Feeds:
Posts
Comments

Archive for February, 2016

ذلك الكائن المدعو “قلوب عبد الوهاب” والذي زيّن شرفتنا لسنوات ٍ في دمشق ليرافقنا بعدها في رحلتنا إلى اللاذقية استحال اليوم قلوباً صفراء ذابلة كما لو أنّه أُصيب باحتشاء، أو سكتة
حدث الأمر بسرعة دراماتيكية لدرجةٍ ظننت معها أن الأمر مجرد وعكة عابرة. هل يعقل أن تذوي بتلك السرعة نبتة كانت لديها كل تلك الشراهة للحياة! تسقط ورقة، ينبت بدلاً عنها عشرة أوراق، تقلّم لها غصناً تدلى بمنتهى الدلال من عالي أصيصه العاجي، فينبثق آخر بثقة الإناثِ الواثقات بكيدهن

قيل لنا الكثير عن طرق العناية بها حين جاءت المنزل في المرّة الأولى. إضاءة غير مباشرة، سقاية عن طريق مرذاذ المياه مرّة واحدة في الأسبوع، تهوية التربة بين الوقت والآخر.. لكن لم أهتم لكل تلك التفاصيل فالأمر حينها لم يتعدّ شهوة طارئة لتواجد كائن حيّ إضافي في المنزل حين لم أنجح في اقناع أفراد الأسرة باقتناء حيوان أليف بعد انتحار سمكاتي الذهبية الواحدة تلو الأخرى( قفزن خارج الإناء الزجاجي المفروش بالحصى الملونة، لتتبقى واحدة انتحرت بطريقتها الخاصة. أعتقد أنها أغلقت غلاصمها عن سابق إصرار وتعمّد لتطفو بعدها على سطح الماء. تغمدهم الله برحمته أجمعين) كانت النبتة الخضراء الخيار الوحيد. في البداية ظن الجميع أن هذا الكائن الأخضر ليس إلّا نبات اصطناعي، فتلك الأوراق الخضراء اللامعة بدت بلاستيكية لا تصفرّ ولا تكبر. ثابتة الحجم والوضعية. وهكذا بقي عبد الوهاب بقلوبه المعدودة يتربّع فوق مكتبتنا بشكلٍ غير مرئي حتى اكتشفته أمّي بعد عدّة أيام، تبادلت معه حديث قصير، لتأخذه بعدها إلى المطبخ. أسفل النافذة حيث يوجد رفٌ رخاميٌ صغير بالكاد يتّسع لمرفقها حيث تتكئ عليه لتشرب القهوة في وضعية فريدة لا تمت للراحة بِصلة. هناك تربّعت الملكة اليخضورية، كانت المساحة مناسبة تماماً لحجمها الصغير آنذاك قبل أن تكبر وتنمو وتطالب بتغيير مكان سكنها إلى أصيص أكبر. احتلت تلك الشيطانة مساحة أمي المفضلة الصغيرة للغاية، أصبحت أجمل مع مرور الأيام، لكن ليست من فئة الجميلات التي تقول عنهم فيروز” حلوة والخصر بيلوي، وما بتعرف أنّها حلوة”. كانت تعرف تماماً مقدار جمالها وأصبحت تعلم بمرور الأيام كم أسرت قلوبنا جميعاً حين تمّ اختزال المطبخ الأبيض البارد في تلك الزاوية الخضراء الدافئة. كَبرت وامتدت وتسلقت إطار النافذة بشراسة. جميلة جميلة، فتية فتية.. لقد أسرتني تلك الشيطانة
تغيّر الأصيص، لاحقاً تغيّر المكان، من شرفة المطبخ إلى شرفة غرفة المعيشة، لكن الجميلة لم تكن لتأبه للأماكن، أو لأحد
بعدها تغيّر المنزل، بل تغير المناخ بأكمله، من دمشق إلى هواء اللاذقية الذي ينفخ في التربة فيخلق شجرةً من لا شيء. هناك بدأ العهد الجديد لملكة القلوب
ما الذي حدث؟ لا أحد يدري. جميعنا ذبلنا في بادئ الأمر، كنت أموت شوقاً إلى منزلي، إلى الشام. لكن الشيطانة لم تأبه للمكان كما لو أنها مركز الكون. نبتت لها أربعة أذرع وخمسة أرجل وطالت خصل شعرها لتشكّل عريشة صغيرة تظلّل مكان جلوسنا في شرفتنا الواسعة، وهبت لضيوفنا بكل عطاء فروعاً صغيرة من أغصانها الرقيقة قادرة على أن تُنبت من جديد في مكان جديد

***

تكمن مشكلة الأعراف والتقاليد في إمكانية تحوّلها من طقسٍ جميلٍ إلى شيء مختلف تماماً. أحدهم وضع قانوناً، أو لنقل تقليداً يقتضي أن يدخل المرء إلى منزله الجديد بقدمه اليمنى، مُصطحباً نبتة خضراء لتحلّ البركة على المكان الجديد، وتكون بذلك فاتحة خير ويُمن. في الحقيقة كان ذلك الفعل هو بداية النهاية لقلوب عبد الوهاب
أقنعتني أمي حين تزوجت بأن اصطحب ذات القلوب الآسرة إلى منزلي الجديد. ” لا يجوز أن تدخلي المنزل دون نبتة خضراء، حرام!! أستغفر الله”. حاولت إقناعها بشراء نبتة خضراء جديدة أو قصّ فرع صغير منها ليكبر لاحقاً في منزلي، لكنّها أبت إلا أن آخذ طفلتي كما سمّتها. بحلول ذلك الوقت لم تكن طفلة.. ثلاث سنوات مرت لتصبح معها أشبه بقبيلةٍ من النساء الفاتنات. لكن كيف لنا أن نقنع أولئك النسوة ذوات الألف قلب وقلب أننا سنعود بهم مرة أخرى إلى دمشق
انتزعنا الأوتاد التي عرّشت عليها النبتة، لتتكوّم بهدوء وتحتل كامل المقعد الخلفي من السيارة في رحلتها إلى منزلها الجديد
لستُ النبي سُليمان، لا أحاور الهداهد، ولا النمل، ولا أكلّم الشجر ولا النبات. لكن أقسم أن تلك المسكينة همست لي برجاءٍ حار أن استبقيها في دار أميّ لكن لم أفعل

***
قيل لنا الكثير، الاحتمالات جميعها واردة: لا يمكن لنبتة بهذا السنّ(الحجم) أن تغير مسكنها، الإضاءة لم تكن كافية، تم سقيها بكميات كبيرة، وفي رواية أخرى قيل لنا الإضاءة كانت مباشرة، و تربتها كانت جافة للغاية. البعض قال أنّ جهاز التكييف هو السبب
اصفرت الأوراق ومن ثم ذبلت وتساقطت الواحدة تلو الأخرى، تحوّلت أغصانها لتصبح أشبه بعروق نافرة في يد عجوز مسنّة. بعد أشهر بترنا جميع أطرافها لعلّها تقوى على الصمود لتغذية ما تبقى منها. الآن أصبحت قابلة للحمل بسهولة، وضعتها فوق حرفٍ ناتئ خارج النافذة المطلّة على حديقة خضراء واسعة وجميلة .. أخبرتني أمّي الكثير عن النبات لكنّها لم تطلعني يوماً عن الأحاديث التي كانت تجريها معهم
تلك الشيطانة التي كانت يوماً جميلة جميلة، يافعة يافعة باتت تراقب الأشجار و توّدع العالم بهدوء وصمت، أراقبها كلّ يوم من خلف النافذة ترتجف مع كلّ نسمة، فتظهر أنفاسها الثقيلة الواهنة على الزجاج…ربّما أرادت أن تخبرني شيئاً ما

مرّ شهران على سقوط الورقة الأخيرة، ربّما كان عبد الوهاب مكتئب، ربّما هو سنّ اليأس الخاص بالنبات وماهي إلا شهور ليعود إلى سابق عهده… ربّما
لكن أحياناً في الليالي الباردة أسمع صوتاً يصدر من كومة اليباس الحزين.. صوتاً يقول لي: السرّ كل السرّ في يدِ أمكّ الخضراء يا حمقاء

DSC_0294

.. حسرة

DSC_0001

Read Full Post »

%d bloggers like this: