Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘شغب’ Category

في المرة الأخيرة التي التقيتُ بها أخبرتني عن أكبر مخاوفها! حزنت في سرّي ظنّاً منّي أن ما تخشاه هو النهاية. ما الذي يخيف من تجاوز عتبة التسعين من عمره سوى موت يتربّص به! ضَحِكت بهستيرية ثم مالت وهمست لي بسرّها.. كانت تخشى نسيان مخزونها القصصي الضخم المكدّس في صناديق ذاكرتها

كنّا عائلةً صموتة، تستنفذ الأحاديث الطويلة طاقتها، نجيد الإجابات المقتضبة و الاستماع بأكثر ما نتكلم. أما جدّتي لأمّي فكانت حكايةً أخرى. لم ترسل جيناتها إلى أيٍّ من بناتها وبالتالي إلينا نحن الأحفاد. لطالما كنّا جمهوراً بائساً بالنسبة إليها، كائناتٍ هزيلة أمام  ربّة الشعر المخضّب بالحناء الممتلئةِ حياةً وفتوة

في جلستها الأثيرية تلك التي تنتقي بها أفضل الأماكن وأوثرها وأكثرها عرضةً للنور لتفرش بعدها رحالها المكوّن من سبحتها الطويلة، مناديلها القماشية الكثيرة، عكّازها الخشبي، والراديو المتعدّد الاستعمالات. تمسح  وجهها بإحدى المناديل، وتفرك عينيها بآخر، وتتمخط بثالث. تسألني عن الوقت، أجيبها بسرعة درءاً لاحتمالِ خوضِ حديثٍ مطوّل. تستشعر ذلك لكن لا يعنيها الأمر إطلاقاً، تعيد الكرّة مجدّداً: هل أنتِ مشغولة؟ أجيبها بحزم: قليلاً.  تستدرك بسرعة: حسناً إذاً سأروي لك سريعاً هذه القصة. تضحك بنشوة ثم تقصّ لي بهدوءٍ وتأنٍّ للمرة الألف حكايتها عن كيف أمسكت “جقلة” حاولت أن تخطف إحدى دجاجتها وكيف ركضت خلفها منتزعةً الدجاجة من فمّها

بالطبع الحكاية ليست بهذا الاختصار الذي أوجزته. الحكاية هي حكاية، هي مقدّمة وخاتمة وحبكة. هيّ أحداث تدور بين الضفتين وحكمة هنا وطرفة هناك. والحكاية المكتوبة ليست نفسها تلك المحكية، فالأخيرة سرّها يكمن في فنِّ روايتها، الأمر الذي تبرع به جدّتي. تلك النغمة الهادئة المتصاعدة مع تصاعد الحدث، التوقّف قبل الذروة، حسّ التشويق، انتقاء الكلمات والتلاعب بالألفاظ والأصوات، حركات الجسد، تعابير الوجه، والتماع عينين تكاد تظنّ أنهما يختبران الأمر مجدداً.. انتزاع دجاجة من فمّ ..جقلة

هل كانت تعاني ضعفاً في البصر أو السمع!  لا ندري حقّاً. لكنّها يقيناً قد رأت وسمعت –حين أرادت هيّ ذلك- ما عجز سمعي وبصري عن إدراكه. أمّا أولئك الأشخاص الذين تكرههم فقد تنظر مطولاً في وجوههم كأنها تنظر إلى العدم، يمتص نظرها ثقبٌ أسود، ويغور سمعها في الرمل. أصيح بصوتٍ أقرب للصراخ: جدّتي إنها أم أحمد! هذه أم أحمد.. تمسك رأسها بيديها وتغمضُ عينيها مغمغمه: صداع .. صداع. تلملم حاجياتها وتبتعد مسرعةً ما أمكنها عكازها الخشبي

ربّة الشعر المخضّب بالحنّاء، الممتلئة حياةً وفتوة، تذرع خصال شعرها الأحمر بأسنان مشطها مراتٍ في اليوم ثم تودعه جيب جلبابها الطويل، تمضغ الثوم بتؤدة غير عابئةٍ بالرائحة النفّاذة، طمعاً في خواصه الوقائية. تمرّن أذرعها النحيلة الواهنة بحركاتٍ رياضية مدروسة، وتقطع شرفتنا مراتٍ عدة في الصباح، لتنتقي بقعة مشمسة تتمدّد بها مقلّبةً سبحتها الطويلة مئات المرات دون كلل أو ملل

لم يعرف النوم سبيلاً لها في السنوات الأخيرة.  كانت تسهر في سريرها طويلاً تتنقّل بين الإذاعات، تطلب من أخي أن يضبط لها تحديداً “مونت كارلو”و “البي بي سي”، وحتى ساعات الصباح الأولى يدوي صوت الضجيج المشوّش لمذياعها في أنحاء المنزل مرفقاً بصوتها المعلّق على الأخبار لتشتم الأعداء وترفع صوتها بالدعاء للوطن

في ليالٍ كثيرة كانت تبكي وتتمتم أدعية وأذكار.. تتلو آيات وتسأل: متى ؟  سؤال يدوي دون إجابة. تبحث عن أغنياتها المفضّلة لتعود إلى أيام الصبا  وتنتشي طرباً مردّدةً بصوتٍ عذب..  عذب للغاية: رقّة حسنك وســمارك

كان لها رحلة الصيف والشتاء تتنقّل فيها بين منزلي ابنتيها: أمّي وخالتي. حين زار زوجي منزل عائلتي للمرة الأولى كانت تقطن بيننا حينها. تزيّنت وتعطّرت، واستقبلته بابتسامةٍ خاليةٍ من الأسنان.. وغنت له وسط دهشتنا جميعاً أغنيةً مرتجلة! أغمضت عيناها وغنّت بصوت عذب موالاً لا أدري مصدره! لربّما ألّفته في ليالي سهرها الطويل.. جلست بعدها بالقرب منه لتتأمّله مليّاً وتروي له بعدها نبذة مقتضبة عن حياتها مطرّزةً بضحكتها المجلجلة ذلك اليوم

يا لله.. ربّة الشعر المحنّى بالأحمر كانت جميلة كإحدى عجائز روايات ماركيز، كان يجب أن تولد في أمريكا اللاتينية، كان يجب أن تنجب أطفالاً كثر يرثون طاقتها وفرحها، كان حرّي بسيناريو حياتها أن يتضمّن جمهوراً عريضاً، يتقن الاستماع والتفاعل

قبل حلول السنة الجديدة ،شَعَرت بالضجر الشديد فقررت أن ترحل دون مقدّمات طويلة..وهكذا ذوت خلال أيام ثم غطت في سبات لا استيقاظ بعده لتطوي سبعة وتسعين عاماً تاركةً إيّاي أبكي تفاصيل حكايات لم اتقن سماعها يوماً

.

.

30/12/2016

في ذكرى جدّتي

المنزل الأخير

سماء مخضّبة أيضاً في ذكرى مرور عام

Advertisements

Read Full Post »

A nuclear war, will not be won by the Americans, Russians or the Chinese. The winner of World War III will be the cockroach.

قابعاً في جحرهِ منتظراً ريثما تخفتُ الأنوار، حالهُ حال معظم بني جنسه القابعين في مختلف الجحور والثقوب على سطح هذا الكوكب. انتابه احساسٌ هائلٌ بالقرف جراء الدبيب المستمر للأرجل العملاقة المتجوّلة فوق منزله الذي لم يكن سوى فسحة صغيرة محشورة أسفل قطعةٍ خشبيةٍ عفنة، مهترئة، تشكّلُ سطح أرضيةِ منزلٍ ما

تململَ في جلسته متبرّماً.. كان قد سيطرَ عليه مزاجٌ كالح لم تنفع معهُ كل ضروبِ التسلية المتعارف عليها.  منذ أيام وصوتُ جدّه يدوي في نومه ويقظته. كان يُسعده أن يسترجعَ صوتَ صرصرته المميز كل ما داهمه هذا الشعور الغامر بالاختناق

يستذكرُ نبرتهُ الحادة الرزينة تتلو حقائق يغفلها الكثيرون من أجيال الصراصير، عن كيف أنّهم يفوقون البشر عدداً! يسترجعُ صوت جدّه في لحظاته الأخيرة قبل أن يدهسهُ حذاءٌ عابر

 نحن الأقدم على سطح هذا الكوكب، وسوف نرثه في النهاية.. نهاية العالم

:كحّ بشدّة محرّكاً قرني الاستشعار خاصّته

نحن هنا منذ الأزل. قالها بصوتٍ عالٍ وكأنما يريد أن يؤكّد لنفسه تلك الحقيقة

:عدّل جلسته وبدأَ يغمغمُ عباراتٍ غريبة

 الكروزومات في جيناتي الوراثية تحولُ بيني وبين الهلاك، أنى لنا أن نهلك بتلك البساطة

 قطع انسياب أفكاره وقعُ ارتطامٍ عنيف على سطح منزله. عاوده القرف وبصق أرضاً مراتٍ عدة

 تلك الكائنات البشرية التي تدّعي الاشمئزاز من مظهره البني الأشقر وتسارع هلعاً إلى قتله. رّباه كم هي منافقة!  أصابتهُ قشعريرة، تذكّر تلك الفتاة التي كادت بالأمس أن تودي به تحت وطأة كعبها المستدق لولا أنها-الحمقاء الغبية- لا تحسن التصويب

***

بحكم سكنه مع عائلته لعقودٍ طويلة تحت أرضيةِ المنزلِ الخشبية الذي يعود بعمره إلى ما يزيد على مائة عام فقد تعايش مع أصحاب المنزل وحفظ عاداتهم وأطباعهم، وبات يعرف مواعيد تحرّكاتهم

 تناوب على المنزل أجيالٌ ثلاثة من البشر. أشهدُ أن الجدّ الأكبر لهم كان إنساناً محترماً، حتّى أنّي ودَدتُ صادقاً لو أنه كان صرصاراً مثلنا. كان يمشي متمهّلاً على أرضية المنزل، ينجزُ أعمالهُ بتؤدة ورفق. في البداية ظننا أنه مجردُ طبعٍ رزين في المشي. لكن تبيّن لنا ما الأمر لاحقاً

لقد كان يخشى أن يطئَ بقدمهِ كائناً ما يدبُّ على الأرض، نملة، صرصار، أو أيّ كائنٍ حيٍّ ما يمشي على أربعة أو أربعين ..لا فرق. لكنّ على عكس هذا السيّد النبيل فإنّ سلالتهُ من البشر جاءت على عكسهِ تماماً

وحوشٌ بشرية كاسرة سقَطت عنها كل صفاتِ النبالة

المدهش أنهُ كصرصار بلغَ من العمر عتياً، كان جلُّ ما يمقتهُ في تلك الكائنات البشرية أمراً لا يمتّ إلى وحشيتهم بصِلة. لقد كان يمقتُ نفاقهم.  تلك الملامح التي ترتسم على الوجه. تكشيرة الاشمئزاز ما أن يُرى صرصار يمشي في حال سبيله من أو إلى منزله

بعض البشر يصرخون.  تخرج “آه” طويلة كزعقة مدوية ثمّ يتجمّدون في زاوية، مدّعيين الخوف والقرف. في حين نُصاب نحنُ “الصراصير” برعبٍ هائل يجعلنا نتسمّرُ بدورنا دون أن نأتي بحركة. يحملق الآخر عينيه ثم يشيح بوجهه كالمتألّم، كالمفجوع

هنا يجتاحُنا قرفٌ غريب! نعم، نعم نحن الصراصير يحلُّ بنا قرفٌ هائل من تلك التعابير

الزوجة تصيح لزوجها، الابنة تصرخُ طلباً للمساعدة

 صرخات، صرخات  في كلّ مكان

 !صرصار.. صرصار

 كل تلك الزلازل والبراكين ونحن لم نأت بحركةٍ واحدة لبرهةٍ من الزمن تمتدُ لتبدو بالنسبة لنا سنواتٍ طوال. ونحنُ صامتين، متأمّلين في كل تلك المسرحية الهزلية التي تجري أمامنا

الكائنُ الضخم-نسبةً إلى حجمنا- ذاك الذي قيل أن خالق المخلوقات خصّهُ دوناً عن غيره بما يُدعى “العقل”، يتلوّى على بعد أمتارٍ منّا، ناسياً كل مآسي البشرية التي تُنسبُ إليه ولأجداده مستذكراً شيئاً واحداً فقط.. خوفهُ من الصرصار

 أذكُرُ جيّداً في إحدى المرات لدى عودتي إلى جحري بعد جولةٍ ليلية متأّخّرة، أنّي صدفتُ الابنة الكبرى للعائلة  تنسلُّ إلى المنزل على رؤوس أصابعها

كان الأوان قد فات على حسن التصرّف ولم أجد بدّاً من العبور سريعاً أمامها على أمل أن لا تلحظ مروري

آه.. تلك الحمقاء زعقت زعقةً مدوية ارتجّ لها المكان. كان بإمكاني الإسراعُ للاختباء، لكن دهشتي كانت طازجة، ورغبة جارفة في تأمّل وجه الفتاة لم استطع كبحها أو مقاومتها

 كانت قد وقفت على قدمٍ واحدة، ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها، وتلهث كفيل

وسط تلك النوبة الهستيرية، فعلت ما لم أتوقّعه على الإطلاق

!لقد صرخت بي: متْ ..متْ

 أصغيت السمع.. هل حقّاً ما تقول! ردّدتها مرّة أخرى بنغمة حادة يائسة وبطريقة ممطوطة: مُــتْ

لم أملك نفسي من الضحك. الحمقاء الغبية!  انصرفتُ سريعاً تاركاً إياها تنتحب وتبكي. سحقاً  أكلُّ البشر منافقون! تلك الفتاةُ بأظافرها المدبّبة المطلية بالأحمر القاني، وشعرها البُنّي المتموّج طويلاً على ظهرها، كانت تبدو جميلة، في الحقيقة إنّها جميلة

 .لكنّها بشعة للغاية

***

تنهّد بقوة، كان يشعرُ بتعبٍ هائل جعل من أرجلهُ الستّ خيوطَاً واهنة، فطار بجناحيه الشفّافين إلى نتوءٍ عالٍ يستطيعُ معهُ رؤية الجحر من الأعلى

 اعتادت شريكتهُ أن تجلس هنا حيث كان بإمكانها مراقبةُ العائلة وهي تتناول طعامها في حجرة المائدة، لا لكي تلتقط فتاتهم من الطعام، بل لتستزيد قرفاً من تلك الكائنات الهمجية التي تتعامل حتى مع الطعام بتلك الطريقة المقرفة، الخالية من متعة التذوق

.كانت تكبرهُ بالعمر مئات السنوات. جاءت من بلادٍ بعيدة، حارة صحراوية

 روت لهُ قصصاً عن المكان الذي جاءت منه تقشعرُ لها أبدان الصراصير. كيف أن أهلها يقتلون بعضهم البعض بلذة لا تخبو، مبتكرين أساليباً شائنة لزهق الأرواح. لكنّهم هم أنفسهم ينتابهم القرف لرؤية صرصار، وقد لا يجرؤون على قتله خوفاً من منظره! بل أنّهم يتمتمون بتعويذات ويتحاشون النظر إليه

خرجت حبيبتي ذات يومٍ ولم تعد. قيل أنّها قُتِلت. لكنّ قرون استشعاري تَتحسّس وجودها في مكانٍ ما على سطحِ هذا الكوكب. إنّها صرصاره حرّة ولعلّ هذا الوكر حدّ من وجودها

 في ليالي الشتاء حين أدخل في سُبات شهي منقطعاً عن الخروج لشهورٍ طويلة، استشعرُ روحها، وتغذّي رائحتها مخيلتي فأراها تقطعُ المدى دون توقّف، تستمتعُ بملمسِ الرياح على بشرتِها الشقراء. تبني ذاكرة جديدة ترويها للأجيال القادمة عن كيف أنّ الصراصير، المخلوقات النبيلة، سترث هذه الأرض يوماً ما

 

2016

 

Read Full Post »

مفتاحُ المنزل اليتيم، تيتّم بعد أن ضاع شقيقهُ(نسختي الخاصة من المفتاح) إلى غير رجعة

كنت أرمي به من علو أمتار لكل من يأتي إلينا في موعد انقطاع الكهربا، لكي يتسنى له فتح باب مدخل البناء دون أن أتكلف عناء النزول لفتحه
بدأت القصة حين قرر المفتاح أن يضع حدّاً لحياة السقوط والذل التي يحياها. في إحدى المرات التي رميت بها المفتاح، انكسرت سلسلة المفاتيح وفرّ مفتاح المنزل دوناً عن غيره من بقية المفاتيح

لم يكن قد مرّ على علاقتنا سويةً سوى أشهر، شعرت بأنه هرب من الظلم خصوصاً أنه في الاسبوع الأخير تعرّض لانحناء طفيف جراء رميه المتكرّر. احتفظت بنسخة زوجي على أمل تغيير قفل المنزل قريباً، وليس نسخ مفتاح آخر، خوفاً من إن تكون النسخة الضائعة قد وقعت بيد شريرة كوننا لم نجدها

في بادئ الأمر أرّقني الموضوع، وهجست طويلاً لدرجةٍ لازمت معها المنزل كي أكون لسارق المفتاح بالمرصاد. لكن لم نفعل شيئاً لحل المشكلة. بل حتى سافرنا..هكذا بكل بساطة آملين أن لا يكون المفتاح بحوزة أحد

سافرنا مرة ثانية وثالثة ورابعة…ولم نغير القفل، بل حتى لم نصنع نسخة أخرى، فبقي المنزل بمفتاح واحد يتيم. إن عاد زوجي للمنزل مساءاً فتحتُ له الباب، وإن لم أكن موجودة يدخل من باب آخر للشقة، باب يودي إلى المطبخ مباشرة يوجد أمامه اسطوانة غاز و نبتة تعيق فتحه لكنه بعد مرور شهر، قام بإبعاد الاسطوانة من ذلك المكان كأنه يعلم أن الأمر سيطول ويمتد ويعربش على أيام السنة

حصل هذا قبل سنة..تقريباً
مرت أيام كان تبديل المفتاح فيه أمراً ضرورياً، لأني أهملت مجدّداً نسختي اليتمية الوحيدة ونسيتها في الباب خارج المنزل..لليلة كاملة

كنت أتخيل ذلك الشخص الذي سيقرر الاستيلاء على المنزل كيف أن لا حاجة له لأن يقتحم المكان
كل ما عليه فعله هو أن يتحيّن أحد مواعيد سفرنا المتكررة ليدخل بنسخته الخاصة

أعتقد أنه شاب في مقتبل العمر، ظريف، مثلنا طبعاً، فاللصوص الظريفون للحمقى الظرفاء. يضعُ نسخته ويدير المفتاح ويدخل. يتّجه إلى المطبخ، يفتح البراد و يصنع سندويشاً له. ربّما يُعد الشاي أيضاً، لا يجد صعوبة في إيجاد الأشياء. يشرب كاسه فيما يتمشّى الهوينى في أنحاء المنزل متأملاً أياه
قد يبدي إعجابه بلوحات غرفة الجلوس، وربما يتمدد على الكنبة دون أن يخلع حذائه ويشاهد فلماً قصيراً عن أسرى الحروب. يأخذ اغفاءة قصيرة على الأريكة الوثيرة المغرية للنوم وحين يستيقظ يحمل كل ما خف وزنه ويخرج
!قد يوصد الباب جيداً قبل أن يخرج..فهو يشعر أن البيت..بيته

البارحة تم بعون الله تغيير القفل لنحصل مجدداً على نسختين جديدتين
دون أن يكون هنالك سببٌ محدد لهذا القرار المفاجئ. بدا الأمر إيذاناً بالعمل على قائمة الأشياء المعلقة لسنة كاملة

أشياء أخرى مؤجلة وكثيرة أرجأتها على أمل أن تقرع باب فضولي من تلقاء نفسه

.الكتب النائمة في العلب الكرتونية القابعة بصمت في حجرة “الكراكيب”أدخل الغرفة لأتأمل أغلفتها، أطفىء الضوء وأخرج

.الوسادات الكثيرة التي تنتظر قماشاً مناسباً لها لتخرج من أكياسها

.ألبومات الصور الشخصية التي تنتظر أن تؤطّر في إطاراتٍ خشبيةٍ مزينةٍ طالما تخيّلت تصميمها

.الأصدقاء الطيبون ينتظرون وعداً لا يتحقّق بجلسات تطيل العمر وتمد في نضارة الروح

الثقلاء المزعجين الرابضين على أنفاسنا نبتسم طويلاً لهم دون أن نأخذ القرار الحاسم بإخبارهم الحقيقة: أنتم تلوثون الهواء من حولنا

أصبح عندي الآن مفتاح جديد خاص، إنّها البداية فقط

Read Full Post »

اتساءل ما هي الهناءة! وكيف للمرء أن يكون “هنياً”؟ أو كيف لأصحاب الأعصاب “التالفة” أن يمتلكون الهناءة
إن كانت الهناءة تعني السلام والسكينة فهي ليست بالأمر المكتسب بل محصّلة حياةٍ طويلةٍ ممزوجة بجينات وراثية، وأولئك الذين يمتلكونها هم المحظوظون حقّاً. لكن في بعض الأحيان أشعر أن الهناءة هي مرادف البلادة، وقد تعني للبعض تلك البلادة مفتاح الحياة السعيدة

! تـأمّـل يـا رعـاك الله

أتأمّل أولئك البلداء، أجدهم سعداء حقّاً! لا شيء يثير أعصابهم، لا ترتفع أصواتهم، لا يصرخون، لا يكسرون الأشياء، لا تزعجهم نشرات الأخبار، لا يبكيهم فلم وثائقي عن حياة البطاريق في القطب الشمالي، لا تستوقفهم الدمعة المرتجفة في عين فيروز، لا يستغرقون في فكرة، في شجرة، في حجرة، في غيمة، في عامود إنارة.. لا يستغرقون في شيء ولا يغرقون. لا يكتئبون، ولا تجرحهم الوردة أو السماء الرمادية! إنّهم المفعمين لطفاً وهناءً ومكراً في الالتفاف حول ما يُتعب، ويجنّن، ويشق الأنفس

عـن الـهنيّ..

حياة هانئة، حياة سعيدة، ترفض فيها الأذن الإصغاء لما يزعجها حتى تتوقف رويداً رويداً عن الاستماع لما هو مزعج أو جميل على حدٍّ سواء

حياة هنية تعني مقدرات جبّارة على اللغو لساعات ضمن إطار العلاقات الاجتماعية، وهذا فنٌ لا يتقنه إلا كل ذي عمرٍ طويل ونفسٍ طويل ولسانٍ طويل. والهني يسعَد بالآخرين ويُسعدون به. كيف لا وهو هنيّ

الهني لا تشدّه الخلفية الموسيقية لفلم ما، هو يشاهد الفلم فقط، فلا يتعبه وتر حزين يمشي الهوينى مع مشهد سعيد. هو يرى السعادة تتبختر بخيلاء فقط ولا شيء آخر
الهنيّ يحزَن بهناءة، يغضب لكن بهناءة. قد يتفوه بالشتائم لكن أيضاً بمنتهى الهناءة
الهنيّ عملي للغاية. لا يجلس بالقرب من النافذة في الباص، يريد أن يصل إلى وجهته فقط، لا تعنيه الأشجار الراكضة وبخار النوافذ. الهنيّ لا يتأمّل الوجوه ولا تتعبه التفاصيل. الهني جدول منساب في مجرى سهل الانحدار. الهنيّ قوي، ومحبوب. حاضر البديهة فلا يستغرق في أحلامه، ولا تَعبره الذكريات فينتشي حدّ الإغماء

الهني قد لا يفهم المغزى وراء إعادة موسيقى آلاف المرات، ورؤية المشهد ذاته مرة تلو الأخرى! الهني يحزن بقسط، ويفرح بقسط، ويحب بقسط ويتعب بقسط فهو انسانٌ متوازن. يجيد العبور بسرعة إلى الضفة الأخرى. لا يستذكر حيوات آخرى وترّهات مشابهة

الهني حبّهُ هنيّ، حنينهُ هنيّ، شوقهُ هني الهني كائن طبيعي و سويّ، لا أحلام تراوده، ولا موسيقى تغتاله

لكن في الوقت ذاته قد يبدو الكائن الهني لأولئك الذين يفتقدون الهناءة كائن غريب، غير مفهوم! يعبر الحياة بسلاسة. محطّات حياته مفهومة ويسهل التنبّؤ بها. خط متسلسل طبيعي لا صعود به أو هبوط، تماماً كتخطيط قلبه الطبيعي، لا وجيب متعب متسارع يغتاله ليلاً حين يأخذه الوجد

الحياة بالنسبة للهنيّ هي بدايات توصل إلى النهايات التي يسهل استشرافها.درب واضحة مشى عليها السابقون وتفضي به إلى وجهة واضحة. لا شيء مدهش، صارخ، أو صادم. ككرة بلياردو تتدحرج بهدوء إلى حفرتها دون أن تصطدم بشيء لتقع بهدوء في حفرتها المظلمة
.

.

.

متسربلاً بالبياض، كما يتصوّره عبّاده، نورٌ على نور ليس كمثله نور، يخطف أبصار وأنفاس الملائكة الذين يحيطون بعرشه ويسبّحون باسمه. استوى على الكرسي متفكّراً ملياً في ما يمكن أن يضيفه كهدية مميزة، علامة فارقة دوناً عن بقية العباد. وفي النهاية بعد أن وهبها ما وهبها، وقبل أن ينفخ الروح بلحظات، قرّر أن يضعها مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وفقدوا الهناءة. وهكذا خُلقت ممن حُرموا الهناءة إلى الأبد

وبعد أن شبّت وشابت، أدركت السمة الأساسية لوجودها، لقد حُرمت ببساطة الهناءة، ولا سبيل لها بامتلاكها إلّا في أن يُعاد خلقها من جديد

DSC_0138

أيلول 2015_ ليست محاولة التقاط، أو امساك، أو وصول…لكن ظننت لوهلة أنه يسقط

Read Full Post »

مطبخ يرزح تحت وطأة صمت النهار

مطبخ غارق في الصمت..المؤقت

!لقد ناموا
تبدو العبارةُ أعلاه كحصاةٍ أُلقيت في بحيرةٍ ساكنة، بقيت دوائرُ صداها تتردّد وتتّسع في الصمتِ البارد لمطبخٍ منزلي، مظلمٍ أو يكاد..باستثناء أضواءٍ مبعثرة خافتة في زوايا المكان
“لقد ناموا “
العبارةُ التي انطلقت من مصدرٍ مجهول في تمامِ الساعةِ الثانية صباحاً، كما تشيرُ ساعةُ حائط ذاتُ عقاربٍ فسفورية مشعّة، تبدو وكأنها تستوجب ردّاً ما! لكن ما من إجابة سوى دوائر الصدى تتّسع للحظات لتعود وتتلاشى تلقائياً ويرجعُ الصمتُ إلى سكونهِ الانسيابي

مع انتصاف الساعة الثانية، انطلقَ صوتٌ زاعقٌ حاد
! الآن يمكنك القول أنّهم ناموا بكل تأكيد

دبّت حرارةٌ مفاجئة في مجمّعِ الأشياءِ الساكنة المتناثرة تحتَ سقف المطبخ. آلاتٌ يدوية، أجهزةٌ كهربائية، كراسي، وخزائن.. الجميع يتكلّم في آنٍ معاً بحماسةٍ مدهشة

أعتقد أن إعلان نوم أفراد هذا المنزل ضمن قائمة المسؤوليات التي أُوكلت إليّ منذ الأزل-

يتكلّم برّادٌ مُسنٌّ بعمرِ عشرةِ أعوام، يعلو فوق جبينِ بابهِ الأبيض المائل للاصفرار مجموعةٌ من الصورٍ الفوتوغرافية، قصاصاتٌ ورقية، أشكالٌ مغناطيسة مبهمة المعالم

أعتقد أنّك قد بدأت تنسى عدد المرّات التي كدت أن تتسبّب لنا فيها بمشكلة! .. أنت أصم تماماً-

 تُجيبُ غسالةٌ أوتوماتيكية تُرك بابها الزجاجي مفتوحاً ليجفًّ بطنها المعدني مما جعل الغطاء النايلوني الملوّن المُلقى فوقها يُصدر ضجيجاً مزعجاً مع كلّ محاولةٍ لها في الكلام.  تستكمل حديثها

أفراد هذه الأسرة يغطّون في نومهم بعد الثالثة على أقلّ تقدير-

يتنحنح البرّاد بثقلِ من ضَجر حديثاً مكروراً مئات المرات. يجيب بصبر نافذ: حسناً. أغلق باب فمك

البوتوغاز يُصغي بصمت حزين للملاسنة الكلامية. كانت كمية من الأوساخ الدّهنية قد غَفِلوا عن تنظيفها تشغلُ تفكيره وتُعيقه عن أي انخراطٍ في الحديث. شعرَ بكدرٍعميق. نظرَ بعيونه الأربعة المتّسخة نحو عددٍ من الكؤوس الزجاجية الموضوعة رأساً على عقب فوق منشفة بيضاء بجواره. كان التماعها البرّاق يمزّق قلبهُ ألماً
أسرّ لنفسه بأسوء أفكاره: يوماً ما.. سأسمح للغاز بالتسرّب من أسطوانتي لأقتل أفراد هذه الأسرة جميعاً. حينها فقط،  سيدركون معنى أن يعلو رأس المرء بقايا عشاء

الحياة الليلية لأدوات منزل

كائنات تنتظر حلول الظلام..لبدء يومها

يقطع سيل أفكار الغاز المسكين قهقهات بدأت تعلو بالقرب منه. مجموعة من الفطائر المحشوة بالجبن تستلقي على طاولة المطبخ الخشبية في زورق زجاجي شفاف يكشف عن ثنيات جسدها الذهبي المقرمش. تضحك بوقاحة سافرة وتتحرّك بطريقة لا تخلو من الإغراء الرخيص أمام عبوة مياه بلاستيكية
هل تعتقد أنّنا وُضعنا هنا سهواً؟-

أقسم بالجبنة التي تذوب في أحشائي أنّها ستستيقظ بعد ساعة متذرّعةً بشرب المياه، لكنّ يدها لن تمتد إلّا إلينا

.غمزت الشطيرة بطريقة ذات معنى

هل تسمحون لي أن أُشير إلى أمر مهم!؟-

لقد وصلتني أخبار موثوقة هذهِ المرّة بأن الأنسة ميّ قد أعلنت قبل أسبوع المباشرة في نظام صحّي قاسي وحقيقي، وسوف لن تمتد يدها إلى أي طعام بعد الساعة السابعة مساءاً. تكلّمت عبوة المياه باستحياء واضح

اطلَقت الشطائر على أثر هذا ضحكةً مدوية اهتزّ لها الزورق الزجاجي. أكياس من المكسرات وُضِعت على رفٍ خشبي كادت تنزلق لضحكتها الهستيرية والتي انفتح على أثرِها باب البرّاد المسن ليطلَّ من داخله وعاء زجاجي عميق

انعكس نور البرّاد البرتقالي الخافت  ليتّضح ما بداخل الوعاء: أصابع من ورق العنب تلتمع كأجساد مدهونة بالزيت أطلقت صيحة خبيثة:.. نعم نعم..  لقد بدأت ريجيماً قاسياً. هه انظروا.. لقد كان عددنا اليوم في لحظة إزالة غطاءِ القدر عنّا ثمانون لُفافة،  تناولت الأنسة وقوفاً مايقارب نصفنا، وكادت أن تأتي علينا لولا أنّ حياءها منعها

اهتزّت الشطائر كما لو أنّها تؤكّد صحّة ما قيل، همهمت عبوة المياه بدورِها كلماتٍ غير مفهومة

أمّا البراد فقد حاول جاهداً أن يغلق بابه بنفسه لكن حوافه المطّاطية المتآكلة لقِدمها لم تستطع القيام بالمهمة

بقيَّ الضوء البرتقالي الخافت يتسرّب  كشقٍّ طولانييٍ يُنير عتمة إحدى الزوايا حيث كانت مجموعةٌ من الرفوف الخشبية التي تنتمي باللون فقط إلى بقية خزائن المطبخ تقبع وحيدة تحت وطأةِ صمتٍ موحش
كُتب بأغلفة مهترئة كانت تعلو الرفّ المكسو بمناديل مطرّزة. في الأسفل رفٌّ آخر وُضعَ عليه مشغّلُ اسطواناتٍ رماديُّ اللون، يومضُ بوميض أزرق خافت جدّاً يكاد لا يرى

أنا لا أنتمي إلى هذا المكان.. لم ولن أنتمي إلى مجمّع النفايات هذا. يزفر المسجّل بحسرة-

يتنهد كتاب مُلقى على بطنه فوق مجموعة الكتب الواقفة كرتل عسكري، يحاول أن ينهض بثقل

!لست بأفضل حالاً منك. هل سمعت عن كتاب يُلقى في مطبخ-

يتغير الوميض الأزرق في مسجل الأسطوانة ليصبح أحمر اللون ، يدور القرص المُدمج بسرعة لتنطلق منه موسيقى هادئة

هذه الموسيقى ستشعرك ببعض الراحة.. لقد سمعتُ ذات مرّة عن مكتبةٍ كبيرة، هناك في الجهة الشرقية من المنزل

لعلّهم يرسلونك إلى هناك قريباً. يتكلم المسجّل برقّة واضحة
أخشى أن العمرقد تقدّم بي و يبدو أنّ أوراقي ستنتهي لتنظيف بقايا قاذورات وجبة سريعة قبل أن ارى تلك المكتبة

:يتنهد المسجّل مع الموسيقى المسترسلة

عندما غادرت المتجر بعد ابتياعي، كان مستقرّي في غرفة الأنسة الصغيرة التي اعتادت أن  تعبث في أجزائي بعنفٍ مخيف..

كدت أفقد أعصابي، لاحقاً حين اخترعوا تلك الأشياء المجنونة الضئيلة الحجم، والتي تحتفظُ في جوفها بكمياتٍ هائلة من الأغاني المضغوطة، ضجرت منّي  فانتقلت إلى غرفة الأنسة الكبيرة

لم تكن أفضل حالاً بالطبع.  فتاة مزاجية،  ركلتني ذات مرة في بطني متسبّبة بخلع فكّي إثر مشادة هاتفية دارت مع صديقها

لأنتقل في النهاية إلى غرفة الأم.. وهناك كانت أجمل أيّام حياتي

كانت تمتلك أصابع مُدهشة!  حانية بصورة لا تصدق.. اعتادت أن تداعبني بتلك الأصابع لحظة استيقاظها الأولى
تستمع للأخبار أوّلاً، لاحقاً تُدير محطّات الراديو بحثاً عن فيروز لتحتسي في ظلّ صوتها قهوة الصباح

في الظهيرة تشعلني بهجةً  باسطوانات موسيقى العزف المنفرد لآلاتها الوترية المفضّلة العود والقانون

أمّا المساء فقد كانت الموسيقى الكلاسيكية المنطلقة منّي سبباً في غسلِ تعب النهار عنها وإرسالها في نومٍ عميق

!في تلك اللحظة، ينطلق صوت أجشّ مزعج: – فلتذهبوا إلى الجحيم

تُعلن هذا طنجرةُ ضغطٍ عملاقة في خزانة ما كانت قد ضَجرت بحديثهم

يعلو ضحك سافر من جوقة أدوات المائدة الموضوعة في قعر درج عميق..ملاعق، أشواك وسكاكين تراقصت ببهجة

في حين انثنت شوكة بأسنانها كما لو أنّها تعزف على كمان، مُقلّدةً صوت مسجّل الأسطوانات الحزين بتهكّم

“لقد كانت أجمل أيّام حياتي”

يغرق المطبخ بما فيه من كائنات في نوبةِ ضحكٍ هستيرية تنتهي حين يُنار ضوء المطبخ فجأةً

كما السائر في نومه، تدخل فتاة بشعر أسود رُفِع على شكل كعكةٍ أعلى رأسها، ترتدي بيجاما مقلّمة. تتجه إلى المنضذة الخشبية وسطَ المطبخ،  تتّلمس سطحها بطريقة آلية لتجد ضالتها في النهاية

زورق زجاجي يحوي شطائر جبنة، تتناول وقوفاً خمس شطائر.  تتّجه بثبات نحو مجموعةٍ من الأدراج في زاوية المطبخ، تسحبُ أحدها بتلقائيةِ من اعتاد على فعل ذلك مرّاتٍ عدّة.  تخرج لوحاً من الشوكولا، تزيلُ غلافه بحركةٍ آلية،  ليدوي صوت انكساره بين أسنانها في مجمّع الأشياء الساكنة، تشرب ما تبقى من مياه في عبوةٍ بلاستيكية، تلقي بها إلى سلّة المهملات، تطفىء النور

..وتخرج

Read Full Post »

Image

      وهكذا عِشتُ دهراً بين الناس مُتنكّراً بِالفضيلة حتى كِدتُ أن أنقرض وبني جنسي..
هلّلتُ لِلخير وأهله أنا وأبناء جلدتي ورفعت يدي مُجبراً  إلى السماء تلك التي أنزلتني من عليائها في غَابر الزمان
لا تسرق لا تقتل لا تزني لا تنّم لا تحسد
هذهِ الثَرثَرة القَديمة الّتي تُحسب حِكمة وتَخرج من أفواهِ القدّيسين كرائحة نَتنة من جوف جيفة ومازالت زمرة من بني البشر يعملون بِها حتّى جاء ربيع الزمان وأَزهر الرمّان وتفتّحت الجِنان فقضمنا بأفواهِنا وصايا الأتقياء وكتب القتل وصاياه
.

.

.
.الشرّ أقول لكم ..إن في الأشرار من البدائع الشيء الكثير لم تنكشف للإنسان حتى اليوم
الخير !! أي متعة تلك التي تحصدونها يا ابناء قومي من فعل الخير !؟
أين الثملون بخمرة الدماء ..أين الشذّاذ الجريئون !؟
كم من الأمور أُعتبِرت شروراً في هذا الزمان وغداً سيولد ماهو أعظم منها …شرور لم تمسسها يد بعد..ولم تخطر على بال
لقد استولى علينا البرد دهراً ….واستكانت الرذيلة وظهرت فضائل جمّة يدعونها خيراً
.وقد آن الآوان ..لكسر الآمان
.

.

دخل هردابشت ساحة السوق وقد استيقظت شهواته بعد رقاد طويل وتبدلت هيئته

:خطب  الهردبشتي في الناس المجتمعة
اسمعوا فما جئت إلّا لِأخلص الخراف من سطوة القطيع
انظروا أيّها الرفاق،تعلّموا من هو ألدّ أعدائكم ، ذاك الذي استعذب صمتكم الطويل
.إليّ بالرفاق فقد انبثقت الحقيقة في أفق نفسي بين فجرين
زعق هردابشت والحبور يملأ نفسه : هذا سَيفي، وهذه بَلطتي فهلمّوا ورائي
هَتف فتى بين الجموع: نطقت بالحق يا هردابشت وما أنت إلّا الصاعقة التي انتظرناها
وانهمرت الدموع من مآقي أمرأة وصرخت :لقد تفّطر قلبي يا هردابشت ، إن في عينيك ما يفصح بأكثر من بيانك عما ينتظرك من أخطار في سعيك إلى الحريّة وقدأصبحت في بحثك عنه مرهف الحس كالسائر في منامه
وقال شيخ طاعن في السن :لقد اشتاقت روحنا إلى الحريّة،بل غرائزنا السيئة نفسها اشتاقت للحرية
رفع هردابشت يده ..فسكتت الجموع
يا رفاق .. إنّ وحوشكم التي لُجِمت دهراً تطلب حريّتها ، فهي تنبح حزينة في سراديبها ، حطّموا ابواب سجونكم كلّها
إنّ ارواحكم تَتّصف بالحزن لكن وا أسفاه وَجَب عليها أن تكون مراوغة شريرة لتصل إلى مرادها
يارفاق المعارك القادمة…إنّي أحبّكم من صميم الفؤاد
إنّي عارف مافي قلوبكم من حقد وغضب..أنتم من العظمة بحيث لا يمكنكم أن تتجاهلوها..فلتكن عظمتكم رادعة لكم عن الخجل بما في قلوبكم
لتكن أنظاركم منطلقة تفتش عن عدو لكم لِتصلوا معه حرباً تناضلون فيها من أجل أفكاركم..وإن سقطت الفكرة في المعترك فلا بأس ..ستبقى الدماء على أسنّة الرِماح مُنتصبة هاتفة لكم بالظفر
أنتم الشعب ..والشعب لا يفهم ما هي الحكومة بل ينفر منها
لأنّها تتجه بنا نحو الفناء وليس ما تقوله إلّا كذبا وليس ما تملكه إلّا نتاج سرقتها واختلاسها
هاجت الجموع وماجت وهبّت إلى هردابشت تُشبِعه عِناقاً وتقبيلاً

(وتهاوت الرِكاب جاثية وبين الراكعين كثير من طوال الآذان وقصار النظر(أجلّكم
.الحق أقول لكم أنا أنّهم كانوا كالسائرين في منامهم

.

.

.
حَشد الهردبشتيون أموالهم وازدادت ذخائرهم ،تنَاهشوا والتهموا بعضهم الآخر وليس لهم قوة على هضم ما يلتهمون ،ليس فيهم إلّا الخسّة والوضاعة
أنا هردابشت الخسيس الوضيع ،اختلست ثمرة جهود المخترعين وكنوز الحكماء والأقدمين وادّعيت الاختلاس تمدّناً
انظروا إلينا ..نحن حَفدة القرود نَتَسلّق بعضنا الآخر متدافعين متمرّغين في الأوحال كلّ مِنّا يطمح إلى التقرّب مِن العرش فلا سعادة إلّا على مَقربة مِنه
جُنّ جُنوننا ..قروداً لا تسكن لنا حركة تنبعث منا أحبّ الروائح وأخبثها
ولم تزل الحياة “الحرّة” تفتح أبوابها لنا ..فطوبى لنا نحن القِردة المُسوخ
الشرّ أقول لكم لا يظهر القرد الأصيل في الحياة إلّا حيث تنتهي حدود الحكومات فهنالك يتعالى نشيد الضرورة بنغماته المحرّرة من كل  مطاوعة وتقييد
نحن موجِدي السنن الجديدة والعالم يدور دورته الخفيّة حولنا ، وحَولنا تَدور الأمجاد وعلى هذه الوتيرة سيسير العالم الجديد
ميدان الجماهير يغصّ بالغوغائيين والشعب يُفاخر برجاله الجدد ،أسياد الساعة
ولكن الساعة تتطلب السرعة يا رِفاق ..نَطلب منكم إعلان رفضكم أو قبولكم والويل الويل..لمن وقف حائراً بين نعم أو لا
:إن الصِغار الأدنياء لا يفهمون العظمة..ونفوسهم الضّيقة الضحلة لا تدرك كنه عبارة

“إن كل حياة عظيمة إنّما هي حياة مجرمة”
القلوب الضعيفة تظن أن قطع الرقاب مهنة كريهة. وهناك عقول خائرة تَتوهم أن سيافاً مثلي لا يذوق الراحة في رِقاده.ولكن أقول،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول. هذه المهنة تسكرني باللذة . أي نشوة حين أهوي بالبلطة! أي متعة حين يتدحرج الرأس ! أي نشوة حين تنبثق نوافير الدم!
آه..إذا لم أبق سيافاً فماذا أستطيع أن أكون! ..أقول ،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول ..لاشيء مجرد ظل أو غبار

هكذا تكلم هردابشت ..ومشى نفرٌ من الناس خَلفه كما السائرون في نومهم ومازالوا حتى يومنا هذا ..

عن “هَكَذا تَكَلّم زَرَادشْت” لِ فريدريك نتشه*
.بتصرّف مِن هردابشت العربي

Read Full Post »

وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة  بكى عليها قائلاً : إنّك لو علمت أن أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الآن قد أخفي عن عينيك. فإنّهُ ستأتي أيام ويحيط بك اعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة  ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفي زمان افتقادك  لوقا 19 : 41 – 44

ما الحكمة في أن يرى المريض الصحة عندما يمرض  سواء أكانت تاجاً أم خِلخالاً  ! ما الذي يفيدني من استجلاب-استحلاب ذكريات بلد كان آمناً ذات ظهيرة ! استحضار ظلال ايادي متشابكة في ليلة دمشقية مقمرة ، وقع أقدام تتمشى على طرقات باب توما الحجرية و كلّما تقدم الليل ازداد وقع الخطى. ما الفُكاهة في نكتة طائفية لطالما اضحكتنا لاستحالة وقوعها  والدعابة اضحَت اليوم ..قاتلة ! ما المضحك في سكيتش ما من مسرحية فلم امريكي طويل لزياد ؟ ونحن صنعنا حتى اليوم إحدا عشرا  مسلسلاً و فلماً والشمسَ والقمرَ و نجوم الظهر رأيتهم لي واضحين!! ما ال…ما الجدوى من التهكم على القرف اللبناني السياسي الممتد من عصور خلت في نشراتهم في برامجهم في اغانيهم في حياتهم ، ونحن استجلبنا القرف ذاته والحرية ذاتها(حرية الشتيمة والغاء الاخر) لكن على مساحة اوسع

  الساعة تقارب الخامسة صباحاً، السفر باكراً يعني أن  أكسب النهار بأكمله هناك وأعود قبل المغيب،وصلت كرجات البول-مان قبل نصف ساعة  كانت كافية للتزود بالطعام الملوث ك زاد للرحلة . الباص في الموقف 13 بين القدموس والأهلية اخترت القدموس الذي سيصل مباشرة إلى حمص دون توقف باستراحات لا تمت للراحة بصلة..السفر مبهج  خصوصاً عندما تكون بمفردك..انتظرت ريثما يفتح مساعد السائق باب الباص ،راقبت عن كثب مرتادي الرحلة كان الوقت صيفاً الحرارة لم تشتد بعد والجميع يشاركني بهجة لا أعرف لها مرداً ….صرخ شاب : ركاب حووووومص .المقعد الأول مباشرة خلف السائق لا يتيح لي اسناد ركبتي بشكل مريح لأنني سأزعج السائق حتماً..لم أدع الموضوع يزعجني، تمترست قرب النافذة وضعت التيكت الورقية في مكان كأس الماء البلاستيكي ،مكاني في المقدمة يتيح لي الاستمتاع بتفحص الصاعدين إلى الباص ،تفحصت بنظرة خاطفة الجالس بقربي ،هو الآخر بدوره تفحصني تلاقت نظراتنا على الكيس الأسود الذي كان يحمله..كيس صغير يفضح محتوياته ..بزر اسود ، قلت في نفسي “ليته كان دوار ” كنت مستعدة أن يعرض عليي كمشة بحجم قبضته الكبيرة..لكنه لم يفعل اكتفى بسعال خافت متجاهلا أياي.. تنحنح الباص خرّ قليلاً تبادل السائق والمساعد وشخص آخر في الخارج كلمات غير مفهومة أقرب للصياح ..انتهت بضحكة مجلجلة ..ما تبادلوه للتو كان نكتة  حمصية مفادها أنه”كان في واحراحلعندبلنيبملتبيتلمبليب” لم استطع تفكيك الحرف الملصق بغراء الضمّة الموضوعة في اغلب حروف الكلمات الحومصية.انطلقنا دعاء سريع..لا لتيسير السفر والاتكال على الله ..دعاء من القلب صامت وصادق أن يمتنع المساعد عن وضع فلم مصري بورنو او خلافه..وإن كان الحظ جيد والدعاء مستجاب ف”ضيعة ضايعة” وإن كان متوسطاً ففيديو كلاب ” وإن كان الله يحبنا بحق فسيكتفي بصوت الصباح..وهذا ما حصل  ..أبقاها خافتة لكن قربي من السائق جعلها تصل لمسامعي واضحة..يا جبل البعيد..خلفك حبايبنا..بتموج متل العيد..وهمّك متعبنا.. رفعت الستارة ، اسندت رأسي لزجاج مازال بارداً ..ساعتان وسأكون في حمص..نهار كامل في بيت أخي لأرى الطفلة الجديدة الحفيدة الأولى في العائلة..أريها هديتها السيارة التي تتحول إلى طيارة في كبسة زر ويمكن وضعها في سطل ماء فتصبح زورق أو غواصة..لا أدري ،شرب كأس متة على سطح داره المطل على احياء المهاجرين من ثم التبضع من الدبلان والعودة إلى الشام في اليوم ذاته

. . . لم أكن لأظن أن تفاصيل ذهابي المتكرر لحمص المكرور والرتيب والعادي ، سيصبح يوماً ما مغامرة، وأن الجلوس على طرف نافورة مصابة بِإعاقة جمالية متوسطةً بناء استراحة البولمان في حمص متجاهلةً نداءات متواصلة : عالشام معلم؟ أختي لوين رايحة؟ حلب !! ع حلب !! بعد نص ساعة شو قلتي؟ لم أكن لأظنها شيء ..مثير ! وسأتمنى لاحقاً لو يعاد بأصغر وأتفه تفاصيله. لم أكن لأظن أن التسكع على  ارصفة بولمان حمص بانتظار الباص العائد إلى الشام، تناول سندويشة الشاورما من المحل الأشهر في الاستراحة (ع الزاوية)والمليئة ب 99 ألف نوع من انواع الميكروبات سيغدو حلماً ، البحث عن محل يشحن لي جهاز هاتفي الذي انتهى شحنه لأسأل أمي إن كان بامكاني التوجه إلى حماة لقضاء ليلتي عند بيت خالتي(بمعناها الحرفي وليس بمعناها السوريّ) أو لزيارة أخي الثاني في اللاذقية..هه!! هل حقاً كان بإمكاني التنقل بين المحافظات بهذه السهولة!! مستلزمات الرحلة حقيبة على الظهر تحوي فرشاة اسنان وبيجاما ،الاغاني المناسبة للاستماع والاستمتاع فقط لا غير .ابتسامة ل..الحرية..حرية التنقل كما النسمة  تفاصيل أصبحت كالحلم..حلم ليلة صيفية سوريّة..وأنا السيئة الحظ لا أستطيع الذهاب إليها..ولا الرجوع إليّ

.

.

.

  تتحرك ابرة الراديو من تلقاء نفسها :   … وقد أعلن نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية قلقهُ الشديد حيالَ ما يجري في سوريا ، مستبعداً حتى الأن خطوة استقدام قوات خارجية إلى سوريا

هذا وفي النشرة أخبارٌ أخراااا

Read Full Post »

Older Posts »

%d bloggers like this: