Feeds:
Posts
Comments

Archive for April, 2012

كان اصبع السبّابة يقف مشدوهاً متفرداً في الكفّ التي بُترت عن ساعدها ،فيما انطوت اصابع الكف المتبقّية ليصبح المشهد على الشكل الآتي: يد ترفع سبّابتها كما لو أنّها تتشاهد(تلفظ الشهادة) في آخر فعل قامت به قبل أن تودّع الروح تحت جسر الميدان الذي لم يبق فيه غير حديدان

.

.

الساعة الخامسة صباحاً . تنبّه حديدان على صوت رعد هادر،لم يفتح عيناه بل اكتفى بإصغاء السمع لرشقات الرصاص التي تَلت صوت الإنفجار ليعرف مصدره.دقيقة واحدة كافية ليحدد الإحداثيات، إنفجار بعيد نسبياً، يعود بعدها حديدان ليغطّ في النوم

حديدان الذي  لم يخسر أحد من أفراد عائلته المقربّين  اللهم إلّا اثنين او ثلاثة ذو درجات قرابة بعيدة  لم تبخل عليه المكرُمة الإلهية فخصّته قبل ثلاثة اسابيع بتجربة مميزة وفريدة جداً تجلّت في انفجارأسفل منزله . كان حديدان في فراشِه قرابة الساعة الثالثة فجراً وهو يفكر أن يخصّ اصدقائه بستيتس عاطفية قبل النوم لكن الصوت الهادر الذي يحلو له أن يشبّههُ بصوت الرعد دوى قريباً جداً لدرجة تصمّ الآذان

صرخ رغماً عنه،صرخ رعباً ..صرخ كما لو أنّه يريد أن يغطي على صوت العبوة الناسفة التي وُضعت في سيارة مركونة أسفل البناء الذي يقطنه

ادرك ماذا تعني عبارة”قدماه لم تعد تحملاه” وقف بصعوبة وهو يضع بحركة لا إرادية يديه على أذنيه اتّجه إلى نافذة غرفته وقبل أن يصل دوى الانفجار الثاني الصادرعن السيارة المجاورة للسيارة المفخّخة

حديدان المسكين لم يعد يذكر تفاصيل تلك الليلة ،ربّما لا يريد أن يتذكّرها، ،لكنّه يذكر جيداً صوت امرأة كانت تزعق في البناء المجاور ..ميّز صوتها  الباكي  عن  بقية الأصوات

!وينك ياللــــــه

طلع الصباح على حديدان المتكوّم قرب نافذته محملقاً بِثلاث هياكل سيارات متفحّمة  وكثير من الزجاج..فقط

.

.

 تناول حديدان وجبة فطور دسمة متأخرة كعادة جميع السوريين في ظهيرة يوم جمعة ،استلقى أمام شاشته ، ليأتيه صوت هادر آخر إنه الصوت الثاني اليوم في فترتين متباعدتين ،تذكّر أنه لم يستطلع أخبار الانفجار المبكّر فجر اليوم ،أصغى السمع للحظات ..لا رشقات رصاص كما المعتاد ، أدرك أن الحادث بعيد عن منطقته..بعد قليل جاء الخبر العاجل لتفجير في” الميدان ” . طالعتهُ  اليد التي أعجبتهُ ملامِحها على شاشة التلفاز،ظنّها مميزة بطريقة ما ، ربّّما مناسبة لرسم غرافيتي !كما اثارت انتباهه ساق مبتورة لكنها حافظت على ما تنتعله في قدمها وكان بسطاراً عسكرياً

تساءل حديدان كالعادة لماذا يصورون الأشلاء بهذا النهم؟لكنّه لم يقف كثيراً عند التساؤل فالصوت الهادر عاد مرة آخرى ،هذه المرة أقوى لدرجةِ أنّ منزلهُ ارتجّ لصوتِ الانفجار

تحرّك حديدان متثاقلاً هذه المرة، خرج إلى شرفته ،رمى بنظره إلى الشام الممتده أمام ناظره ،فكر في أن الصيف جاء باكراً هذه السنة، لابأس في أن يُعدّ لنفسه نفس ارغيلة بنكهة النعناع ،تذكّر الإنفجار الذي خرج على أثره، حملق في المدى ،رأى خيط دخان ، تمتم قائلاً : ربّما من  القابون

عاد إلى مطبخِه متسائلاً: هل هم في حاجة إلى متبرعين للدم كما كان الحال في الانفجار الأول؟ فازدياد وزنه بات يقلقه ،كما أن الحجامة  التي أمرنا بها رسول الله لا تختلف عن التبرع بالدم ..هرش رأسه وبدأ بوضع الفحم على الغاز

تذكّر حديدان أنّه لم يضع أغنية أو حالة  بمناسبة انفجار اليوم ،دخل إلى تويتره وكتب :”أوقفوا القتل ، نريدُ أن نبني وطناً  لكل السوريين” . قام بجردة سريعة على تحديثات اصدقاءه ، كانت غاية في البلاغة والتعبير والإبداع  طالعها بسرعة ، رمى لايك هنا ، وإعجاب هناك ، طالع آخر أخبار التنسيقيات ليجد أن الانفجار الأخير كان موقعه في منطقة ” العدوي” التي لا تبعدعن” القابون” كثيراً. سرّ حديدان جداً بمقدرته المتحسّنة يوماً بعد يوم على تحديد مكان الانفجار وفكر في كيفية استثمارهذه الموهبة في مراسلة مواقع الأخبار العاجلة! تساءل عن ضرورة تغيير صورة بروفايله إلى أسود كما العادة عند حصول تفجيرات ،لكنّ حديدان فضل على ذلك  العلم السوري دون سبب واضح

عاد حديدان ليعدّ ارغيلته وهو يفكر بالإطمئنان على عائلتِه وجمع من ما تبقى لديهِ من اصدقاء، لربّما احدهم كان ماراً قرب موقع الانفجار،لكن سرعان ما أقنع نفسه بِأن خبر السوء يصل راكضاً

! عادت اليد لترتسم في مخيلته…كم كانت فريدة

قرّر حديدان أن يجلس على الشرفة، في هذا اليوم النيساني البديع،هكذا أعلن بصوت عال

كانت دمشق ترتمي أمام ناظره ، سحب نفس عميق…ونفث الدخان بعيداً لتغطي سحابة دخانه منظر الشام الرابض أمامه .. ومن ثم بدأ يبكي بصمت

مواطن سوري حالهُ حال “حديدان” في يوم ربيعي مشمس

Read Full Post »

Read Full Post »

%d bloggers like this: