Feeds:
Posts
Comments

Archive for May, 2016

الموسيقى التي تأتي وحيدةً دون أن يُمسك أحدٌ بيدها إلينا ، وحيدة دون أن تصحبها ذكرى أو إشادة أو توصية. المجهولة كطفل رضيع وُضِعَ أمام باب منزلنا في جنح الظلام. الجديدة كحواء خُلقت للتو. نقية، رقيقة وخفيفة كالمطر.  حالها حال الألبوم المنسي* لسنوات في مجلّد الموسيقى. أُعجبت بغلافه الأحمر فتركته يداعب نظري دهراً دون أن امتلك الجرأة على فضّه والاستماع إليه

…وحين فعلت

والموسيقى الجميلة خجولة بطبعها، لا تتبختر بمشيتها الواثقة أمام شبان الحي بل تختار الطرق الطويلة إلى مرآة النهر  لتستعرض عليها انعكاس قسمات وجهها المليح، لا تدركها العين والأذن إن جلست وسط أترابها، رغم كونها أوفرهنّ حسناً ودلالاً. غامضة وسرّية، ومتلثّمة إلّا لمن كان بها خبيرا. ما أن تداعب مفرق شعرها حتى ينسدل شلالاً من نور ونار، كمارد خرج من قمقم يلفح أنفاسك وتُحار في أمرك وأمرها! كيف احتجبت عنك تلك الجميلة لسنوات و باب منزلها مجاور ونافذة غرفتها ملاصقة! وتُحار وتُحار وتأخذك الدهشة مراراً وتتفكر في كلّ تلك العبارات” الأذن تعشق قبل العين أحياناً ” و “الحبّ من النظرة الأولى” وتدرك أين قيلت وفيما قيلت ولما قيلت.. وتسمع المرة تلو المرة، لا استزادة في العشق، بل محاولة في الفهم وإدراك سرّ التجلّي وسبر العوالم والحيوات والأرواح . وتدرك أخيراً ومتأخّراً وأنت على فراش الموت أن الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة كانت الموسيقى وما الحياة إلّا رحلة أصوات. صرخة ولادة، شهيق وزفير، آهات الألم والسعادة والنشوة والبكاء…..، وشهقة الموت

والموسيقى الجميلة لا يُباح بها للغرباء، وعابري السبيل، وتفقدُ شيئاً من جذوتها أمام الحمقى، وتنقم على من يفرّط بها. ألم تسمع بموسيقى خَنقت أصحابها؟

ومن يسلّم بنفسه إلى الموسيقى كمن أسلم روحه إلى الله، ترتفع به خفيفاً واثقاً إلى الأعلى، الأعلى، الأعلى. ومنّ أحبّه الله يهبه من الموسيقى لدناً وشريكاً يسكن إليه. ويخلق له كوناً موازياً يضاهي جنّته الموعودة

وترف الموسيقى أنها قد تأتي في صوت! صوت واحد فقط. صوت سنونو الصيف مثلاً.  صوت واحد كفيلٌ بأن يسحب وراءهُ صوت والدتك المتذمرة من أعشاش السنونو في بيت النافذة، رائحة الصيف الباكر هذا العام، ضوء العصر الجميل، الإجازات المنتظرة، الثياب الخفيفة، ونداء: “يـا شام عاد الصيف”. وترف الموسيقى أنها قد تأتي في صوت! صوت  واحد فقط، ضحكتك مثلاً

.

.

* The Musical Silk Road  -Le route musicale de la soie  ألبوم

والأغنية تعود إلى عليّ رضا غورباني

Read Full Post »

IMG-20150119-WA0000

Read Full Post »

“وادي الصامتين غنيّ الجِناب، سنيّ الرجاء، سكوتهُ بيان، وربّ سكوتٍ أبلغُ من كلام”

 

فلنعد بالزمنِ إلى الرابع عشر من شباط، عام 1970. وتحديداً إلى أحدِ دور العجزة حيث نستطيع أن نميّز بين نزلاءِ المكان رجُلاً مسنّاً ضئيل القامة ينكبُّ على أوراقه وأقلامه في انهماكٍ عجيب كما لو أنّهُ في سباقٍ مع الزمن. يتنقّل بين سريره ذو القضبان الحديدية و منضدة صغيرةٍ إلى جوار السرير تكدّست فوقها الكتب والمجلّدات. لقد أصبحت تلك الفسحة المخصّصة له بأمتارها القليلة بمثابةِ فضاءه الصغير الذي يجوب عبره عوالمه الداخلية. بعد مضي عامٍ على التاريخ المذكور أعلاه، وتحديداً في اليوم الواحد والعشرين من كانون الثاني 1971، وُجدَ الرجل متكوّماً على أوراقه و مخطوطاته. لقد أسلم الروح! ولأنَّ لا أهلَ له أو وَلَد أُرسِل إلى المقبرة دون أن يتُمّ إعلامُ أحدٍ بموته.  ولأنّه “العاشق السيء الحظ” الذي شاءت الأقدار أن يرحل في ذلك اليوم الشتائي البارد دون جنازةٍ أو مشيّعين، توانى التُربي _حفّار القبور_ عن إيجادِ مكانٍ ملائمٍ لراحة جسد الغريب المجهول ليلقي به في ممرٍّ طولاني بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالةٍ على اسمه وليبقى مكان دفنه مجهولاً إلى الأبد

سنعودُ لاحقاً لتلك المفارقة الساخرة، فالرجلُ الذي اُعتبر “غريباً” عن المدينة، لا نزخرف قولنا أو نبالغ به عندما نشير إلى  أن المدينة تُختصر في اسمه. ولنبقى في نهار الرابع عشر من شهر شباط قبل سنةٍ من وفاته، حيث هَبط الظلام على  رجلنا في جلستهِ الأثيرية وقد تضرّم خداه حتى أصبحا كزهر الأرغوان. ولو أنّ أحداً رآه في تلك الساعة لأخذه العجب في أمر هذا الرجل الذي سالت دموعه على وجهه الذي أشرق بالفرح، فلا يعرفُ الناظر إليه حاله إن كان حزناً أو فرحا

:داعب كفّه الخشبية بأصابع يده اليمنى، أمسك قلمهُ وكَتب

يا صاحبي القارئ. أهمس لك أني وحدي وحدي ثم إني مضطّر – وأنا ابن السبعين – أن أعمل في أضنى عمل لأربح قوت يومي ولأربح ثمن أدويتي، ثم إني اصطلحت على جسمي الواهي ضروب الأسقام لم تسمع هذه الأسقام مني آهةً قط، حتى لمّا بتر المنشار العظم دوم مرمّد، بل تشاهد بسمة الرجاء من رب حنون. أرخى القلم وأسدل جفنيه المتعبتين على تزاحم الصوّر ليُكشَف الستار عن مسرح ذكرياته. يعود إلى ذاك اليوم المشؤوم حين انتثرت يده، وهو في العشرين من عمره، جراء كميةٍ من البارود كان يحملها اثناء عرضٍ مسرحيٍ كان يعملُ على إخراجه. قُدّر ليده اليمنى اليتيمة أن تحمل كامل المهمّة على عاتقها طوال رحلة العمر المضنية التي قضاها في فاقةٍ وعوز، ليس له من مورد سوى ما يتقاطر عليه من مهنة التعليم والأحاديث الإذاعية التي كانت بالكاد تؤمّن ثمن طعامه وأدويته،  وقيّض لتلك الكفّ اليتيمة أن تكتب ثلاثة عشر مجلّداً من بينها  الكتابُ الموسوعة التي استغرق في جمعِ مفرداته وتعابيره ثلاثة عقودٍ ، وصانها من أن تعبث بها يد الضياع  ، والليلة بدا أن المهمة كادت تشرف على نهايتها. تأمّل ما بين يديه من صفحات، ثمانية آلاف من القطع الكبير كَتبها وأعاد نسخها بيده اليتيمة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوانٍ مختلفة لتسهل طباعتها يوماً ما، لونٌ للمتن، الشرح، التشكيل، والذيول. تلك الموسوعة التي خصّ بها مدينته ولهجتها وضروب بيانها، ومفرداتها، قواعدها وأمثالها، حكمها وتهكّماتها، شعرها ومواويلها، نوادرها ومزاحها، قراها وبواديها، حارتها وعاداتها، تعابيرها وآدابها وتندراتها ومعتقداتها وخرافاتها! شارفت على النهاية

يطلق زفرةً حارة متعبة، يتناول كتاباً إلى جانبه، ويحرك شفتيه مصدراً صوتاً بالكاد يسمع، بعد أن غابت النبرةُ التي اُشتُهِرَ بها ذات الملامح الحادة الساخرة. يقلّب صفحات الكتاب ويعود بها إلى الصفحة الأولى، يتلو بصوتٍ مرتجف: حـلـب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلتُ خبزي إلا بعرق جبيني. منحتكِ، يا حلـب  كل ما انطوى عليه قلبي من كنوز الخير، وكتبت على النفس أن تضنى لرسالتها فحرامٌ على قلبي أن ينال بلّةً من الماء، إن كان في البله ما يمسّ مثله، وحرامٌ على قلبي ألا يولّى الجميل جميلاً، وأكثر. يا ليالي الطوى! لتكن ذكراك هانئة، فصباحها يطلع على بأثرٍ جديد، ينعم وينعم بدفء الأنس بين مجلدات خزانتي

يا نقمة الطغاة في حلـب، تُسفك، وتسلب، ثم تتغنى بالمجد! شكراً، فقد علمتني فن حرب الحياة. يا يوم أن انتثرت يدي! ليكن مطلّك برداً، وسلاماً، فللمثل العليا قدمت قرباناً من لحمي ودمي!يا شمعة الحياة، أحرقتها في الدرس، والتدريس

حلب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلت خبزي إلّا بعرق جبيني. حلـب! ولا منّة لي عليك، فهودج الكرامة الذي اعتزّ به إنما هو من سرادقات عزتك.وأنت يا بن حلـب الكريم! الذي ابحث عنه بفانوس ديجون ردّ على غيري نعمتك، فعندي الغني، وكنز الرضى

.تتلاحق أنفاسه بسرعة، يكرّر العبارة: عندي الغنى وكنز الرضى.. عندي الغنى وكنز الرضى

.

.

..هامش وثيق

قبل بضعة أيام، قام السوريون عامةً وأهل حلب خاصةً ولفيفٌ من الكائناتِ الإنسانية الحيّة من شتّى أصقاعِ المعمورة بالتضامن مع مدينة حلـب التي شهدت أسبوعاً دامياً لم يكن ليشكّل إلا حلقة أخرى في السلسلة الطويلة اللامتناهية من الصراع الدموي المستمر منذ سنوات! وبعيداً عن شكل التضامن الملفت الغريب(لون أحمر قرمزي صبغ مواقع التواصل الاجتماعي، مع سيل هاشتاغي وجداني) والذي ولأسبابٍ مبهمة(البعض منها منطقي، والآخر يمتُ إلى المشاعر التي لا سبيل إلى تفسيرها) قادني إلى شعورٍ مفاده أن لا شموس تنتظرنا في نهايةِ هذا السرداب الطويل الذي نسلكه منذ أعوام. وأن هذه الجموع البشرية وصلت إلى الدرك الأسفل ولا أقصد بالجموع البشرية تلك المتقاتلة فيما بينها فلا أحد يختلف في أمرهم، بل أقصد الجموع المتعاطفة التي اكتست “حماراً”!  وما زاد الأمر غرابةً أن المشاعر لم تدم طويلاً فاستغرق  الأمر لدى البعض ساعات وامتد لدى آخرين حتى أيامٍ معدودة، فلا أحد يطيق صبراً على التعاطف لزمنٍ أطول مع قضيةٍ لا تمسّه بشكل شخصي وسوريّا لم تعد تمسّ ابنائها بشكل مطلق إلا فيما يتقاطع مع مصالحهم الشخصية.وكي لا أسترسل في السرد طويلاً، استوقفني ضمفي معرض حملة التضامن الغريبة تلك، إحدى المواقع التي أعادت نشر مقالةٍ كتبتها قبل زمن عن علّامة حلب” خير الدين الأسديّ”، لقد زامن الموقع ذو التوجّهات العلمية إعادة نشر المقال عن أيقونة المدينة  كنوعٍ من التضامن مع المدينة المنكوبة، المثير للسخرية أن الاسم لم يستوقف الجموع من أبناء حلب، أولئك الذين لم يسمعوا برجلِ يُدعى: خير الدين الأسدي!  لكنهم في الوقت ذاته يرثون أوابد مدينتهم وتاريخها والحال الذي آلت عليه، كما لو أنّ الأمر ليس صنيعة أيديهم

ويلي عليهم لقد ماتت المدينة يوم رحيل الرجل

.

.

عودة إلى بدء..

بعد مرور أربعين يوماً على رحيل الرجل المنسي، قرر لفيفٌ من الأصحاب إقامة حفل تأبين كتكفيرِ لنسيان المدينة  والدولة لابنها العاشق. وتأتي المفاجأة  أن تمّ خطأً ادراج اسم: ضياء الدين أسد في سجل الموتى بدلاً من اسمه. وتأتي المزحة السمجة حين أخبرهم التربي “حفار القبور” بأنّه ألقى بالميت الخفيف الوزن ذو الذراع المقطوعة واقفاً في ممرٍ شاقوليٍ بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالة

 تضاربت الروايات حول النهاية، قيل لاحقاً أنّ الجثة بيعت لطلّاب كلّية الطب في حلب، لكنّ ما هو مؤكّد أن لا أحد يعلم حتى اليوم أين دُفِنَ خيرالدين الأسدي

.

.

سيرة ذاتية

على جذر شجرة نارنج حلبية في حيّ الجلّوم الحلبي  وُلد خير الدين الأسدي عام 1900، درس في شمس المعارف على يدّ خيرةِ علماء حلب، وامتهن التدريس حتى آخر سنواته في مدارس حلب الحكومية والخاصة حيثُ علمّ العربية بنحوها وصرفها وآدابها. فقدَ كفّه اليسرى جراء كميةٍ من البارود، إذ كان يقوم مع طلابه بتقديم مسرحيةٍ عن الاستقلال مع بدايات الانتداب الفرنسي على سوريّا. أتقنّ عدّة لغات من بينها اللغات السريانية والسامية وبعض اللغات الأوربية. اُشتهر بولعه في الترحال والأسفار وجمع المقتنيات الأثرية حيث جاب البلاد العربية بشمالها الأفريقي وجنوبها العربي وبعضاً من الدول الأوربية ويظهر ذلك جلياً  في خزائنه التي ضمت مجموعةً من التحف الفريدة وصوراً تزيدُ عن أربعين ألف صورة رُتبت على حروف الهجاء. كانت شراهته للمعرفة من كلّ نوع لا تعرف حدوداً، حتّى أنه قاد بنفسه حملةً للتنقيب عن الإنسان الحلبي الأول في كهوف حيّ “المغاير”. لم يعشق أحد حلب كما فعل فقد بحث في أصل حلب وتاريخها و موقعها وثقافتها وطرز حياتها وتقاليدها ويظهر ذلك في موسوعته التي عمل عليها لما يزيد عن ثلاثة عقود حتى آخر سنوات عمره في دار العجزة، حيث أضاف مئات الصفحات إليها في أيامه الأخيرة وهو راقدٌ في سريره. وتجلّت أمنيته الوحيدة في أن يرى عملهُ مطبوعاً بعد أن أعاد نسخة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوان لتسهيل عملية طباعة موسوعته يوماً ما.  مورده الوحيد كان من مهنة التدريس وذهبت مدخراته جميعاً إلى تمويل أسفاره الدائمة. في بداية حياته كان ينزع إلى التدين نتيجةُ لنشأته الدينية، ومن ثم عُرف عنه اعتناقهُ للبهائية، لكنه في النهاية اتّجه للتصوف. تأثر بشدّة بحافظ الشيرازي، زعيم الشعر الصوفي وملهمه وأستاذه، فأطلق على نفسه “حافظ القرن العشرين” وعلى أثر ذلك جاء كتابه الأجمل -بالنسبة لي- ” أغاني القبّة” وهو نفحاتٌ من الشعرِ الصوفي المنثور

 .لم يول الاهتمام الكافِ أو ما استحقّه من تقدير، عانى من المرض والعوز آخر سنوات عمره ومات وحيداً سنة 1971

بعد رحيله بأعوام قامت جامعة حلب بطباعة موسوعة حلب المقارنة في سبع مجلّدات كما أطلق  اسمه على أحد شوارع حلب وسُميت أحد قاعات المطالعة في المكتبة الوطنية باسمه.

عن سيرة حياته هنا

.

.

..النور وحدهُ يُسامر النور، فيا ويح قلبي إذا ما اغترب

 

Read Full Post »

%d bloggers like this: