Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘ألم’ Category

في المرة الأخيرة التي التقيتُ بها أخبرتني عن أكبر مخاوفها! حزنت في سرّي ظنّاً منّي أن ما تخشاه هو النهاية. ما الذي يخيف من تجاوز عتبة التسعين من عمره سوى موت يتربّص به! ضَحِكت بهستيرية ثم مالت وهمست لي بسرّها.. كانت تخشى نسيان مخزونها القصصي الضخم المكدّس في صناديق ذاكرتها

كنّا عائلةً صموتة، تستنفذ الأحاديث الطويلة طاقتها، نجيد الإجابات المقتضبة و الاستماع بأكثر ما نتكلم. أما جدّتي لأمّي فكانت حكايةً أخرى. لم ترسل جيناتها إلى أيٍّ من بناتها وبالتالي إلينا نحن الأحفاد. لطالما كنّا جمهوراً بائساً بالنسبة إليها، كائناتٍ هزيلة أمام  ربّة الشعر المخضّب بالحناء الممتلئةِ حياةً وفتوة

في جلستها الأثيرية تلك التي تنتقي بها أفضل الأماكن وأوثرها وأكثرها عرضةً للنور لتفرش بعدها رحالها المكوّن من سبحتها الطويلة، مناديلها القماشية الكثيرة، عكّازها الخشبي، والراديو المتعدّد الاستعمالات. تمسح  وجهها بإحدى المناديل، وتفرك عينيها بآخر، وتتمخط بثالث. تسألني عن الوقت، أجيبها بسرعة درءاً لاحتمالِ خوضِ حديثٍ مطوّل. تستشعر ذلك لكن لا يعنيها الأمر إطلاقاً، تعيد الكرّة مجدّداً: هل أنتِ مشغولة؟ أجيبها بحزم: قليلاً.  تستدرك بسرعة: حسناً إذاً سأروي لك سريعاً هذه القصة. تضحك بنشوة ثم تقصّ لي بهدوءٍ وتأنٍّ للمرة الألف حكايتها عن كيف أمسكت “جقلة” حاولت أن تخطف إحدى دجاجتها وكيف ركضت خلفها منتزعةً الدجاجة من فمّها

بالطبع الحكاية ليست بهذا الاختصار الذي أوجزته. الحكاية هي حكاية، هي مقدّمة وخاتمة وحبكة. هيّ أحداث تدور بين الضفتين وحكمة هنا وطرفة هناك. والحكاية المكتوبة ليست نفسها تلك المحكية، فالأخيرة سرّها يكمن في فنِّ روايتها، الأمر الذي تبرع به جدّتي. تلك النغمة الهادئة المتصاعدة مع تصاعد الحدث، التوقّف قبل الذروة، حسّ التشويق، انتقاء الكلمات والتلاعب بالألفاظ والأصوات، حركات الجسد، تعابير الوجه، والتماع عينين تكاد تظنّ أنهما يختبران الأمر مجدداً.. انتزاع دجاجة من فمّ ..جقلة

هل كانت تعاني ضعفاً في البصر أو السمع!  لا ندري حقّاً. لكنّها يقيناً قد رأت وسمعت –حين أرادت هيّ ذلك- ما عجز سمعي وبصري عن إدراكه. أمّا أولئك الأشخاص الذين تكرههم فقد تنظر مطولاً في وجوههم كأنها تنظر إلى العدم، يمتص نظرها ثقبٌ أسود، ويغور سمعها في الرمل. أصيح بصوتٍ أقرب للصراخ: جدّتي إنها أم أحمد! هذه أم أحمد.. تمسك رأسها بيديها وتغمضُ عينيها مغمغمه: صداع .. صداع. تلملم حاجياتها وتبتعد مسرعةً ما أمكنها عكازها الخشبي

ربّة الشعر المخضّب بالحنّاء، الممتلئة حياةً وفتوة، تذرع خصال شعرها الأحمر بأسنان مشطها مراتٍ في اليوم ثم تودعه جيب جلبابها الطويل، تمضغ الثوم بتؤدة غير عابئةٍ بالرائحة النفّاذة، طمعاً في خواصه الوقائية. تمرّن أذرعها النحيلة الواهنة بحركاتٍ رياضية مدروسة، وتقطع شرفتنا مراتٍ عدة في الصباح، لتنتقي بقعة مشمسة تتمدّد بها مقلّبةً سبحتها الطويلة مئات المرات دون كلل أو ملل

لم يعرف النوم سبيلاً لها في السنوات الأخيرة.  كانت تسهر في سريرها طويلاً تتنقّل بين الإذاعات، تطلب من أخي أن يضبط لها تحديداً “مونت كارلو”و “البي بي سي”، وحتى ساعات الصباح الأولى يدوي صوت الضجيج المشوّش لمذياعها في أنحاء المنزل مرفقاً بصوتها المعلّق على الأخبار لتشتم الأعداء وترفع صوتها بالدعاء للوطن

في ليالٍ كثيرة كانت تبكي وتتمتم أدعية وأذكار.. تتلو آيات وتسأل: متى ؟  سؤال يدوي دون إجابة. تبحث عن أغنياتها المفضّلة لتعود إلى أيام الصبا  وتنتشي طرباً مردّدةً بصوتٍ عذب..  عذب للغاية: رقّة حسنك وســمارك

كان لها رحلة الصيف والشتاء تتنقّل فيها بين منزلي ابنتيها: أمّي وخالتي. حين زار زوجي منزل عائلتي للمرة الأولى كانت تقطن بيننا حينها. تزيّنت وتعطّرت، واستقبلته بابتسامةٍ خاليةٍ من الأسنان.. وغنت له وسط دهشتنا جميعاً أغنيةً مرتجلة! أغمضت عيناها وغنّت بصوت عذب موالاً لا أدري مصدره! لربّما ألّفته في ليالي سهرها الطويل.. جلست بعدها بالقرب منه لتتأمّله مليّاً وتروي له بعدها نبذة مقتضبة عن حياتها مطرّزةً بضحكتها المجلجلة ذلك اليوم

يا لله.. ربّة الشعر المحنّى بالأحمر كانت جميلة كإحدى عجائز روايات ماركيز، كان يجب أن تولد في أمريكا اللاتينية، كان يجب أن تنجب أطفالاً كثر يرثون طاقتها وفرحها، كان حرّي بسيناريو حياتها أن يتضمّن جمهوراً عريضاً، يتقن الاستماع والتفاعل

قبل حلول السنة الجديدة ،شَعَرت بالضجر الشديد فقررت أن ترحل دون مقدّمات طويلة..وهكذا ذوت خلال أيام ثم غطت في سبات لا استيقاظ بعده لتطوي سبعة وتسعين عاماً تاركةً إيّاي أبكي تفاصيل حكايات لم اتقن سماعها يوماً

.

.

30/12/2016

في ذكرى جدّتي

Advertisements

Read Full Post »

“وادي الصامتين غنيّ الجِناب، سنيّ الرجاء، سكوتهُ بيان، وربّ سكوتٍ أبلغُ من كلام”

 

فلنعد بالزمنِ إلى الرابع عشر من شباط، عام 1970. وتحديداً إلى أحدِ دور العجزة حيث نستطيع أن نميّز بين نزلاءِ المكان رجُلاً مسنّاً ضئيل القامة ينكبُّ على أوراقه وأقلامه في انهماكٍ عجيب كما لو أنّهُ في سباقٍ مع الزمن. يتنقّل بين سريره ذو القضبان الحديدية و منضدة صغيرةٍ إلى جوار السرير تكدّست فوقها الكتب والمجلّدات. لقد أصبحت تلك الفسحة المخصّصة له بأمتارها القليلة بمثابةِ فضاءه الصغير الذي يجوب عبره عوالمه الداخلية. بعد مضي عامٍ على التاريخ المذكور أعلاه، وتحديداً في اليوم الواحد والعشرين من كانون الثاني 1971، وُجدَ الرجل متكوّماً على أوراقه و مخطوطاته. لقد أسلم الروح! ولأنَّ لا أهلَ له أو وَلَد أُرسِل إلى المقبرة دون أن يتُمّ إعلامُ أحدٍ بموته.  ولأنّه “العاشق السيء الحظ” الذي شاءت الأقدار أن يرحل في ذلك اليوم الشتائي البارد دون جنازةٍ أو مشيّعين، توانى التُربي _حفّار القبور_ عن إيجادِ مكانٍ ملائمٍ لراحة جسد الغريب المجهول ليلقي به في ممرٍّ طولاني بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالةٍ على اسمه وليبقى مكان دفنه مجهولاً إلى الأبد

سنعودُ لاحقاً لتلك المفارقة الساخرة، فالرجلُ الذي اُعتبر “غريباً” عن المدينة، لا نزخرف قولنا أو نبالغ به عندما نشير إلى  أن المدينة تُختصر في اسمه. ولنبقى في نهار الرابع عشر من شهر شباط قبل سنةٍ من وفاته، حيث هَبط الظلام على  رجلنا في جلستهِ الأثيرية وقد تضرّم خداه حتى أصبحا كزهر الأرغوان. ولو أنّ أحداً رآه في تلك الساعة لأخذه العجب في أمر هذا الرجل الذي سالت دموعه على وجهه الذي أشرق بالفرح، فلا يعرفُ الناظر إليه حاله إن كان حزناً أو فرحا

:داعب كفّه الخشبية بأصابع يده اليمنى، أمسك قلمهُ وكَتب

يا صاحبي القارئ. أهمس لك أني وحدي وحدي ثم إني مضطّر – وأنا ابن السبعين – أن أعمل في أضنى عمل لأربح قوت يومي ولأربح ثمن أدويتي، ثم إني اصطلحت على جسمي الواهي ضروب الأسقام لم تسمع هذه الأسقام مني آهةً قط، حتى لمّا بتر المنشار العظم دوم مرمّد، بل تشاهد بسمة الرجاء من رب حنون. أرخى القلم وأسدل جفنيه المتعبتين على تزاحم الصوّر ليُكشَف الستار عن مسرح ذكرياته. يعود إلى ذاك اليوم المشؤوم حين انتثرت يده، وهو في العشرين من عمره، جراء كميةٍ من البارود كان يحملها اثناء عرضٍ مسرحيٍ كان يعملُ على إخراجه. قُدّر ليده اليمنى اليتيمة أن تحمل كامل المهمّة على عاتقها طوال رحلة العمر المضنية التي قضاها في فاقةٍ وعوز، ليس له من مورد سوى ما يتقاطر عليه من مهنة التعليم والأحاديث الإذاعية التي كانت بالكاد تؤمّن ثمن طعامه وأدويته،  وقيّض لتلك الكفّ اليتيمة أن تكتب ثلاثة عشر مجلّداً من بينها  الكتابُ الموسوعة التي استغرق في جمعِ مفرداته وتعابيره ثلاثة عقودٍ ، وصانها من أن تعبث بها يد الضياع  ، والليلة بدا أن المهمة كادت تشرف على نهايتها. تأمّل ما بين يديه من صفحات، ثمانية آلاف من القطع الكبير كَتبها وأعاد نسخها بيده اليتيمة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوانٍ مختلفة لتسهل طباعتها يوماً ما، لونٌ للمتن، الشرح، التشكيل، والذيول. تلك الموسوعة التي خصّ بها مدينته ولهجتها وضروب بيانها، ومفرداتها، قواعدها وأمثالها، حكمها وتهكّماتها، شعرها ومواويلها، نوادرها ومزاحها، قراها وبواديها، حارتها وعاداتها، تعابيرها وآدابها وتندراتها ومعتقداتها وخرافاتها! شارفت على النهاية

يطلق زفرةً حارة متعبة، يتناول كتاباً إلى جانبه، ويحرك شفتيه مصدراً صوتاً بالكاد يسمع، بعد أن غابت النبرةُ التي اُشتُهِرَ بها ذات الملامح الحادة الساخرة. يقلّب صفحات الكتاب ويعود بها إلى الصفحة الأولى، يتلو بصوتٍ مرتجف: حـلـب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلتُ خبزي إلا بعرق جبيني. منحتكِ، يا حلـب  كل ما انطوى عليه قلبي من كنوز الخير، وكتبت على النفس أن تضنى لرسالتها فحرامٌ على قلبي أن ينال بلّةً من الماء، إن كان في البله ما يمسّ مثله، وحرامٌ على قلبي ألا يولّى الجميل جميلاً، وأكثر. يا ليالي الطوى! لتكن ذكراك هانئة، فصباحها يطلع على بأثرٍ جديد، ينعم وينعم بدفء الأنس بين مجلدات خزانتي

يا نقمة الطغاة في حلـب، تُسفك، وتسلب، ثم تتغنى بالمجد! شكراً، فقد علمتني فن حرب الحياة. يا يوم أن انتثرت يدي! ليكن مطلّك برداً، وسلاماً، فللمثل العليا قدمت قرباناً من لحمي ودمي!يا شمعة الحياة، أحرقتها في الدرس، والتدريس

حلب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلت خبزي إلّا بعرق جبيني. حلـب! ولا منّة لي عليك، فهودج الكرامة الذي اعتزّ به إنما هو من سرادقات عزتك.وأنت يا بن حلـب الكريم! الذي ابحث عنه بفانوس ديجون ردّ على غيري نعمتك، فعندي الغني، وكنز الرضى

.تتلاحق أنفاسه بسرعة، يكرّر العبارة: عندي الغنى وكنز الرضى.. عندي الغنى وكنز الرضى

.

.

..هامش وثيق

قبل بضعة أيام، قام السوريون عامةً وأهل حلب خاصةً ولفيفٌ من الكائناتِ الإنسانية الحيّة من شتّى أصقاعِ المعمورة بالتضامن مع مدينة حلـب التي شهدت أسبوعاً دامياً لم يكن ليشكّل إلا حلقة أخرى في السلسلة الطويلة اللامتناهية من الصراع الدموي المستمر منذ سنوات! وبعيداً عن شكل التضامن الملفت الغريب(لون أحمر قرمزي صبغ مواقع التواصل الاجتماعي، مع سيل هاشتاغي وجداني) والذي ولأسبابٍ مبهمة(البعض منها منطقي، والآخر يمتُ إلى المشاعر التي لا سبيل إلى تفسيرها) قادني إلى شعورٍ مفاده أن لا شموس تنتظرنا في نهايةِ هذا السرداب الطويل الذي نسلكه منذ أعوام. وأن هذه الجموع البشرية وصلت إلى الدرك الأسفل ولا أقصد بالجموع البشرية تلك المتقاتلة فيما بينها فلا أحد يختلف في أمرهم، بل أقصد الجموع المتعاطفة التي اكتست “حماراً”!  وما زاد الأمر غرابةً أن المشاعر لم تدم طويلاً فاستغرق  الأمر لدى البعض ساعات وامتد لدى آخرين حتى أيامٍ معدودة، فلا أحد يطيق صبراً على التعاطف لزمنٍ أطول مع قضيةٍ لا تمسّه بشكل شخصي وسوريّا لم تعد تمسّ ابنائها بشكل مطلق إلا فيما يتقاطع مع مصالحهم الشخصية.وكي لا أسترسل في السرد طويلاً، استوقفني ضمفي معرض حملة التضامن الغريبة تلك، إحدى المواقع التي أعادت نشر مقالةٍ كتبتها قبل زمن عن علّامة حلب” خير الدين الأسديّ”، لقد زامن الموقع ذو التوجّهات العلمية إعادة نشر المقال عن أيقونة المدينة  كنوعٍ من التضامن مع المدينة المنكوبة، المثير للسخرية أن الاسم لم يستوقف الجموع من أبناء حلب، أولئك الذين لم يسمعوا برجلِ يُدعى: خير الدين الأسدي!  لكنهم في الوقت ذاته يرثون أوابد مدينتهم وتاريخها والحال الذي آلت عليه، كما لو أنّ الأمر ليس صنيعة أيديهم

ويلي عليهم لقد ماتت المدينة يوم رحيل الرجل

.

.

عودة إلى بدء..

بعد مرور أربعين يوماً على رحيل الرجل المنسي، قرر لفيفٌ من الأصحاب إقامة حفل تأبين كتكفيرِ لنسيان المدينة  والدولة لابنها العاشق. وتأتي المفاجأة  أن تمّ خطأً ادراج اسم: ضياء الدين أسد في سجل الموتى بدلاً من اسمه. وتأتي المزحة السمجة حين أخبرهم التربي “حفار القبور” بأنّه ألقى بالميت الخفيف الوزن ذو الذراع المقطوعة واقفاً في ممرٍ شاقوليٍ بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالة

 تضاربت الروايات حول النهاية، قيل لاحقاً أنّ الجثة بيعت لطلّاب كلّية الطب في حلب، لكنّ ما هو مؤكّد أن لا أحد يعلم حتى اليوم أين دُفِنَ خيرالدين الأسدي

.

.

سيرة ذاتية

على جذر شجرة نارنج حلبية في حيّ الجلّوم الحلبي  وُلد خير الدين الأسدي عام 1900، درس في شمس المعارف على يدّ خيرةِ علماء حلب، وامتهن التدريس حتى آخر سنواته في مدارس حلب الحكومية والخاصة حيثُ علمّ العربية بنحوها وصرفها وآدابها. فقدَ كفّه اليسرى جراء كميةٍ من البارود، إذ كان يقوم مع طلابه بتقديم مسرحيةٍ عن الاستقلال مع بدايات الانتداب الفرنسي على سوريّا. أتقنّ عدّة لغات من بينها اللغات السريانية والسامية وبعض اللغات الأوربية. اُشتهر بولعه في الترحال والأسفار وجمع المقتنيات الأثرية حيث جاب البلاد العربية بشمالها الأفريقي وجنوبها العربي وبعضاً من الدول الأوربية ويظهر ذلك جلياً  في خزائنه التي ضمت مجموعةً من التحف الفريدة وصوراً تزيدُ عن أربعين ألف صورة رُتبت على حروف الهجاء. كانت شراهته للمعرفة من كلّ نوع لا تعرف حدوداً، حتّى أنه قاد بنفسه حملةً للتنقيب عن الإنسان الحلبي الأول في كهوف حيّ “المغاير”. لم يعشق أحد حلب كما فعل فقد بحث في أصل حلب وتاريخها و موقعها وثقافتها وطرز حياتها وتقاليدها ويظهر ذلك في موسوعته التي عمل عليها لما يزيد عن ثلاثة عقود حتى آخر سنوات عمره في دار العجزة، حيث أضاف مئات الصفحات إليها في أيامه الأخيرة وهو راقدٌ في سريره. وتجلّت أمنيته الوحيدة في أن يرى عملهُ مطبوعاً بعد أن أعاد نسخة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوان لتسهيل عملية طباعة موسوعته يوماً ما.  مورده الوحيد كان من مهنة التدريس وذهبت مدخراته جميعاً إلى تمويل أسفاره الدائمة. في بداية حياته كان ينزع إلى التدين نتيجةُ لنشأته الدينية، ومن ثم عُرف عنه اعتناقهُ للبهائية، لكنه في النهاية اتّجه للتصوف. تأثر بشدّة بحافظ الشيرازي، زعيم الشعر الصوفي وملهمه وأستاذه، فأطلق على نفسه “حافظ القرن العشرين” وعلى أثر ذلك جاء كتابه الأجمل -بالنسبة لي- ” أغاني القبّة” وهو نفحاتٌ من الشعرِ الصوفي المنثور

 .لم يول الاهتمام الكافِ أو ما استحقّه من تقدير، عانى من المرض والعوز آخر سنوات عمره ومات وحيداً سنة 1971

بعد رحيله بأعوام قامت جامعة حلب بطباعة موسوعة حلب المقارنة في سبع مجلّدات كما أطلق  اسمه على أحد شوارع حلب وسُميت أحد قاعات المطالعة في المكتبة الوطنية باسمه.

عن سيرة حياته هنا

.

.

..النور وحدهُ يُسامر النور، فيا ويح قلبي إذا ما اغترب

 

Read Full Post »

تمَ العثورُ خلال حملاتِ التنقيب التي بدأت منذ عقود في منطقةِ شرق حوض المتوسط، وتحديداً في المنطقة الّتي كانت تُدعى “سوريّا”، على قطعةٍ الكترونيةٍ “هارد ديسك” تضمُّ محتوى يعود لعصورِ “ما قبل التلاشي”، تحديداً حقبة ما قبل اندثار الديار السورية، الفترة الواقعة ما بين 2011 و 2022
تبيّن لاحقاً بعد معالجةِ اللّقية الأثرية والتي كانت بحالة جيّدة نسبةً للطريقةِ التي حُفِظت بها، احتوائها على ملفّات من نوع وورد (برنامج “أوفيس” يعود لنظام حاسوبي يُدعى ويندوز ) تحتوي تلك الملفّات على كِتابات أشبه بالمذكّرات أو اليوميات دوّنت باللغة العربية
ما يميّز هذا الاكتشاف المثير عن غيره من الاكتشافات بأنّ محتواه قد يساعد الباحثين على ملء فراغات مهمة في رحلة الجنس البشري عبر التاريخ ولعلّه الأقدر حتى اللحظة على تقديم شروح قد تبدو مبهمة، لكن قد تلهم العلماء لمعرفة ما حلّ بحضارة عُرفت على أنّها الأقدم منذ بدء الخليقة، وفهم السبب وراء انقراض التجمّعات البشرية الكثيفة التي سكنت في تلك البقعة. ليصبح هذا” الهارد المخزّن” بمثابة كبسولة تختصر حقائق شعوب اندثرت، أحلام كائنات غرقت في ثقب أسود لا نعرف عنه شيئاً ولا تستطيع العلوم الاجتماعية والإنسانية الحدس به

***

بتاريخ 2021
القاتل رقم 654
وحين كان “ناكاتا” بطل رواية “كافكا على الشاطئ” لديه من المقدرات ما يجعل من سماء المدينة تُمطر عَلقاً وسمكاً..كان “ناكاتا” بطل الرّواية السورية الطوّيلة والمُملة جداً..يُمطر سماء مدينته بشتاء من الهاون
لم يكن شريراً في واقع الأمر، فهو لم يسن عنق واحدة رغم استهزاء الجميع به ومحاولاتهم الحثيثة لتشجيعه على فعل ذلك. كل مافي الأمر أن مشهد الدماء كان يصيبهُ بالغثيان. أما الهاون ..جميل، عملية تلقيمه لا تحتاج إلّا إلى إبريق شاي خمير مُعد بعناية بعد فطور دسم، ليبدأ بعدها رشقاته اليومية

.مؤخّراً لم يعد يعنيه أين تذهب حبيبته وعلى من سيقع اختيارها، مهمته تتجلّى في أن يشعل فيها الرغبة، و مهمتها أن تتوهج..وتقتل
في السابق كان يحدّد السمت، يدرسهُ بعناية، ينتظر قليلاً من الوقت ليوّجه مرّة أخرى إلى هدفه، ومن ثم يترقّب حلول المساء بفارغ الصبر ممارساً متعته الأكبر في تقصي ضحاياه، معرفتهم عن قرب، أعمارهم، أشكالهم، عائلاتهم. كان يبحث بتلذّذ غريب رغم يقينه من أن حصيلة ضحاياه أكثر من أن تحصى
في منتصف عام 2016 حدث أمر رهيب له.

ظهيرة يوم نيساني بديع شعر بحاجة ماسة لالقاء رشقة أو اثنتين رغم أنّه كان قد عمِل بجد في ذلك الصباح وأمطر منطقتين مزدحمتين بخمسة عشر قذيفة، لكن ما باليد حيلة..القلب وما يهوى
أمسك محبوبته، قبّلها ووضعها في الفوهة….و بووووم

مازال الطبق النحاسي الضخم يُقرع بمؤخرة رأسه باستمرار حتى بعد مرور سنوات على تلك الواقعة. أُصيب بالصمم الكلّي، وفقد بصره

يتلمّس طريقه إلى الخارج، يفترش الأرض أمام باب منزله،  ويرفع عينين أُسدِل عليهما جفنين ثقيلين إلى الأعلى

كانوا قد أخبروه أن الشمس أُصيبت بالعمى! ظلام مُطبق بدأ منذ أيّام طويلة دون أن يدري أحد سبباً لذلك! في البداية ظنّهم يسخرون منه..لكن جرت العادة عند استيقاظه أن يتلمس طريقه للخارج ليمتّع بشرة وجهِه المشوّه بحرارة الشمس
!بدا له أن السماء مظلمة، استشعر ذلك بانقباض مخيف. لقد أصيبت الشمس بالعمى حقّاً

أغمض على ظلامه الخاص الذي ليس كمثله ظلام
ظهر الجميع ككتل مضيئة في السواد المخيّم أمامه، المشهد ذاته يتكرّر. انتثرت الأشلاء حوله وبدت مسترخية بتثاقل

اليوم كان الدور قد وقع على ساعد ضخمة مبتورة من الكتف، و إبهام قدم

: كان الساعد مفتول، يغزوه شعر كثيف، وفي نهايته كف بأصابع ضخمة

حسناً، أدعى أبو علاء، العمر 54 عام، موظف في مبنى المحافظة، بتاريخ 3\11\2013 قمت بأخذ إجازة ساعية للحصول على اسطوانة غاز بعد أن سمعت بتوفر المادة المذكورة آنفاً، أثناء مروري بتقاطع شارع الحرية مع شارع الثورة، سمعت أزيزاً، ربّماً كان صفيراً لا أذكر
لم يتسنى لي الوقت لكي أتفادى ما لامفر من حدوثه، لكن بعد أن صعدت إلى الأعلى استطعت رؤية جسدي في بركة دماء حارة

:يزفر الساعد، ليتلاشى في الظلمة، يتقدم الإبهام، تبدو آثار طلاء أحمر على الظفر

هديل، العمر 23 عام، طالبة في كلّية الحقوق، صبيحة 5\9\2014 ذهبت مع والدتي لإكمال ما تبقى من تجهيزات زفافي، كان صباحاً يوحي بالطمأنينة وبأنّ الحياة على مايرام. في الساعة االحادية عشر والنصف سمعنا دوياً هائلاً، شعرنا بهلع دفعنا للركض حالنا حال الجميع، وفي المكان الذي احتميت به، أبصرتها تقترب منّي بتوهج
تأخرت قليلاً قبل أن أصعد، وحينما أبصرتُ المشهد من الأعلى، وجدتُ أمّي تنوح بعويل مؤلم فوق كتل من لحمي المدمى

تعود الإبهام إلى الخلف لتتلاشى في الظلام

يصيح بصوت زاعق أشبه بزئير حيوان مفترس، يغطي عينيه المشوهتين بكلتا يديه ويزفر
لقد اختمر غضب السماء

***

بتاريخ:2022
القاتل رقم: 1250
مضحك كيف تلتمع فكرة تبدو لوهلة مفرطة في بديهيتها، هكذا فجأة تنبثق لتلغي اشمئزازاً دام شهوراً من ديدان بيضاء استباحت أكياس الأرز الثمينة، في كل مرة يفرد ساعات فراغه لوضع حد لها، تعود لتمدّ لسانها بوقاحة في وجهه
جلس إلى مائدة الطعام، عبارة عن مقعد مدرسة خشبي مهترء كان قد عدّله بنفسه وزينه بنقوش وتواريخ، بعد أن وجده ملقى أمام محل تعفيش متواضع

 تناول وجبته المدعّمة بالبروتين واللحم، وشرد ساهماً في تأمّل روزنامة على الحائط! كانت تعود للعام 2018

حين جاء المنزل للمرة الأولى وجدها مُثبّته بشريط لاصق في منتصف الحائط تماماً وكأنّما وُجدت هناك منذ الأزل

أوراقها لم تُثنى أو تمزق رغم أنّ أطرافها ذُيّلت بملاحظات وإشارات لمواعيد انتهاء اسطوانة الغاز، أوقات تقنين الكهرباء، إشارات لتواريخ ميلاد و وفاة، الحواشي فُردت لكتابات غير مفهومة
يحاول تذكر ملامح ذلك العام ! كانت البلاد حينها تُشِع بالكهرباء، فالروزنامة تشير إلى أوقات تقنين، غاز، وماء..! كم يبدو هذا ترفاً مثيراً للاشمئزاز
بحلول ذلك العام كان في أوج نجاحهِ المهني..يقايض الأرواح بالمال، يقايض الصحّة بالمال، يقايض أولاده بالمال
ولولا أن حصل ما حصل في نهاية ذلك العام ..لكان قد أكمل على من أكمل

..

بلعق الصحن للتأكد من انهاء وجبته. يخلع قدمه الصناعية، يُسدل الستارة على كتلة اللهب المضيئة في أفق المدينة الغارقة بظلام غريب منذ شهور طويلة ليغرق بعدها بظلمته الخاصة

يحاول الدخول في بوابة الحلم، لكن سرعان ما تبدء حفلة عذاباته اليومية
يطفو الجميع إلى سطح الذاكرة، تُضاء خشبة المسرح لتبدو رؤوس حليقة مجتمعة وسط دائرة النور، الترتيب نفسه، جميعهم كانوا هناك
يبصر نفسه جالساً على دكّة عالية في الوسط تتدلى فوقه دائرة ضوء تتحرك جيئة وذهاباً

اليوم دوري أنا، ألا تتذكرني ! ألا توحي لك ندوب وجهي بشيء؟

يتقدم الرأس من الدكّة، يمسك وجهه المشوّه بكلتا يديه، يهزّه بشدة حتى يكاد أن يسقط. يظهر صاحب الرأس  تحت بقعة الضوء أكثر وضوحاً. مسخ بشري أُطفِئت به أعقاب عشرات السجائر

يحاول جاهداً الاستيقاظ،، يزفر بقوة

ماشاء الله السيد منزعج، لقد أقلقنا رقاده..يريد أن ينهي اللقاء في بدايته
(يقهقه الجميع، تتشابك أيديهم في حلقة دائرية تحيط به)

هل كنت تظن أن لن نلتقي مرة ثانية؟ لم تفارقني لحظة واحدة في الليل والنهار، كان صوتك يتشرّب ما تبقى من عافية في جسمي العليل. ويأتي على بقايا الحياة التي سلبتها منّي بتلذذ
في يقظتي ونومي كنت هناك، منتصب كوحش كاسر، تبصق في كل حساء أتذوقه، تمزق بحزامك كل ما ألبسه وتجعل من جلدي وجبة لسوطك الذي يدمي ظهري وصدري..انظر

(يكشف عن ظهره، تجتمع الرؤوس الحليقة، تبدو بلا ملامح لكنّها تقترب بفضول)

أحاول أن أصرخ فتخرج منّي أنّات بكماء، تضيق الدائرة حولي وتقترب الرؤوس شيئاً فشيئاً لتصبح ملامحها أكثر وضوحاً. يكشف الجميع عن ظهره، يصيحون بصوت واحد

انظر..انظر..انظر
يقتربون من الدكة الخشبية، يركلونها بأقدام غاضبة
انظر..انظر..انظر.
يستطيع فتح عينيه في النهاية، يستيقظ بعينين دامعتين، أنفاس منقطعة. وينخرط في بكاء طويل
لقد اختمر غضب السماء

***

(بدون تاريخ)
شاهد
.
.
في أزمنة لا ترتقي لها الذاكرة..كان الجميع على قيد الحياة
عرفنا الفرح، والسعادة، كان لنا أباء وأمهات، حبيبات وأبناء، وكان الرضا شهي جداً
في هذه البقعة حيث أقف، انتصبت شجرة زنزلخت ضخمة ومرعبة كفزّاعة الحقول..خيّمت بظلّها على منزل العائلة بعمر المئة سنة
إن بقيت الشموس تشرق، وبقيت الحياة تجري في دورتها،سيعتقدون أن هذا المكان لم يكن يوماً مأهولاً بالسكّان! مجرد أرض بلا ذاكرة
أقول لكم..
هنا ..
في هذه البقعة حيث أقف، وُلِدت أنا وأخوتي، في هذا المنزل ولد أبي، جدي الأكبر رفع سقفه الخشبي بيديه حين لم يكن في هذه القفار إلّا الضباع الشاردة، وفي أعمدة المنزل الخشبية عُلقت أراجيح نومنا حين كنّا أطفالاً وعليها نقشنا أسماء الحبيبات
هنا ..
سوّيت الأرض مرّات عدّة لتستر هياكل نثرتها مجازر ارتكبت على مدى سنوات الحرب الطويلة لم يعرف لها اسم، ولا شاهدة. حتّى حلول تلك الساعة المشؤومة حين حلّ الظلام الدامس. ليل طويل مستمر بلا انقطاع بدت معه الشمس في كسوف دائم، الأيام طالت واستطالت لتتحول إلى شهور..
ربّما الآن قد اختمر غضب السماء

توّج الظلام بالكارثة العظمى في إحدى الأيام بما بدا أشبه بالنهاية الأخيرة
زأرت الأرض واهتزت مرات عدّة، وبدأت بلفظ ما بأحشائها على وقع أصوات أشبه بقرع طبول إفريقية ضخمة. ظننا أنها الساعة الأخيرة التي أُخبِرنا بها وقد زُفّت إلينا لا ريب فيها هذه المرّة، لتجعل من كل ما سبقها أشبه بمزحة مقارنةً بذلك المشهد
برقت السماء وزمجرت كما لو أنها انشقت على نقسها لتبدأ أمطار صفراء لزجة بالتساقط سرعان ما تحول هطولها إلى سيل عارم غمر وجه المعمورة..وجرف إلى داخل الأرض ما تبقى من أحياء
تراقصت الهياكل في أسرّتها الترابية ودبّت على أرضٍ ابتلعت كل شيء، الناجي من غضب ذلك اليوم..مات من هول الرعب

.
.
في أزمنة غابرة..كان الجميع على قيد الحياة
وكان للرضا طعمٌ شهيٌ جداً

Read Full Post »

و شعرت أني مثل أيوب  ..

وتباهى الرّب بعبده أيوب. باستقامته وتقاه، فسأله الشيطان: أمجاناً يتّقيك ؟

فأطلق الله يد الشيطان، كي يضربه في أهله وأملاكه. ففقد أولاده العشرة وكل ما يملك، لكنّه لم يخطئ بحق الله. فازداد الله تباهياً بعبده أيوب. فطلب الشيطان أن يصيبه بلحمه ودمه.أطلق الرب يده فأصاب الشيطان أيوب بقرح من أخمص القدم إلى قمة الرأس، فاشتدت آلامه، وأنكرته زوجته، وانفضّ عنه غلمانه وعبيده .. لم يكن لأيوب أن يعرف أنّه ضحية رهان متبجّح بين الله والشيطان. ولأنه كان عميق الإيمان وحسن النية، لم يخطر بباله  أنه يمكن أن تجري في السماء التي يشعشع فيها الرب، ألعاب ومراهنات دامية إلى هذا الحد. ولهذا دفعه قلبه البريء، وآلامه التي لا تحتمل إلى محاججة الله : لكنّي إنما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجج الله . . . ما الذي لي من الآثام والخطايا. أعلمني معصيتي و خطيئتي. لِما تواري وجهك وتعتدّني عدواً لك! لِما تكتب علي معاملات عنيفة وتُلحق بي آثام صباي!؟.. قد اكتسى لحمي دوداً وجلدي تقلص وتمزق. ما الإنسان حتى تستعظمه  وتميل إليه قلبك وتتعاهده كل صباح، وتبتليه كل لحظة. إلى متى لا تصرف طرفك عني ولا تمهلني ريثما أبلع ريقي . أقول لله لا تؤثمني. أعلمني على أي شيء تحاكمني . . . إنّما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجّ الله

 

كان عزاءً كبيراً لأيوب، الذي يتفسخ، أن يحاجج الله، وأن يلومه من طرف خفي، لأن النعيم في هذه الدنيا مقسوم للمنافقين والأشرار، في حين تضرب يد الله الأبرار، وتبتليهم بأقسى أنواع المصائب. والغريب أن اله الذي كان يعرف أن أيوب لا يستحق أيّاً من المصائب التي توالت عليه. وأن كل ما أحاق به نتيجة رهان متبجّح بينه وبين الشيطان، فقد أغضبه أن يحاججه إنسان، حتى ولو كان صادق الطاعة والإيمان. ولهذا كلّم الرب أيوب وقال :  ” اشدد حقويك وكن رجلاً “ .ثم بدأ يعدد متباهياً ما خلق من أرض وسماوات ونجوم وجبال ووديان وحيوانات وطيور وبحار ورياح. ليختم كلامه لأيوب : ” اشدد حقويك وكن رجلاً. إني سائلك فأخبرني ألعلك تنقض قضائي. أتؤثمني لتبرر نفسك. ألك مثل ذراع الله. أترعد بمثل صوتي. إذن فتزيّن بالعظمة والسمو، والبس المجد والبهاء ” . ويواصل الله تأنيبه حتى يتضاءل أيوب.  ويتلاشى صوته منكراً مقالته، ونادماَ على محاججته

 

يعوّض الله أيوب أضعاف ما خسره من صحة وولد ورزق. ولكن بعد أن عطّل عقله، واعتذر عن المحاججة، وتحوّل كائناً صغيراً، يضع برضى وتسليم حياته ومصيره وكل ما يصيبه بيد القادر الذي خلقه ولم يترك له إلّا حرية العبادة والطاعة والرضا مهما اشتدت عليه ألوان الظلم والعذاب

لقد حاجج أيوب ربّه، أما أنا فمن أحاجج ! وليس لدي إلّا هذا اليقين البسيط و الموحش

.من الظلام جئت وإلى الظلام أعود

رحلة في مجاهل موت عابر

سعد الله ونوس

Read Full Post »

أغارُ عليكِ من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي

من المرآة التي ترسل لكِ تهديدكِ بجمالكِ

من شُعوري بالنقص أمامكِ

من حُبّكِ لي

من فنائيَ فيكِ

ممّا أكتب عنكِ كأنّني أرتكب فضيحة ..من العذاب الذي أُعانيه فيكِ

من العذاب الأكثر بلاغةً من المتعذبين

من صوتكِ ..من نومكِ ..من وضع يدكِ في يدي..من لفظ اسمكِ

من جهل الآخرين أنّي أحبّـكِ.. من معرفة الآخرين أنّي أُحبّــكِ

من جهل الآخرين أنّي أغارعليكِ،من معرفة الآخرين أنّي أغار عليكِ

من سعادتي بكِ، من سعادتكِ بأيّ شيء، من وجودكِ حُرّةً

من وجودكِ عَبْدَة ، من وجودكِ لحظةً

أغار عليكِ من غَيْرتي عليكِ

من عطائكِ لي..من تعلُّقي بكِ أشَدّ أشَدّ

أغار عليكِ لأنّك تقرأينني وأنا أريد أن تحفظيني.لأنّكِ قد تحفظينني وتحفظين سواي

لأنّي لا أرى غيرَ حَمْقى،لأنّي لا أرى غيرَ أذكياء

لأنّي أُحاصركِ وأتعهّدكِ كالوحش.لأنّ حُبّي يخنقكِ

أغار عليكِ ممّا أشتهيكِ أنْ تكوني، وممّا تشتهين أنْ تكوني، وممّا لا تقدرين أن تكوني

من المرأة لأنّكِ امرأةٌ ومن الرجل لأنّه يراكِ.من الجنس لأنّه حتّى يعود يجب أن يتوقّف

من كُلّ ما سيكسره نظركِ

أغار عليكِ لأنّي خَطَبْتكِ جاهلاً عددَكِ

لأني أخنقكِ بحُبّي وأنت لا تقدرين أنْ تُحبّيني وأنتِ مخنوقةٌ بحُبّي

لأنّي ساخطٌ لأنّكِ أجملُ النســـاء

لأنّي أمدحكِ فأخاف أنْ تسمعي في مديحي أصواتَ آخرين

أغار عليكِ من الأشياء التي يكبر فرحكِ بها لأنّكِ تُحبّينني..من نبوغ جسدكِ

من عابري السبيل ومن الذين جاؤوا ليبقوا ومن الأبطال والشهداء والفنّانين

من إخوتي وأولادي وأصدقائي

من الأقوياء لأنّهم يأخذون الإعجاب  ، ومن الضعفاء لأنّهم يبدأون بأخذ الشفقة

من لبوءة الرجاء النائمة.من الأنغام والأزهار والأقمشة

من انتظار النهار لكِ، ومن انتظاركِ اللّيل.من أقصـى الماضي الى أقصـى الماضي

من الكُتب والهدايا ومن لسانكِ في فمي.من إخلاصي لكِ فُرادى وجماعات

 !من الموت

أغـــار عليكِ .. أجَنَّ أجَنَّ  كلّما تضايقتِ من غَيْرتي عليكِ

أغـــار عليكِ من جميع الأعداء ومن جميع الحلفاء

من الحياة الرائعة التي نقدر أنْ  نعيش

من ورق الخريف الذي قد يسقط عليكِ

من الماء الذي يَتوقّع أنْ تشربيه

من الصيف الذي تخترعينه بعُرْيكِ

من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي

..من الطفل الذي لن تلديه أبداً

أُنسي الحاج 1937 -2014

Read Full Post »

Image

      وهكذا عِشتُ دهراً بين الناس مُتنكّراً بِالفضيلة حتى كِدتُ أن أنقرض وبني جنسي..
هلّلتُ لِلخير وأهله أنا وأبناء جلدتي ورفعت يدي مُجبراً  إلى السماء تلك التي أنزلتني من عليائها في غَابر الزمان
لا تسرق لا تقتل لا تزني لا تنّم لا تحسد
هذهِ الثَرثَرة القَديمة الّتي تُحسب حِكمة وتَخرج من أفواهِ القدّيسين كرائحة نَتنة من جوف جيفة ومازالت زمرة من بني البشر يعملون بِها حتّى جاء ربيع الزمان وأَزهر الرمّان وتفتّحت الجِنان فقضمنا بأفواهِنا وصايا الأتقياء وكتب القتل وصاياه
.

.

.
.الشرّ أقول لكم ..إن في الأشرار من البدائع الشيء الكثير لم تنكشف للإنسان حتى اليوم
الخير !! أي متعة تلك التي تحصدونها يا ابناء قومي من فعل الخير !؟
أين الثملون بخمرة الدماء ..أين الشذّاذ الجريئون !؟
كم من الأمور أُعتبِرت شروراً في هذا الزمان وغداً سيولد ماهو أعظم منها …شرور لم تمسسها يد بعد..ولم تخطر على بال
لقد استولى علينا البرد دهراً ….واستكانت الرذيلة وظهرت فضائل جمّة يدعونها خيراً
.وقد آن الآوان ..لكسر الآمان
.

.

دخل هردابشت ساحة السوق وقد استيقظت شهواته بعد رقاد طويل وتبدلت هيئته

:خطب  الهردبشتي في الناس المجتمعة
اسمعوا فما جئت إلّا لِأخلص الخراف من سطوة القطيع
انظروا أيّها الرفاق،تعلّموا من هو ألدّ أعدائكم ، ذاك الذي استعذب صمتكم الطويل
.إليّ بالرفاق فقد انبثقت الحقيقة في أفق نفسي بين فجرين
زعق هردابشت والحبور يملأ نفسه : هذا سَيفي، وهذه بَلطتي فهلمّوا ورائي
هَتف فتى بين الجموع: نطقت بالحق يا هردابشت وما أنت إلّا الصاعقة التي انتظرناها
وانهمرت الدموع من مآقي أمرأة وصرخت :لقد تفّطر قلبي يا هردابشت ، إن في عينيك ما يفصح بأكثر من بيانك عما ينتظرك من أخطار في سعيك إلى الحريّة وقدأصبحت في بحثك عنه مرهف الحس كالسائر في منامه
وقال شيخ طاعن في السن :لقد اشتاقت روحنا إلى الحريّة،بل غرائزنا السيئة نفسها اشتاقت للحرية
رفع هردابشت يده ..فسكتت الجموع
يا رفاق .. إنّ وحوشكم التي لُجِمت دهراً تطلب حريّتها ، فهي تنبح حزينة في سراديبها ، حطّموا ابواب سجونكم كلّها
إنّ ارواحكم تَتّصف بالحزن لكن وا أسفاه وَجَب عليها أن تكون مراوغة شريرة لتصل إلى مرادها
يارفاق المعارك القادمة…إنّي أحبّكم من صميم الفؤاد
إنّي عارف مافي قلوبكم من حقد وغضب..أنتم من العظمة بحيث لا يمكنكم أن تتجاهلوها..فلتكن عظمتكم رادعة لكم عن الخجل بما في قلوبكم
لتكن أنظاركم منطلقة تفتش عن عدو لكم لِتصلوا معه حرباً تناضلون فيها من أجل أفكاركم..وإن سقطت الفكرة في المعترك فلا بأس ..ستبقى الدماء على أسنّة الرِماح مُنتصبة هاتفة لكم بالظفر
أنتم الشعب ..والشعب لا يفهم ما هي الحكومة بل ينفر منها
لأنّها تتجه بنا نحو الفناء وليس ما تقوله إلّا كذبا وليس ما تملكه إلّا نتاج سرقتها واختلاسها
هاجت الجموع وماجت وهبّت إلى هردابشت تُشبِعه عِناقاً وتقبيلاً

(وتهاوت الرِكاب جاثية وبين الراكعين كثير من طوال الآذان وقصار النظر(أجلّكم
.الحق أقول لكم أنا أنّهم كانوا كالسائرين في منامهم

.

.

.
حَشد الهردبشتيون أموالهم وازدادت ذخائرهم ،تنَاهشوا والتهموا بعضهم الآخر وليس لهم قوة على هضم ما يلتهمون ،ليس فيهم إلّا الخسّة والوضاعة
أنا هردابشت الخسيس الوضيع ،اختلست ثمرة جهود المخترعين وكنوز الحكماء والأقدمين وادّعيت الاختلاس تمدّناً
انظروا إلينا ..نحن حَفدة القرود نَتَسلّق بعضنا الآخر متدافعين متمرّغين في الأوحال كلّ مِنّا يطمح إلى التقرّب مِن العرش فلا سعادة إلّا على مَقربة مِنه
جُنّ جُنوننا ..قروداً لا تسكن لنا حركة تنبعث منا أحبّ الروائح وأخبثها
ولم تزل الحياة “الحرّة” تفتح أبوابها لنا ..فطوبى لنا نحن القِردة المُسوخ
الشرّ أقول لكم لا يظهر القرد الأصيل في الحياة إلّا حيث تنتهي حدود الحكومات فهنالك يتعالى نشيد الضرورة بنغماته المحرّرة من كل  مطاوعة وتقييد
نحن موجِدي السنن الجديدة والعالم يدور دورته الخفيّة حولنا ، وحَولنا تَدور الأمجاد وعلى هذه الوتيرة سيسير العالم الجديد
ميدان الجماهير يغصّ بالغوغائيين والشعب يُفاخر برجاله الجدد ،أسياد الساعة
ولكن الساعة تتطلب السرعة يا رِفاق ..نَطلب منكم إعلان رفضكم أو قبولكم والويل الويل..لمن وقف حائراً بين نعم أو لا
:إن الصِغار الأدنياء لا يفهمون العظمة..ونفوسهم الضّيقة الضحلة لا تدرك كنه عبارة

“إن كل حياة عظيمة إنّما هي حياة مجرمة”
القلوب الضعيفة تظن أن قطع الرقاب مهنة كريهة. وهناك عقول خائرة تَتوهم أن سيافاً مثلي لا يذوق الراحة في رِقاده.ولكن أقول،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول. هذه المهنة تسكرني باللذة . أي نشوة حين أهوي بالبلطة! أي متعة حين يتدحرج الرأس ! أي نشوة حين تنبثق نوافير الدم!
آه..إذا لم أبق سيافاً فماذا أستطيع أن أكون! ..أقول ،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول ..لاشيء مجرد ظل أو غبار

هكذا تكلم هردابشت ..ومشى نفرٌ من الناس خَلفه كما السائرون في نومهم ومازالوا حتى يومنا هذا ..

عن “هَكَذا تَكَلّم زَرَادشْت” لِ فريدريك نتشه*
.بتصرّف مِن هردابشت العربي

Read Full Post »

تَذكُر لي باستمرار اصرارك على رفض التأقلم ،التكيّف ،(التعوّد)رغم أن ماسبق ماهو إلا آليات جيّدة لِبدء نمط حياة جديدة ، أو لمتابعة المضي قُدماً أو الوقوف بعد السقوط من علو شاهق

Imagining Argentina كم تشبه يا صديقي “سيسليا ” تلك البطلة في فلم

يدخل حارس الزنزانة ليراها تحدّق بصمت في الجدار الحجريّ المتشقّق
يسألها عمّا تفعل ؟

!أتذكّر…ليس الماضي بلِ الّلحظة الراهِنة ، الحاضر . أُيقظ حواسّي لأن في نومها خيانة
الوفاء لِألم ، حِفظه بأمانة كما نفعل مع مايُبهجنا من ذكريات تلك الّتي توثّقها بصور أو في أدراج الذاكرة
أراك تَتذوق الدّم القاني الذي يسيل من جرحك ، تداعبه وتلعقه ،تَتأمله وتُهدهد له
تجلس لِساعات طِوال تتَأمل الجِدار ،تراقب الشمع في رحلته نحو التشكّل من جديد، تصغي إلى الألم صارخاً بدل أن تُغلق فمه
.
.
.
صديقي ..
في “كاتالوغ” الحياة لا يوجد قاعدة عامة تَنص على الطريقة المُثلى الواجب اتباعها  في تجنّب الألم ، لاحقاً التعايش معه ، ومن ثم التغلّب عليه
في الحقيقة …لا يوجد” كاتالوغ “على الإطلاق..نصائح شفهية متوارثة ، تجارب جيدة ظنَّ البعض أنهّا تصلح لِتُطبّق على البشرية جمعاء
حكماء مرّوا و قاموا بتوزيع كمّية مِن العِبارات المُقفّاة والمَوزونة المُدرَجة تحت مُسمى ” حِكَم”  خَفيفة على الأُذن ..ثقيلة على القَلب ..والأهم غير قابلة للتطبيق .
لاشيء على الإطلاق يُجدي نفعاً ..لا شيء
أعيد قراءة ما كتبته لِلمرة الثالثة هذا الصباح..
على هذه الأرض ما يستحق الحياة ! حقاً ؟! لَِماذا لا أرى فيها إلّا أرضاً مقلوبة لا تصلح حتى للمشي
انتظرت معجزة فلم تحدث المعجزة ، كنت منسية من أخمص قدمي حتى قمة الجبل الذي يشرف من بيدر الله على ألمي،، شجرات البيت وحدها كانت تدوّن الوجود المتقوض”
“أي قلب للسماء أن ينام المرء كل ليلة بقلب مكسور ؟

.
.
.
استيقظت باكراً هذا الصباح، ليس باكراً بالمعنى المتداول للكلمة، إنها الحادية عشر..كل من في المنزل الصغير غادر
ساعات على موعدي مع أصدقاء غيّبتهم المسافة لشهور .. أتنفس هواء المدينة المُلّوث وضوضائها وألملم بقايا الروح
!القصة مش طقس يا صديقي ، هي قصة ماضي كان عنيد
..مُجرد فكرة قضاء نهار بمفردي مع دِمشق تبعث على الإبتسام..غبطة مفاجئة ..استدركتها على عجل ..
بعد حديثنا القصير ليلة أمس،خرجت إلى سطح المنزل لِأراقب السنة النار المتوهجة من محطة الغاز ..لم أكن الوحيدة..
الجميع خرج ..فالمساكن العشوائية تتيح بسطوحها العالية واجهة عريضة لدِمشق..سهرة جميلة لاشيء يعكّر صفوها ..ليلة تشرينية دافئة نسبياً ..ظلام دامس يوحّد الجميع..وأعين تُحدّق بِلامبَالاة في الأفق المتوهّج فالأضرار لا تُذكر ..سوريا غارقة في الظلام ..فقط
.
.
.
لطالما سألت نفسي كيف يبدو”يوم الحشر
في طريقي إلى مركز المدينة..رأيت صورة مصغّرة ودقيقة ليوم الحشر السوري
وجوه حالكة عابسة  في فوضى عابثة لأشخاص تتدافع بشكل عشوائي منظّم وكأنهم رجال آليين
يسقط أحدهم يتم دهسه ويتابع البقية الركض ..للحاق ب..بشيء ما
لكن لا أحد يبدو يصل ..أو يحصل على مبتغاه
.
.
.
قذيفة تحلّق ..ثواني معدودة صوت انفجارها يدوي ..سيارات اسعاف ..يتغير الرتل العشوائي المنظّم ليصبح عشوائي فقط..سرعان ما يعود لطبيعته الأولى بعد دقائق
تعود “الحياة” لرتابتها ..!! هل قلت “حياة” ؟
استغرق الأمر ساعة كاملة ..لِأبدأ المشي جديّاً وأقف عن التلويح لسيارات الأجرة
..كانت فكرة غبية التأنق بهذه الطريقة..وكأنّي على موعد .. كل مافي الأمر أنّي على موعد مع الشام
موعد مع الشام!!! أيّة عِبارة غبية تلك ! بدأت أكره في الأونة الأخيرة عملية الضخ العاطفي التي أخضع لها دون أن ادري ..لا بل مارستها على نفسي وعلى الآخرين
الإستغراق حتى الثمالة في كليشيهات رومنسية مزيج  من قصائد و أشعار،موسيقا وأغاني ، صور و برامج وثائقية
تحويل الأماكن إلى شعارات :صامدون كقاسيون ،هنا الشام ،عاصمة الأمويين لا تركع،سوريّا عيونها خضر …
درويش ونزار سيّدا الموقف ..كوليت الخوري تردد بصوتِها اشعار من سَبقها ..لِتُصبح فاصلاً إعلانياً يوضع صباح مساء
سعيد عقل وأشعاره..وفيروز تصدح…شــــــآم ماالمجد ؟  يعلو صوتها مُتهَكماً (هكذا يبدو لي على الأقل) دون أي إجابة
اعلام سوريّة جميلة للغاية مصنّعة بعناية لتصبح “معطف شتوي ” يرتديه شباب في مقتبل العمر يفترشون الأرض هناك في أعلى الجبل المحيط بدمشق  . علم آخر من الحرير وبألوان زاهية كما لو أنّه معد لغاية محدّدة وهي أن يوضع ك شال يحيط بعنق فتاة حسناء..قُيد لها مَوعدُ في ظِل شال..وأي شال يلم عن النجوم..نجمتان لا أكثر
اضواء الكاميرا تلتمع فترفعه بطريقة سينمائية مغريّة لتمسكه بأصابعها تحت عينيها الجميلتين…
!سوريّا عيونها شهل الأن
ربّما تسألني ما الخطأ في ذلك ! محاولة المضي قدماً.. أو لنقل طريقة مختلفة لإستذكار ما مضى..ولإنعاش ذاكرة من فقد الذاكرة أن هذه البلد مقدسة ودم أبنائها كذلك
توثيق الأحداث بطريقة عاطفية أقل إيلام للجميع ..جميع الأطراف
ربّما..
.
.
.
أستعيد كشريط سريع الّلغو الرومنسي الّذي شاركتُك بعضاً منه في الأيام السابقة
مُفردات الغياب والشوق ، نوستاليجيا لأيام خَلت ، أماكن هَجرتها ..لا بل فَررت منها لِقَسوَتِها ،تَراني اليوم أركض للقائِها
“وسِرتُ قَصدَكِ لا كالمُشتَهي بلداً  لكن كمن يشتهي وجهَ من عَشِقا “

ليتني تريثت قليلاً ..

..فمَاذا تَرى في” دِمَشقُ” حينَ  تَزُورُهَا
تَرى كُل ما لا تَستطيع احتماله
إذا ما بَدَت من جانبِ الدّّربِ دُورها
وما كُل نفسٍٍ حين تلقى حبِيبَها
تُسرُّ ولا كُلُّ الغيابِ يُضيرُها
فإن سرّْها قَبلَ الفراق لِقائُهُ
فَليس بمأمونٍ عليها سُرورها
.
.

.

أراك تحب أن تذيّل رسائلك بإمضائها وتأريخها..
حسنناً…هنا دِمَشق ، الجزء القديم منها ، أقف مجاورة لسور قَلعَتِها ، في ظهيرة الرابع والعشرين من تشرين الأول

.
.
.
المشهد الأخير / طقوس الإشارات والتحوّلات

 وهاجت المدينة حين شاع فيها النبأ . وخيّم على النّاس تطيّر و وجوم . أمّا المفتي الذي أُعفي ، واستعفى من منصبه ،فقد شقّ ثيابه وأطلق صيحة مروعة ثم لزم بيته وأقسم ألا يذوق طعاماً أو شراباً حتى يأخذ الله أمانته .
وانفرط عقد الأمان ، وماعاد أحد يعرف ما يخبئ لنا الزمان …أتبكي يا ابراهيم؟
!ابراهيم  : أنّي أبكي ولا أدري لماذا
حميد : على كل ، انتهت السالفة
ابراهيم :..أو لعلّها بدأت
يدخل عبد الله عابراً السوق
!عبد لله : أنا هو ..وهو أنا ..غطّاني بنوره فحجب عنّي الخلائق كلّها ، ثم سألني:ماذا تريد

قُلت : أريد أن لا أريد .قال : قد أعطيناك . أنا هو ..وهو أنا . سبحاني…سبحاني ..ما أعظم شأني …الله.. الله.. الله ..
يختفي وهو يردد كلمة ..الله..
وتتلاشى الإضاءة عن المدينة ببطء .

Read Full Post »

Older Posts »

%d bloggers like this: