Feeds:
Posts
Comments

Archive for October, 2016

A nuclear war, will not be won by the Americans, Russians or the Chinese. The winner of World War III will be the cockroach.

قابعاً في جحرهِ منتظراً ريثما تخفتُ الأنوار، حالهُ حال معظم بني جنسه القابعين في مختلف الجحور والثقوب على سطح الكوكب. انتابه احساسٌ بالقرف جراء الدبيب المستمر للأرجل العملاقة المتجوّلة فوق منزله، الذي لا ليس إلّا مساحة صغيرة محشورة داخل قطعة خشبية عفنة مهترئة تشكّل سطح أرضيةِ منزلٍ ما

تململَ في جلسته متبرّماً.. كان قد سيطرَ عليه مزاجٌ كالح لم تنفع معهُ كل ضروبِ التسلية المتعارف عليها.  منذ أيام وصوتُ جدّه يدوي في نومه ويقظته. كان يُسعده أن يسترجعَ صوتَ صرصرته المميز كل ما داهمه هذا الشعور الغامر بالاختناق

يستذكر كلامه الهادئ عن حقائق يغفلها الكثيرون من أجيال الصراصير كيف أنهم يفوقون البشر عدداً! يدوي صوت جدّه في لحظاته الأخيرة قبل أن يدهسهُ حذاءٌ عابر: نحن الأقدم على سطح هذا الكوكب  وسنرثه في النهاية. نهاية العالم

كحّ بشدّة، وحرك قرني الاستشعار خاصته: نحن هنا منذ الأزل. قالها بصوتٍ عالٍ وكأنما يريد أن يؤكّد تلك الحقيقة لنفسه. عدّل جلسته وبدأَ  يغمغمُ عباراتٍ غريبة: الكروزومات في جيناتي الوراثية تحولُ بيني وبين الهلاك، أنى لنا أن نهلك بتلك البساطة! قطع انسياب افكاره وقعُ ارتطامٍ عنيف على سطح منزله

عاوده القرف، بصق أرضاً مراتٍ عدة: تلك الكائنات البشرية التي تدّعي الاشمئزاز من مظهره البني الأشقر وتسارع هلعاً إلى قتله.. رّباه كم هي منافقة! أصابتهُ قشعريرة، تذكّر تلك الفتاة التي كادت بالأمس أن تودي به تحت وطأة كعبها المستدق لولا أنها-الحمقاء الغبية- لا تحسن التصويب

بحكم سكنه مع عائلته لعقودٍ طويلة تحت أرضيةِ المنزلِ الخشبية الذي يعود بعمره إلى ما يزيد على مائة سنة فقد تعايش مع أصحاب المنزل وحفظ عادتهم وأطباعهم وبات يعرف مواعيد تحرّكاتهم. تناوب على المنزل أجيالٌ ثلاثة، أشهد أن الجدّ الأكبر لهم كان انساناً محترماً و ودَدتُ صادقاً لو أنه كان صرصاراً مثلنا! كان يمشي بتؤدة على أرضية المنزل. في البداية ظننا أنه مجردُ طبعٌ هادئٌ رزينٌ في المشي، لكنه كان يخشى أن يطئ بقدمهِ كائناً ما يدبُّ على الأرض، نملة، صرصار، أو  أيّ كائنٍ حيٍّ ما يمشي على أربعة أو أربعين ..لا فرق. لكن  للأسف فإنّ سلالتهُ من البشر جاءت على عكسهِ تماماً مجردُ وحوشٍ بني آدمية كاسرة

المدهش أنهُ كصرصار بلغ من العمر مئة عام كان أكثر ما يكرهه في تلك الكائنات البشرية أمرٌ لا يمتّ إلى وحشيتهم بصِلة

لقد كان يمقتُ نفاقهم. تلك الملامح التي ترتسم على وجههم،  تكشيرة الاشمئزاز ما  أن يُرى صرصار يمشي في حال سبيله من أو إلى منزله. بعض البشر يصرخون! تخرج آآه كزعقة مدوية، ثمّ يتجمّدون  في زاوية، مدّعين الخوف والقرف. في حين نُصاب نحنُ برعبٍ هائل يجعلنا نتجمد بدورنا دون أن نأتي بحركة. يفنجر الآخر عيناه ثم يشيح بوجهه بألم، هنا نصاب بقرف غريب! نعم نحن الصراصير يلمّ بنا قرف هائل جارف من الهيئة التي تعلو وجوهكم. الزوجة تصيح لزوجها، الابنة تصيح طلباً لمساعدة أخيها. صرخات في كل مكان: صرصار! صرصار! كل تلك الزلازل ونحن لم نأت بحركة لبرهةٍ من الزمن تمتدُ لتبدو سنواتٍ طوال، صامتين، متأمّلين في كل تلك التمثيلية الهزلية التي تجري أمامنا! الكائنُ الضخم-نسبةً إلى حجمنا- ذاك الذي قيل أن خالق المخلوقات خصّهُ دوناً عن غيره بما يُدعى العقل، يتلوّى أمامنا على بعد أمتار ناسياً كل مآسي البشرية التي تُنسبُ إليه ولأجداده. تباً

 أذكُرُ جيّداً إحدى المرات في طريق عودتي إلى جحري بعد جولةٍ ليلية في المنزل، صدفتُ الابنة الكبرى للعائلة  تنسلُّ إلى المنزل في ساعةٍ متأخرة على رؤوس أصابعها. كان الأوان قد فات على حسن التصرّف ولم أجد بدّاً من المرور سريعاً أمامها على أمل أن لا  تلاحظني … لكنّها الحمقاء زعقت  زعقة مدوية! كان بإمكاني أن أسرع للاختباء، لكن .. لكن دهشتي كانت طازجة ورغبة جارفة في تأمّل وجه الفتاة لم استطع مقاومتها! كانت قد وقفت على قدم واحدة وبدأت تتنفس بسرعة كما لو أنها ستُصاب بنوبة قلبية. ومن ثمّ  صرخت بي: متْ ..متْ.  أصغيت السمع هل حقّاً ما تقول! ردّدتها مرّة أخرى بنغمة حادة يائسة: مُــتْ

لم أملك نفسي من الضحك. الحمقاء الغبية!  انصرفتُ سريعاً تاركاً إياها في نوبة ارتجاف هستيرية. سحقاً أكل البشر منافقون! تلك الفتاةُ بأظافرها المدبّبة  المطلية بالأحمر القاني  وشعرها البُنّي المتموّج طويلاً على ظهرها تبدو جميلة، في الحقيقة هي جميلة. لكنّها بشعة للغاية

تنهّد بقوة، كان يشعرُ بتعب جعل من أرجله الستة عديمة الفائدة، فطار بجناحيه الشفّافين إلى نتوءٍ عالٍ يستطيعُ معهُ رؤية الجحر من الأعلى. اعتادت شريكتهُ  أن تجلس هنا حيث بإمكانها مراقبة العائلة وهي تتناول طعامها في حجرة المائدة، لا لكي تلتقط فتات الطعام، بل لتستزيد قرفاً من تلك الكائنات الهمجية التي تتعامل حتى مع الطعام بتلك الطريقة الهمجية الخالية من متعة التذوق

كانت تكبرهُ بالعمر مئاتٍ من السنوات وقد جاءت من بلاد بعيدة حارة صحراوية. روت لهُ قصصاً عن المكان الذي جاءت منه تقشعرُ لها أبدان الصراصير. كيف أن أهلها يقتلون بعضهم البعض بلذة لا تخبو، مبتكرين أساليباً شائنة لزهق الأرواح. لكنّهم هم أنفسهم ينتابهم القرف لرؤية صرصار، وقد لا يجرؤن على قتله خوفاً!  بل أنّهم يتمتمون بتعويذات ويتحاشون النظر إلينا -نحن الكائنات المقرفة بنظرهم- ومن ثمّ يقتلوننا

خرجت حبيبتي ذات يومٍ ولم تعد. قيل أنّها قُتِلت. لكنّ قرون استشعاري تَتحسّس وجودها في مكانٍ ما على سطحِ هذا الكوكب. إنّها صرصاره حرّة ولعلّ هذا الوكر حدّ من وجودها. في ليالي الشتاء حين أدخل في سباتي الدافئ وانقطع عن الخروج شهوراً عدّة، اتخيّلها تقطع المدى دون توقّف، تستمتع بملمس الرياح على بشرتها الشقراء، وتبني ذاكرة جديدة ترويها للأجيال الجديدة عن كيف أن الصراصير، المخلوقات النبيلة، سترث هذه الأرض يوماً ما

 

Read Full Post »

%d bloggers like this: