Feeds:
Posts
Comments

Archive for April, 2016

اتساءل ما هي الهناءة! وكيف للمرء أن يكون “هنياً”؟ أو كيف لأصحاب الأعصاب “التالفة” أن يمتلكون الهناءة
إن كانت الهناءة تعني السلام والسكينة فهي ليست بالأمر المكتسب بل محصّلة حياةٍ طويلةٍ ممزوجة بجينات وراثية، وأولئك الذين يمتلكونها هم المحظوظون حقّاً. لكن في بعض الأحيان أشعر أن الهناءة تعادلها البلادة، وقد تعني للبعض تلك البلادة مفتاح الحياة السعيدة
أتأمل أولئك البليدين، أجدهم سعداء حقّاً! لا شيء يثير أعصابهم، لا ترتفع أصواتهم، لا يصرخون، لا يكسرون الأشياء، لا تزعجهم نشرات الأخبار، لا يبكيهم فلم وثائقي عن حياة البطاريق في القطب الشمالي، لا تستوقفهم الدمعة المرتجفة في عين فيروز، لا يستغرقون في فكرة، في شجرة، في حجرة، في غيمة، في عامود إنارة.. لا يستغرقون في شيء ولا يغرقون. لا يكتئبون، ولا تجرحهم الوردة أو السماء الرمادية فهم الهنيين. العمليين، اللطيفين، الماكرين في الالتفاف حول ما يتعب، ويجنّن، ويشق الأنفس
حياة هنية، حياة سعيدة، ترفض فيها الأذن الاستماع لما يزعجها حتى تتوقف رويداً رويداً عن الاستماع لما هو مزعج أو جميل على حدٍّ سواء. حياة هنية تعني مقدرات جبّارة على اللغو لساعات ضمن إطار العلاقات الاجتماعية، وهذا فنٌ لا يتقنه إلا كل ذي عمرٍ طويل ونفسٍ طويل ولسانٍ طويل. والهني يسعَد بالآخرين ويُسعدون به. كيف لا وهو هنيّ! الهني لا تشدّه الخلفية الموسيقية لفلم ما، هو يشاهد الفلم فقط، فلا يتعبه وتر حزين يمشي الهوينى مع مشهد سعيد. هو يرى السعادة تتبختر بخيلاء فقط ولا شيء آخر
الهنيّ يحزَن بهناءة، يغضب لكن بهناءة. قد يتفوه بالشتائم لكن أيضاً بمنتهى الهناءة
الهنيّ عملي للغاية. لا يجلس بالقرب من النافذة في الباص، يريد أن يصل إلى وجهته فقط، لا تعنيه الأشجار الراكضة وبخار النوافذ. الهنيّ لا يتأمّل الوجوه ولا تتعبه التفاصيل. الهني جدول منساب في مجرى سهل الانحدار. الهنيّ قوي، ومحبوب. حاضر البديهة فلا يستغرق في أحلامه، ولا تَعبره الذكريات فينتشي حدّ الإغماء

الهني قد لا يفهم المغزى وراء إعادة موسيقى آلاف المرات، ورؤية المشهد ذاته مرة تلو المرة! الهني يحزن بقسط، ويفرح بقسط، ويحب بقسط ويتعب بقسط فهو انسانٌ متوازن. يجيد العبور بسرعة إلى الضفة الأخرى. لا يستذكر حيوات آخرى وترّهات مشابهة. الهني حبّهُ هنيّ، حنينهُ هنيّ، شوقهُ هني. الهني كائن طبيعي و سويّ، لا أحلام تراوده، ولا موسيقى تغتاله. لكنّه قد يبدو لمن يفتقدون الهناءة كائن غريب، غير مفهوم. يعبر الحياة بسلاسة. محطّات حياته مفهومة ويسهل التنبّؤ بها. خط متسلسل طبيعي لا صعود به أو هبوط، تماماً كتخطيط قلبه الطبيعي، لا وجيب متعب، متسارع يغتاله ليلاً حين يأخذه الوجد. الحياة بالنسبة للهنيّ هي بدايات توصل إلى النهايات التي يسهل استشرافها.درب واضحة مشى عليها السابقون وتفضي به إلى وجهة واضحة. لا شيء مدهش، صارخ، أو صادم. ككرة بلياردو تتدحرج بهدوء إلى حفرتها دون أن تصطدم بشيء لتقع بهدوء في حفرتها المظلمة
.

.

.

متسربلاً بالبياض، كما يتصوّره عبّاده، نورٌ على نور ليس كمثله نور، يخطف أبصار وأنفاس الملائكة الذين يحيطون بعرشه ويسبّحون باسمه. استوى على الكرسي متفكّراً ملياً في ما يمكن أن يضيفه كهدية مميزة، علامة فارقة دوناً عن بقية العباد. وفي النهاية بعد أن وهبها ما وهبها، وقبل أن ينفخ الروح بلحظات، قرّر أن يضعها مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وفقدوا الهناءة. وهكذا خُلقت ممن حُرموا الهناءة إلى الأبد

وبعد أن شبّت وشابت، أدركت السمة الأساسية لوجودها، لقد حُرمت ببساطة الهناءة، ولا سبيل لها بامتلاكها إلّا في أن يُعاد خلقها من جديد

DSC_0138

أيلول 2015_ ليست محاولة التقاط، أو امساك، أو وصول…لكن ظننت لوهلة أنه يسقط

Read Full Post »

%d bloggers like this: