Feeds:
Posts
Comments

Archive for November, 2013

Image

      وهكذا عِشتُ دهراً بين الناس مُتنكّراً بِالفضيلة حتى كِدتُ أن أنقرض وبني جنسي..
هلّلتُ لِلخير وأهله أنا وأبناء جلدتي ورفعت يدي مُجبراً  إلى السماء تلك التي أنزلتني من عليائها في غَابر الزمان
لا تسرق لا تقتل لا تزني لا تنّم لا تحسد
هذهِ الثَرثَرة القَديمة الّتي تُحسب حِكمة وتَخرج من أفواهِ القدّيسين كرائحة نَتنة من جوف جيفة ومازالت زمرة من بني البشر يعملون بِها حتّى جاء ربيع الزمان وأَزهر الرمّان وتفتّحت الجِنان فقضمنا بأفواهِنا وصايا الأتقياء وكتب القتل وصاياه
.

.

.
.الشرّ أقول لكم ..إن في الأشرار من البدائع الشيء الكثير لم تنكشف للإنسان حتى اليوم
الخير !! أي متعة تلك التي تحصدونها يا ابناء قومي من فعل الخير !؟
أين الثملون بخمرة الدماء ..أين الشذّاذ الجريئون !؟
كم من الأمور أُعتبِرت شروراً في هذا الزمان وغداً سيولد ماهو أعظم منها …شرور لم تمسسها يد بعد..ولم تخطر على بال
لقد استولى علينا البرد دهراً ….واستكانت الرذيلة وظهرت فضائل جمّة يدعونها خيراً
.وقد آن الآوان ..لكسر الآمان
.

.

دخل هردابشت ساحة السوق وقد استيقظت شهواته بعد رقاد طويل وتبدلت هيئته

:خطب  الهردبشتي في الناس المجتمعة
اسمعوا فما جئت إلّا لِأخلص الخراف من سطوة القطيع
انظروا أيّها الرفاق،تعلّموا من هو ألدّ أعدائكم ، ذاك الذي استعذب صمتكم الطويل
.إليّ بالرفاق فقد انبثقت الحقيقة في أفق نفسي بين فجرين
زعق هردابشت والحبور يملأ نفسه : هذا سَيفي، وهذه بَلطتي فهلمّوا ورائي
هَتف فتى بين الجموع: نطقت بالحق يا هردابشت وما أنت إلّا الصاعقة التي انتظرناها
وانهمرت الدموع من مآقي أمرأة وصرخت :لقد تفّطر قلبي يا هردابشت ، إن في عينيك ما يفصح بأكثر من بيانك عما ينتظرك من أخطار في سعيك إلى الحريّة وقدأصبحت في بحثك عنه مرهف الحس كالسائر في منامه
وقال شيخ طاعن في السن :لقد اشتاقت روحنا إلى الحريّة،بل غرائزنا السيئة نفسها اشتاقت للحرية
رفع هردابشت يده ..فسكتت الجموع
يا رفاق .. إنّ وحوشكم التي لُجِمت دهراً تطلب حريّتها ، فهي تنبح حزينة في سراديبها ، حطّموا ابواب سجونكم كلّها
إنّ ارواحكم تَتّصف بالحزن لكن وا أسفاه وَجَب عليها أن تكون مراوغة شريرة لتصل إلى مرادها
يارفاق المعارك القادمة…إنّي أحبّكم من صميم الفؤاد
إنّي عارف مافي قلوبكم من حقد وغضب..أنتم من العظمة بحيث لا يمكنكم أن تتجاهلوها..فلتكن عظمتكم رادعة لكم عن الخجل بما في قلوبكم
لتكن أنظاركم منطلقة تفتش عن عدو لكم لِتصلوا معه حرباً تناضلون فيها من أجل أفكاركم..وإن سقطت الفكرة في المعترك فلا بأس ..ستبقى الدماء على أسنّة الرِماح مُنتصبة هاتفة لكم بالظفر
أنتم الشعب ..والشعب لا يفهم ما هي الحكومة بل ينفر منها
لأنّها تتجه بنا نحو الفناء وليس ما تقوله إلّا كذبا وليس ما تملكه إلّا نتاج سرقتها واختلاسها
هاجت الجموع وماجت وهبّت إلى هردابشت تُشبِعه عِناقاً وتقبيلاً

(وتهاوت الرِكاب جاثية وبين الراكعين كثير من طوال الآذان وقصار النظر(أجلّكم
.الحق أقول لكم أنا أنّهم كانوا كالسائرين في منامهم

.

.

.
حَشد الهردبشتيون أموالهم وازدادت ذخائرهم ،تنَاهشوا والتهموا بعضهم الآخر وليس لهم قوة على هضم ما يلتهمون ،ليس فيهم إلّا الخسّة والوضاعة
أنا هردابشت الخسيس الوضيع ،اختلست ثمرة جهود المخترعين وكنوز الحكماء والأقدمين وادّعيت الاختلاس تمدّناً
انظروا إلينا ..نحن حَفدة القرود نَتَسلّق بعضنا الآخر متدافعين متمرّغين في الأوحال كلّ مِنّا يطمح إلى التقرّب مِن العرش فلا سعادة إلّا على مَقربة مِنه
جُنّ جُنوننا ..قروداً لا تسكن لنا حركة تنبعث منا أحبّ الروائح وأخبثها
ولم تزل الحياة “الحرّة” تفتح أبوابها لنا ..فطوبى لنا نحن القِردة المُسوخ
الشرّ أقول لكم لا يظهر القرد الأصيل في الحياة إلّا حيث تنتهي حدود الحكومات فهنالك يتعالى نشيد الضرورة بنغماته المحرّرة من كل  مطاوعة وتقييد
نحن موجِدي السنن الجديدة والعالم يدور دورته الخفيّة حولنا ، وحَولنا تَدور الأمجاد وعلى هذه الوتيرة سيسير العالم الجديد
ميدان الجماهير يغصّ بالغوغائيين والشعب يُفاخر برجاله الجدد ،أسياد الساعة
ولكن الساعة تتطلب السرعة يا رِفاق ..نَطلب منكم إعلان رفضكم أو قبولكم والويل الويل..لمن وقف حائراً بين نعم أو لا
:إن الصِغار الأدنياء لا يفهمون العظمة..ونفوسهم الضّيقة الضحلة لا تدرك كنه عبارة

“إن كل حياة عظيمة إنّما هي حياة مجرمة”
القلوب الضعيفة تظن أن قطع الرقاب مهنة كريهة. وهناك عقول خائرة تَتوهم أن سيافاً مثلي لا يذوق الراحة في رِقاده.ولكن أقول،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول. هذه المهنة تسكرني باللذة . أي نشوة حين أهوي بالبلطة! أي متعة حين يتدحرج الرأس ! أي نشوة حين تنبثق نوافير الدم!
آه..إذا لم أبق سيافاً فماذا أستطيع أن أكون! ..أقول ،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول ..لاشيء مجرد ظل أو غبار

هكذا تكلم هردابشت ..ومشى نفرٌ من الناس خَلفه كما السائرون في نومهم ومازالوا حتى يومنا هذا ..

عن “هَكَذا تَكَلّم زَرَادشْت” لِ فريدريك نتشه*
.بتصرّف مِن هردابشت العربي

Advertisements

Read Full Post »

%d bloggers like this: