر شيئاً يصطدم بالحائط . اشتدَ وجيبُ قلبها وازداد لهاثها ،وهي تقف على الجدار الثاني

لم يكن في ذهنها ما هو واضح ، عِندما شعرت فجأة أن رأسها ينفجر ويتطاير ، وأن سواداً كثيفاً يهبط كالنار .. وسقطت على الأرض ، ولم تكن قد عرفت شيئاً

تأوه السرير ثانيةً ، ثم سكن كل شيء ، ومازالت الألوان تلتمع ببريق هادئ

سعد الله ونوس” ذُبَابة غَاضِبة”

Read Full Post »

ذُبابيات

نأياً عن علك الكلمات في سوق الكلمات الدارج، وخوفاً من الخوض في الوحل وقد خاضت فيه بالفعل بكلتا قدميّها; شرنقت نفسها بالصمت ، فالكلمات فقدت كثافتها الحقيقية وغدت لغواً  ، الوقت أصبح غريباً غامضاً يصعب تحديده ، هل نحن على ابواب الليل أم النهار ! المكان أيضاً اصبح مبهماً هل هنا الشام أم قندهار؟

لوعة لا يمكن وصفها  ..ودّت لو تبكي،لو تنشج بعد شهور من احتباس الدمع لكنّها حافظت على أقل قدر من الضوضاء والعويل، أصبح الصمت عكّازها الذي تتكأ عليه لتمشي بخطى متّزنة

لكن أليس العجز عن البكاء جزء من الخواء الداخلي !! لقد اصبحت حالتها مزيج من السديم والخواء

.

.

.

حتى لا يتراكم الجليد في هذا المكان  ولأن لا رغبة لي في تناول الشأن العام ..فقط محاولة لإيقاظ الحواس من خدرها الطويل  تناولت علاج هجومي مكثف عبارة عن كبسولات موسيقية وجرعات قِرائية لم تخب يوماً  في هدهدة اعماقي وشرنقة نفسي بعيداً عن الطقس الجنائزي..لكأنها دفقة حياة

ستكون هذه المدونة في الأيام القادمة لِلكتاب والموسيقا و الذُباب ويُمنع تداول الشأن السياسي في كوالامبور أو أي مكان آخر على هذا الكوكب الأصفر

الذباب..نعم الذباب

.

.

.

كان ينبغي أن أفشل بالحب  مرات عديدة كي أكتشف أن الإنسان يفتقر كثيراً إلى الحساسية والجمال اللذين يتحابّ بِهما الذباب ، وفي لحظات كثيراً ما حسدت الذباب على تلك القدرة على الطيران بأجنحة أربعة ، وبشهوة تتدفق في العروق متجددة ومديدة

في مسرحية أوجين يونيسكو القصيرة ، يخرج الناس من الكنائس بعد أن أدّوا صلاة يوم الأحد ، ثم يتبادلون أعذب التحيات والابتسامات مؤكدين أن كلّ شيء حسن . النور ، والعالم ، والصباح المشرق ، و وجوه الناس المغسولة ، والضحكات الوضاءة ، والمحبة الغامرة ،ويهجع كل انسان الى رفيقة عمره متفائلاً وسعيداً . انتهت المتاعب وانقشعت السحابات التي كانت تربض خلال أيّام الأسبوع حاجبةً وجه الشمس . ومن أجهزة التلفزيون ينبعث نشاز ، رغم اختلاطه وعدم وضوحه ، يوحّد بين كائنات باريس السعيدة في صباح أحد ما ،يتوج أسبوعاً ما ، من سنة ما

آه .. ذلك الوجه السطحي للوجود الانساني ،وليس من يجرؤ على تخيّل ما يكمن خلف التآلف العابر الذي يشع على وجوه الناس جميعاً

بعد قليل سيجلسون إلى مائدة الغداء ، وسيكتشف كل زوج بطريقة غريبة للغاية أن ثمّة ذُبابة في الحساء . طبعاً للذبابة هنا معنى يتجاوز تلك الحشرة ذات الاجنحة الشفافة والعيون الكروية التي ترى ما تأخر من مرئيات. إنّها الكراهية النائمة ، والسآمة التي تُعنكب في صميم الانسان ، فتفسد صفاءه ، وتخرّب الابتسامة التي تغسل وجهه. ويصرخ زوج ، ثم يتلوه خطيب ، فزوج آخر .وتجيب زوجة ،ثم تتلوها خطيبة ، فزوجة آخرى ..وترتفع الصرخات ، ويعلو الصخب . ومن بيت إلى بيت ، ومن شارع إلى شارع تنفجر كل الذبابات المعنكبة في أعماق البشر ، وتنسفح أوعية الحساء ، ثم تشبُّ الحرائق وتنطلق الصواريخ شرقاً وغرباً وتدمّر العالم  ! إن ذبابة في الحساء قد فجّرت العالم ..أحرقته، دمّرته  . لقد حمّل يونسكو هذه الحشرة ، التي يراها صغيرة وتافهة مشاعر الدمار الكامنة في أعماق البشر، والعبث الذي يطبع هذا العالم، وكأنّه جزء من حياته اليومية

هذا ما يود يونسكو قوله في مسرحيته القصيرة (الغضب) . وقد يبدو حين بتابع الأنسان الفوضى التي تسود حياتنا أن ذلك صحيح وبصورة مرعبة  ، تدفع الانسان إلى التخلي وإلى الصياح بأعلى صوته ..ليذهب كل شيء إلى الجحيم ، ولتنته هذه اللعبة المدوخة ! صاروخ ينطلق في نيفادا . إنسان بوذي يشعل النار في جسده بحثاً عن حرية بلاده ، زنجي يهرق صوته مطالباً بحقه في أن يكون ، وأن يمارس انسانيته . ثمّة تهديد يعوم على أجنحة الأثير ، ومذياع يبعث الموسيقا الواخزة ، وكلمات بعينها تتردد..دائماً تتردد. إن السلام كلمة جميلة الإيقاع ، وحمامته تطير كسيرة الجناح

يشعر المرء أنّه يختنق ، وأن الغضب قد خنق العالم بالضباب ، وبأدخنة المازوت السوداء . ولم تبق إلا لحظات يسيرة ، ثم يدوي الانفجار الساحق ..فيلمُّ رداء الصمت الحكيم و المجنون ، الحقيقي و التافه ، في قماط واحد ، يعيد للبشر وحدتهم الأولى ، حين لم يكن قابيل قد قتل هابيل ، وحين كانت الشمس ماتزال ضوءاً لاهياً ، لم تملأه وقائع أرض تدور حول نفسها بالدم والصديد

  هذا الطبع الرخو لوجودنا ..كيف تمارس التناقضات الوفيرة إرهاباً يومياً ضد الأمل ، الذي ما زال يستطيع التفكير بالغد ، بمايلي عطلة الأسبوع ، والذبابة المتثائبة في الحساء

مما لايمكن قبوله أن يكون العالم هذه النكتة السفيهة ، تطلقها قوى تريد أن تهزأ مما يتعارض حتى مع تعاقب الليل والنهار وابتسامات العجائز على حواف القبور ، وعدو  الصغار ..أن نكون بنياناً من الرمل ! كثيباً من المزاح يتبدد مع تلاشي فقاعات الضحكة في الأفواه

من الراديو تتدفق أنغام نقية وعذبة

امتدت أصابع مرحة فالتقطت الذبابة  .. نظرت إليها دون قرف ورمتها في صحن البقايا ، ثم تطاولت البسمة وامتدت . سيكون بعد الظهر جميلا لأننا نعرف أن الضوء يؤوب دائما رغم اسفاره المنتظمة

عن الذاكرة و الموت لِسعد الله ونوس

Read Full Post »

%d bloggers like this: