Feeds:
Posts
Comments

Archive for March, 2012

رغم طول المادة المدرجة أدناه ومحاولتي إيجاز ما تيسر لي إلا أنني وددت لو أستطيع أن أعيد كتابة ما التهمته بشغف ونهم للمرة الثانية هذا العام  وإن كُنت على يقين أنّهُ كلما ازداد طول النص  المبسط والمختصر للغاية على أيّة حال ، فهذا يعني مرور العين سريعاً على الأسطر دون تطرق لِفحوى المحتوى من قِبل القارئ الذي للمرة الأولى أحرص أن يشاركني بهجة…المعرفة  فقط لا أكثر

الكتاب هنا،  يندرج تحت تصنيف علم النفس الإجتماعي، وهو بنسخته المترجمة للعربية-ترجمة هاشم صالح- سلس وبسيط ولا يتجاوز 200 صفحة بالإمكان قراءته في أوقات نشرات أخبار يوم عطلة ما سوف ينتهي بالتأكيد. الإصدار الأول للكتاب كان عام 1895 . أمّا عن مؤلّفه غوستاف لوبون فهو  مؤسس علم نفسية الجماهير أو على الأقل منظّره الأول،استخلص قوانين السلوك البشري المتأثر بالجمهور أو المنخرط فيه موجهاً ضربة  لذلك التصور عن الطبيعة البشرية الذي ترتكز عليه النظرية الكلاسيكية للديمقراطية والأسطورة الديمقراطية للثورات

‘توطئة’

.

.

 : اكتشاف ظاهرة الجماهير في العصر الحديث

عندما ظهرت الجماهير كحقيقة واقعة وضخمة وهدّدت النظام الاجتماعي القائم حاول المفكرون أن يفهموها ويدرسوها وقد تبلورت معهم على الشكل الآتي
الجماهير هي عبارة عن تراكم من الأفراد المتجمعين بشكل مؤقت على هامش المؤسسات وضد المؤسسات القائمة . بمعنى آخر  الجماهير مؤلفة من أشخاص هامشيين وشاذين عن المجتمع وهكذا نجد الجمهور يتطابق -بحسب هذه النظرة الأخيرة-مع “الرعاع” و “الأوباش” إنّهم رجال ونساء بدون عمل محدد ، مستبعدون من ساحة المجتمع الفعلية ،الشكل الآخر الذي طُرح  هو أن الجماهير مجنونة بطبيعتها فالجماهيرهي التي  تصفق بحماسة لمطربها المفضل أو لفريق كرة القدم الذي تؤيده  والتي تصطف على جانبي الطريق ساعات وساعات لكي تشهد من بعيد مرور شخصية مشهورة أو زعيم كبير للحظات خاطفة . والجماهير المهتاجة التي تهجم على شخص لكي تذبحه دون أن تتأكد من أنّه هو المذنب جميعها مثال جيد على جنون الجماهير
فإذا ما أحبت الجماهير ديناً ما أو رجلاً ما تبعته حتى الموت كما يفعل اليهود مع نبيهم والمسيحيون وراء رهبانم والمسلمون وراء شيوخهم..كما أن الجماهير تحرق اليوم ما كانت قد عبدته بالأمس ، وتغيّر أفكارها كما تغير قمصانها
تكمن أهمية لوبون في أنّه اقترح خطاً ثالثاً لتفسير ظاهرة الجماهير تتلخص في أن الميزة  الأساسية للجمهور هي انصهار أفراده في روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على  التمايزات الشخصية وتخفّض من مستوى الملكات العقلية تماماً كما المركب الكيماوي الناتج عن صهر عدة عناصر مختلفة فهي تذوب وتفقد خصائصا الأولى نتيجة التفاعل. لم يوافق على نظرية أن الجماهير “مجرمة” بطبيعتها ، كما أنّها ليست فاضلة سلفاً
 هي مجرمة ومدّمرة أحياناً وقد تكون كريمة وبطلة  تضحي بدون مصلحة ، وأحياناً هذا وذاك في نفس الوقت ولكن في النهاية قوة الجماهير وجبروتها هي القوة الجديدة التي نهضت وترسخت في الوقت الذي راحت فيه عقائدنا القديمة تترنح وتتهاوى و نضال الجماهير هو القوة الوحيدة التي لا يستطيع أن يهددها أي شيء وهي القوة الوحيدة التي تتزايد هيبتها وجاذبيتها باستمرار لذا فإن هذا العصر هو عصر الجماهير
يُكمل غوستاف في فصل عواطف الجماهير وأخلاقيتها : إن الجماهير غير ميّالة كثيراً للتأمل ، وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية .ولكنّها مؤهلة جداً للإنخراط في الممارسة والعمل ،التنظيم ربّما يجعل قوتها ضخمة جداً ويضفي عليها القوة  والنزعة الطغيانية المتسلطة التي لا تقبل أي مناقشة أو اعتراض ، وهكذا نجد أن الحقوق الإلهية للجماهير قد أخذت تحل محل القانون الإلهي للملوك
التاريخ يعلّمنا أنّه عندما تفقد القوى الأخلاقية التي تشكّل هيكل المجتمع زمام المبادرة من يدها ، فإن الانحلال النهائي يتم عادةً على يد هذه الكثرة اللاوعية والعنيفة
حيث أن تدمير الحضارات العتيقة قد مثّل حتى هذه اللحظة الدور الأكبر الذي تلعبه الجماهير  وقد كانت الحضارات قد بنيت و وجهت حتى الآن من قبل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تبن أبداً من قبل الجماهير ،فهذه الأخيرة لا تستخدم قوتها إلّا في الهدم والتدمير ، كما أن هيمنتها تمثل دائماً مرحلة من مراحل الفوضى.فالحضارة-أية حضارة- تتطلب قواعد ثابتة،ونظاماً محدداً،والمرور من مرحلة الفطرة إلى مرحلة العقل ،والقدرة على استشراف المستقبل ،ومستوى عالياً من الثقافة.وكل هذه العوامل غيرمتوفرة لدى الجماهير المتروكة لذاتها فالجماهير بواسطة قوتها التدميرية فقط تمارس فعلها كالجراثيم التي تساعد على انحلال الأجسام الضعيفة أو الجثث ثم تنخر أسس الحضارة وتقوضّها ،وفي تلك اللحظة بالذات يتجلّى دورها وعندئذ تصبح القوة العمياء للكثرة هي الفلسفة الوحيدة للتاريخ
لنستسلم إذن لحكم الجماهير ، ذلك أن الأيادي الجاهلة قد حطّمت كل الحواجز التي كان بإمكانها أن توقفها عند حدّها
عندما نتكلم عن مصطلح جمهور من وجهة نظر نفسية،فإنّه يختلف تماماً عن معناه العادي  -تجمع لمجموعة لا على التعيين من الأفراد-ففي بعض الظروف المعينة يمكن لتكتل ما من البشر أن يمتلك خصائص جديدة مختلفة جداً عن خصائص كل فرد يشكله.فتنطمس الشخصية الواعية للفرد ، وتصبح عواطف وأفكار الوحدات المصغّرة المشكلة للجمهور موجهة في نفس الاتجاه وعندئذٍ تتشكل روح جماعية تتمتع بخصائص محددة ومتبلورة تماماً وخاضعة لقانون الوحدة العقلية للجماهير.وبالطبع ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار باتجاه واحد لا يتطلب بالضرورة حضوراً متزامناً في نقطة واحدة. إن آلاف الأفراد المنفصلين عن بعضهم البعض بإمكانهم أن يكتسبوا صفة الجمهور النفسي في لحظة ما وذلك تحت تأثير بعض الانفعالات العنيفة أو تحت تأثير حدث قومي عظيم
الظاهرة المدهشة أكثر في الجمهور النفسي هي التالية: أياً تكن نوعية الأفراد وكذلك اهتاماتهم ومزاجهم فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية وهذه الروح تجعلهم يتحركون بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي كان سيتحرك بها كل فرد منهم لو كان معزولاً! فالجمهور النفسي هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة لكنهم متراصّو الصفوف للحظة من الزمن
من هنا فإن  الكفاءات العقلية للبشر(المتجمهرين) وبالتالي فرادتهم الذاتية تُمحى وتذوب في الروح الجماعية وهكذا يذوب المختلف في المؤتلف وتسيطر الصفات اللاواعية مما يفسر لنا السبب في أن الجماهير لا تستطيع إنجاز الأعمال التي تتطلب ذكاء عالي

الفرد المنضوي في الجمهور يكتسب بواسطة العدد المتجمّع فقط شعوراً عارماً بالقوة وهذا ما يتيح له الانصياع إلى بعض الغرائز وهو ينصاع لها طوع واختيار لأن الجمهور”مُغْفَل” بطبيعته وبالتالي غير مسؤول.وهكذا فالفرد المنخرط في جمهور تتلاشى شخصيته الواعية مقابل هيمنة الشخصية اللاوعية بواسطة التحريض والعواطف والميل لتحويل الأفكار المحرّض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه وإنّما يصبح عبارة عن إنسان آلي  وبالتالي  ينزل درجات في سلم الحضارة فهو عندما يكون فرداً معزولاً ربّما يكون إنساناً مثقفاً متعقلاً ، ولكنه ما إن ينضم إلى الجمهور حتى يصبح مقوداً بغريزته وبالتالي همجياً وهو عندئذٍ يتصف بعفوية الكائنات البدائية وعنفها وضراوتها وحماستها وبطولاتها أيضاً ويقترب منها أكثر بالسهولة التي يترك نفسه فيها عرضة للتأثر بالكلمات والصور ليسير نحو الأفضل أو نحو الأسوء حسب الطريقة التي يتم تحريضه عليها أو تحريكه بها هكذايصبح من  السهل اقتيادهم إلى المذبحة والقتل باسم النضال  من أجل انتصار عقيدة إيمانية أو فكرة ما ، ومن السهل تحريكهم وبث الحماسة في مفاصلهم من أجل الدفاع عن المجد والشرف وبالإمكان تجييشهم واقتيادهم بدون خبز وبدون سلاح تقريباً كما حصل أثناء الحروب الصليبية من أجل “تخليص قبر المسيح من أيدي الكفار” ،أو من أجل الدفاع عن تراب الوطن بعد قيام الثورة الفرنسية بأربع سنوات فقط . صحيح أنها بطولات لا وعية إلى حد ما ، ولكن التاريخ لا يصنع إلا من قبل بطولات كهذه
إن العديد من خصائص الجماهير تتجلى في  سرعة الإنفعال والنزق والعجز عن المحاكمة العقلية وانعدام الرأي الشخصي والروح النقدية والمبالغة في العواطف والمشاعر كل ذلك نلاحظه لدى الأشكال الدنيا من التطور كالشخص المتوحش أو الطفل حيث ان الجماهير تحت تأثير المحرضات الخارجية بينما الفرد المعزول يمكنه أن يخضع لنفس المحرضات المثيرة كالإنسان المنخرط في جمهور ولكن عقله يتدخل وبيين مساوئ الانصياع لها وبالتالي..لا ينصاع الفرد المعزول لأنّه يمتلك من الأهلية والكفاءة للسيطرة على ردود فعله ما لايمكله هو نفسه داخل الجمهور
والإنفعالات التحريضية ليست بالضرورة مجرمة أو جبانة ربّما تكون كريمة وبطولية لكنها سوف تكون دائماً قوية ومهيمنة على نفوس الجماهير إلى درجة أن غريزة حب البقاء نفسها تزول أمامها بمعنى أنها مستعدة للموت من أجلها
المحرضات قادرة على تهييج الجماهير والجماهير تنقاد إليها دائماً بحيث أنها تنتقل في لحظة واحدة من مرحلة الضراوة الأكثر دموية إلى مرحلة البطولة المطلقة.وهكذا بإمكان الجمهورأن يصبح  بسهولة  جلاداً ولكن يمكنه بنفس السهولة أن يصبح ضحية وشهيداً  فمن أعماقه سالت جداول الدم الغزيرة الضرورية لانتصار أي عقيدة أو إيمان جديد فالجماهير لا تبخل أبداً بحياتها عندما يحدث الهياج الشعبي
لاشيء متعمد لديها أو مدروس أقصد الجماهير فهي تستطيع أن تعيش كل أنواع العواطف وتنتقل من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق وتحت تأثير المحرض السائد في اللحظة التي تعيشها
وهذه الصفة الحركية المتغيرة التي تتميز بها الجماهير تجعل من الصعب حكمها وخصوصاً عندما يسقط جزء من السلطات العامة في يدها .إن الجماهير ترغب في الوصول إلى الاشياء بنوع من السعار المجنون ما أن تصل حتى لا تثبت على مرادها لفترة طويلة فهي عاجزة عن الإدارة الدائمة مثلما هي عاجزة عن التفكير الدائم والمستقر وكما الجمهور انفعالي ومتقلب فهو همجي لا يعبأ بأي عقبة تقف بين رغبته وبين تحقيق هذه الرغبة والعدد الكبير للجماعة يشعره بامتلاك قوة لا تقاوم
الانسان المعزول يعرف جيداً أنه لا يستطيع أن يحرق قصراً أو أن ينهب مخزناً ولكن ما إن ينخرط في جمهور حتى يحس بالقوة الناتجة عن العدد والكثرة وكل عقبة مفاجئة تعترض طريقه يكسرها بجنون مسعور
إنه في حالة من الترقب لأي اقتراح وأول اقتراح يفرض نفسه مباشرة على الجمهور الشارد على حافة اللاوعي  المتلقي بطيبة خاطر كل الاقتراحات والأوامر مبدياً سذاجة وسرعة تصديق منقطعة النظير فيصبح المستحيل غير موجود بالنسبة له ومن هنا تخلق الأساطير والحكايات الأكثر غرابة وشذوذ وتشيع وتنتشر بسهولة في أواسط الجماهير
ويلاحظ أن العواطف التي تعبر عنها الجماهير سواء أكانت طيبة ام شريرة تتميز بطابع مزدوج بمعنى أنها متضخمة جداً ومبّسطة جداً إن بساطة عواطف الجماهير وتضخيمها يحميها من عذاب الشكوك وعدم اليقين فالجماهير كالنساء تذهب مباشرة نحو التطرف حالما يبدر خاطر ما يتحول إلى يقين لا يقبل الشك
الشعور البسيط بالنفور أو حتى الكره لدى الشخص العادي يتحول إلى حقد هائج أعمى لدى الفرد المنخرط في جمهور .وعنف عواطف الجمهور يزداد تضخماً لدى الجماهير الغير متجانسة حيث يتحرر الأبله والجاهل والحسود من الإحساس بدونيتهم وعدم كفاءتهم وعجزهم ويصبحون مجيشين بقوة عابرة لكن هائلة
إن الجماهير إذ تُحرَّض بذكاء تصبح قادرة على البطولة والتفاني من أجل قضية نبيلة وهي أكثر قدرة على ذلك من الإنسان المعزول وبما أنّه لا يمكن تحريك الجماهير والتأثير عليها إلّا بالعواطف المتطرّفة فإن الخطيب الذي يريد جذبها ينبغي أن يستخدم الشعارات العنيفة ويبالغ في كلامه ويؤكد بشكل جازم ويكرر دون أن يحاول إثبات أي شيء عن طريق المحاججة العقلانية
وهكذا ما كان يشكل شعباً و وحدة وكتلة متراصة يصبح في نهاية المطاف عبارة عن ركام من الأفراد  يتم الحفاظ على وحدتهم الشكلية بطريقة اصطناعية ثم يصبح الناس منقسمين من حيث المصالح والمطامح ولا يعودون يعرفون كيف يحكمون أنفسهم.وعندئذٍ يطلبون بأن يُقادوا ويُحكموا في كل شاردة و واردة من أعمالهم ويطلبون من الدولة أن تمارس عليهم تأثيرها المهيمن أو لا يعود للحضارة أي ثبات فتسقط تحت رحمة كل الصدف أو الحوادث الطارئة
ويمكن أن تبدو الحضارة لامعة لفترة أخرى أيضاً لأنها تحافظ على الواجهة الخارجية المصنوعة من قبل ماضٍ طويل ولكنها في الواقع لم تعد إلا صرحاً منخوراً لم يعد أي شيء يدعمه وبالتالي فهو قابل للسقوط بمجرد هبوب أول عاصفة
وهذه هي دورة الحياة الخاصة بشعب ما: الإنتقال من حالة البربرية إلى حالة الحضارة عن طريق ملاحقة حلم ما ، ثم الدخول في مرحلة الإنحطاط والموت ما إن يفقد هذا الحلم  الذي تبنّته الجماهير قوته

Read Full Post »

%d bloggers like this: