Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘كتاب’ Category

IMG-20150119-WA0000

Advertisements

Read Full Post »

“وادي الصامتين غنيّ الجِناب، سنيّ الرجاء، سكوتهُ بيان، وربّ سكوتٍ أبلغُ من كلام”

 

فلنعد بالزمنِ إلى الرابع عشر من شباط، عام 1970. وتحديداً إلى أحدِ دور العجزة حيث نستطيع أن نميّز بين نزلاءِ المكان رجُلاً مسنّاً ضئيل القامة ينكبُّ على أوراقه وأقلامه في انهماكٍ عجيب كما لو أنّهُ في سباقٍ مع الزمن. يتنقّل بين سريره ذو القضبان الحديدية و منضدة صغيرةٍ إلى جوار السرير تكدّست فوقها الكتب والمجلّدات. لقد أصبحت تلك الفسحة المخصّصة له بأمتارها القليلة بمثابةِ فضاءه الصغير الذي يجوب عبره عوالمه الداخلية. بعد مضي عامٍ على التاريخ المذكور أعلاه، وتحديداً في اليوم الواحد والعشرين من كانون الثاني 1971، وُجدَ الرجل متكوّماً على أوراقه و مخطوطاته. لقد أسلم الروح! ولأنَّ لا أهلَ له أو وَلَد أُرسِل إلى المقبرة دون أن يتُمّ إعلامُ أحدٍ بموته.  ولأنّه “العاشق السيء الحظ” الذي شاءت الأقدار أن يرحل في ذلك اليوم الشتائي البارد دون جنازةٍ أو مشيّعين، توانى التُربي _حفّار القبور_ عن إيجادِ مكانٍ ملائمٍ لراحة جسد الغريب المجهول ليلقي به في ممرٍّ طولاني بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالةٍ على اسمه وليبقى مكان دفنه مجهولاً إلى الأبد

سنعودُ لاحقاً لتلك المفارقة الساخرة، فالرجلُ الذي اُعتبر “غريباً” عن المدينة، لا نزخرف قولنا أو نبالغ به عندما نشير إلى  أن المدينة تُختصر في اسمه. ولنبقى في نهار الرابع عشر من شهر شباط قبل سنةٍ من وفاته، حيث هَبط الظلام على  رجلنا في جلستهِ الأثيرية وقد تضرّم خداه حتى أصبحا كزهر الأرغوان. ولو أنّ أحداً رآه في تلك الساعة لأخذه العجب في أمر هذا الرجل الذي سالت دموعه على وجهه الذي أشرق بالفرح، فلا يعرفُ الناظر إليه حاله إن كان حزناً أو فرحا

:داعب كفّه الخشبية بأصابع يده اليمنى، أمسك قلمهُ وكَتب

يا صاحبي القارئ. أهمس لك أني وحدي وحدي ثم إني مضطّر – وأنا ابن السبعين – أن أعمل في أضنى عمل لأربح قوت يومي ولأربح ثمن أدويتي، ثم إني اصطلحت على جسمي الواهي ضروب الأسقام لم تسمع هذه الأسقام مني آهةً قط، حتى لمّا بتر المنشار العظم دوم مرمّد، بل تشاهد بسمة الرجاء من رب حنون. أرخى القلم وأسدل جفنيه المتعبتين على تزاحم الصوّر ليُكشَف الستار عن مسرح ذكرياته. يعود إلى ذاك اليوم المشؤوم حين انتثرت يده، وهو في العشرين من عمره، جراء كميةٍ من البارود كان يحملها اثناء عرضٍ مسرحيٍ كان يعملُ على إخراجه. قُدّر ليده اليمنى اليتيمة أن تحمل كامل المهمّة على عاتقها طوال رحلة العمر المضنية التي قضاها في فاقةٍ وعوز، ليس له من مورد سوى ما يتقاطر عليه من مهنة التعليم والأحاديث الإذاعية التي كانت بالكاد تؤمّن ثمن طعامه وأدويته،  وقيّض لتلك الكفّ اليتيمة أن تكتب ثلاثة عشر مجلّداً من بينها  الكتابُ الموسوعة التي استغرق في جمعِ مفرداته وتعابيره ثلاثة عقودٍ ، وصانها من أن تعبث بها يد الضياع  ، والليلة بدا أن المهمة كادت تشرف على نهايتها. تأمّل ما بين يديه من صفحات، ثمانية آلاف من القطع الكبير كَتبها وأعاد نسخها بيده اليتيمة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوانٍ مختلفة لتسهل طباعتها يوماً ما، لونٌ للمتن، الشرح، التشكيل، والذيول. تلك الموسوعة التي خصّ بها مدينته ولهجتها وضروب بيانها، ومفرداتها، قواعدها وأمثالها، حكمها وتهكّماتها، شعرها ومواويلها، نوادرها ومزاحها، قراها وبواديها، حارتها وعاداتها، تعابيرها وآدابها وتندراتها ومعتقداتها وخرافاتها! شارفت على النهاية

يطلق زفرةً حارة متعبة، يتناول كتاباً إلى جانبه، ويحرك شفتيه مصدراً صوتاً بالكاد يسمع، بعد أن غابت النبرةُ التي اُشتُهِرَ بها ذات الملامح الحادة الساخرة. يقلّب صفحات الكتاب ويعود بها إلى الصفحة الأولى، يتلو بصوتٍ مرتجف: حـلـب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلتُ خبزي إلا بعرق جبيني. منحتكِ، يا حلـب  كل ما انطوى عليه قلبي من كنوز الخير، وكتبت على النفس أن تضنى لرسالتها فحرامٌ على قلبي أن ينال بلّةً من الماء، إن كان في البله ما يمسّ مثله، وحرامٌ على قلبي ألا يولّى الجميل جميلاً، وأكثر. يا ليالي الطوى! لتكن ذكراك هانئة، فصباحها يطلع على بأثرٍ جديد، ينعم وينعم بدفء الأنس بين مجلدات خزانتي

يا نقمة الطغاة في حلـب، تُسفك، وتسلب، ثم تتغنى بالمجد! شكراً، فقد علمتني فن حرب الحياة. يا يوم أن انتثرت يدي! ليكن مطلّك برداً، وسلاماً، فللمثل العليا قدمت قرباناً من لحمي ودمي!يا شمعة الحياة، أحرقتها في الدرس، والتدريس

حلب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلت خبزي إلّا بعرق جبيني. حلـب! ولا منّة لي عليك، فهودج الكرامة الذي اعتزّ به إنما هو من سرادقات عزتك.وأنت يا بن حلـب الكريم! الذي ابحث عنه بفانوس ديجون ردّ على غيري نعمتك، فعندي الغني، وكنز الرضى

.تتلاحق أنفاسه بسرعة، يكرّر العبارة: عندي الغنى وكنز الرضى.. عندي الغنى وكنز الرضى

.

.

..هامش وثيق

قبل بضعة أيام، قام السوريون عامةً وأهل حلب خاصةً ولفيفٌ من الكائناتِ الإنسانية الحيّة من شتّى أصقاعِ المعمورة بالتضامن مع مدينة حلـب التي شهدت أسبوعاً دامياً لم يكن ليشكّل إلا حلقة أخرى في السلسلة الطويلة اللامتناهية من الصراع الدموي المستمر منذ سنوات! وبعيداً عن شكل التضامن الملفت الغريب(لون أحمر قرمزي صبغ مواقع التواصل الاجتماعي، مع سيل هاشتاغي وجداني) والذي ولأسبابٍ مبهمة(البعض منها منطقي، والآخر يمتُ إلى المشاعر التي لا سبيل إلى تفسيرها) قادني إلى شعورٍ مفاده أن لا شموس تنتظرنا في نهايةِ هذا السرداب الطويل الذي نسلكه منذ أعوام. وأن هذه الجموع البشرية وصلت إلى الدرك الأسفل ولا أقصد بالجموع البشرية تلك المتقاتلة فيما بينها فلا أحد يختلف في أمرهم، بل أقصد الجموع المتعاطفة التي اكتست “حماراً”!  وما زاد الأمر غرابةً أن المشاعر لم تدم طويلاً فاستغرق  الأمر لدى البعض ساعات وامتد لدى آخرين حتى أيامٍ معدودة، فلا أحد يطيق صبراً على التعاطف لزمنٍ أطول مع قضيةٍ لا تمسّه بشكل شخصي وسوريّا لم تعد تمسّ ابنائها بشكل مطلق إلا فيما يتقاطع مع مصالحهم الشخصية.وكي لا أسترسل في السرد طويلاً، استوقفني ضمفي معرض حملة التضامن الغريبة تلك، إحدى المواقع التي أعادت نشر مقالةٍ كتبتها قبل زمن عن علّامة حلب” خير الدين الأسديّ”، لقد زامن الموقع ذو التوجّهات العلمية إعادة نشر المقال عن أيقونة المدينة  كنوعٍ من التضامن مع المدينة المنكوبة، المثير للسخرية أن الاسم لم يستوقف الجموع من أبناء حلب، أولئك الذين لم يسمعوا برجلِ يُدعى: خير الدين الأسدي!  لكنهم في الوقت ذاته يرثون أوابد مدينتهم وتاريخها والحال الذي آلت عليه، كما لو أنّ الأمر ليس صنيعة أيديهم

ويلي عليهم لقد ماتت المدينة يوم رحيل الرجل

.

.

عودة إلى بدء..

بعد مرور أربعين يوماً على رحيل الرجل المنسي، قرر لفيفٌ من الأصحاب إقامة حفل تأبين كتكفيرِ لنسيان المدينة  والدولة لابنها العاشق. وتأتي المفاجأة  أن تمّ خطأً ادراج اسم: ضياء الدين أسد في سجل الموتى بدلاً من اسمه. وتأتي المزحة السمجة حين أخبرهم التربي “حفار القبور” بأنّه ألقى بالميت الخفيف الوزن ذو الذراع المقطوعة واقفاً في ممرٍ شاقوليٍ بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالة

 تضاربت الروايات حول النهاية، قيل لاحقاً أنّ الجثة بيعت لطلّاب كلّية الطب في حلب، لكنّ ما هو مؤكّد أن لا أحد يعلم حتى اليوم أين دُفِنَ خيرالدين الأسدي

.

.

سيرة ذاتية

على جذر شجرة نارنج حلبية في حيّ الجلّوم الحلبي  وُلد خير الدين الأسدي عام 1900، درس في شمس المعارف على يدّ خيرةِ علماء حلب، وامتهن التدريس حتى آخر سنواته في مدارس حلب الحكومية والخاصة حيثُ علمّ العربية بنحوها وصرفها وآدابها. فقدَ كفّه اليسرى جراء كميةٍ من البارود، إذ كان يقوم مع طلابه بتقديم مسرحيةٍ عن الاستقلال مع بدايات الانتداب الفرنسي على سوريّا. أتقنّ عدّة لغات من بينها اللغات السريانية والسامية وبعض اللغات الأوربية. اُشتهر بولعه في الترحال والأسفار وجمع المقتنيات الأثرية حيث جاب البلاد العربية بشمالها الأفريقي وجنوبها العربي وبعضاً من الدول الأوربية ويظهر ذلك جلياً  في خزائنه التي ضمت مجموعةً من التحف الفريدة وصوراً تزيدُ عن أربعين ألف صورة رُتبت على حروف الهجاء. كانت شراهته للمعرفة من كلّ نوع لا تعرف حدوداً، حتّى أنه قاد بنفسه حملةً للتنقيب عن الإنسان الحلبي الأول في كهوف حيّ “المغاير”. لم يعشق أحد حلب كما فعل فقد بحث في أصل حلب وتاريخها و موقعها وثقافتها وطرز حياتها وتقاليدها ويظهر ذلك في موسوعته التي عمل عليها لما يزيد عن ثلاثة عقود حتى آخر سنوات عمره في دار العجزة، حيث أضاف مئات الصفحات إليها في أيامه الأخيرة وهو راقدٌ في سريره. وتجلّت أمنيته الوحيدة في أن يرى عملهُ مطبوعاً بعد أن أعاد نسخة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوان لتسهيل عملية طباعة موسوعته يوماً ما.  مورده الوحيد كان من مهنة التدريس وذهبت مدخراته جميعاً إلى تمويل أسفاره الدائمة. في بداية حياته كان ينزع إلى التدين نتيجةُ لنشأته الدينية، ومن ثم عُرف عنه اعتناقهُ للبهائية، لكنه في النهاية اتّجه للتصوف. تأثر بشدّة بحافظ الشيرازي، زعيم الشعر الصوفي وملهمه وأستاذه، فأطلق على نفسه “حافظ القرن العشرين” وعلى أثر ذلك جاء كتابه الأجمل -بالنسبة لي- ” أغاني القبّة” وهو نفحاتٌ من الشعرِ الصوفي المنثور

 .لم يول الاهتمام الكافِ أو ما استحقّه من تقدير، عانى من المرض والعوز آخر سنوات عمره ومات وحيداً سنة 1971

بعد رحيله بأعوام قامت جامعة حلب بطباعة موسوعة حلب المقارنة في سبع مجلّدات كما أطلق  اسمه على أحد شوارع حلب وسُميت أحد قاعات المطالعة في المكتبة الوطنية باسمه.

عن سيرة حياته هنا

.

.

..النور وحدهُ يُسامر النور، فيا ويح قلبي إذا ما اغترب

 

Read Full Post »

سبق وأن وصفنا المعلم بأنّه رجل حسود، يعتبر نفسه موسيقياً مهمّاً. ولكن ثمّة نقطة في شخصه تدفعنا إلى احترامه: كانت روحه تَطرب للموسيقى بعمق أصيل، فعندما آلم عزفهُ الناشز حتى أكثر الآذان غير الموسيقية، لأن الآرغن كان قد دوزن حديثاً، فإنّه لم يستطع احتمال ذلك ولم يبرأ من الحالة، ففي يده الخرقاء كان ينبض قلب حساس! هذا هو ما دمّر أوسكار آلدر
بعد الفصح بخمسة عشر يوماً وجدته زوجته ميتاً. كان قد شنق نفسه بسلسلة معدنية، وتحت قدمية وُجدت ورقة كُتب عليها بخط بدا يائساً إنه كان يرغب دائماً بأن يكون عازفاً ماهراً في خدمة الرب. لكن الناس ازدروه وازدروا فنّه

Read Full Post »

كان غابو ينتظر طائرته المتوجهة إلى نيويورك من مطار شارل ديغول في باريس حين قيّض له أن يرى: أجمل امرأة في حياته

مخطوف الأنفاس، مبهوراً حتى الثمالة جلس يراقب الفتاة العشرينية ببشرتها الغضّة بلون القمح وعينيها اللوزيتين الخضراوين، وشعرها الأسود المنسدل حتّى الكتفين وقد أُحيط وجهها بهالة من سحر الشرق. حين صعد إلى الطائرة وجد جميلته تجلس في المقعد المجاور له! “إن قُدِّر لي يوماً أن أكتب هذهِ القصة، قال يحدّث نفسه، فلن يصدّقني أحد”. استقرّت الجميلة الحسناء في مقعدها كما لو أنّها ستلازمه دهراً، طلبت كوب من الماء، ابتلعت قرصين ذهبيين، وضعت الوسادة في فجوة عند نافذة الطائرة، تدثّرت حتى خصرها دون أن تخلع حذاءها لتتكوّم في وضع شبه جنيني وتنام دون تنهيدة. وفي هذا الوضع بقيت لثماني ساعات أبدية و اثنتي عشر دقيقة وهي مدة الرّحلة إلى نيويورك
“لاشيء في الوجود يفوق جمال امرأة جميلة، تمتم غابو لنفسه”

بات من المستحيل عليه أن يفلت دقيقة من سحر هذا المخلوق الخرافي الراقد إلى جواره. تفحصها عدّة مرات سنتيمتراً سنتيمتراً،  قبل كل كأس كان يتجرّعه، يرفع كأسها عالياً ليشرب نخبها:نخبكِ، جميلتي

هذه القصة هي واحدة من “أثني عشر قصة تائهة” لغابرييل غارسيا ماركيز، واسمها: “طائرة الجميلة النائمة” يستلذ فيها الحكّاء المدهش كعادته كمافي الروايات كذلك في القصص بممارسة الإبهار بخفّة ساحر يخرج من قبّعته قبيلة من الأرانب، يدفعك للابتسام، وربّما القهقهة طويلاً كما حدث معي وأنا ألتهم أحداث رحلته التي تنتهي باستيقاظ جميلته النائمة من تلقاء نفسها في نهاية الرحلة، ليتأمّلها متحسّراً وهي ترمي بالغطاء جانباً، تنفض شعرها بخفّة، تطرّي وجهها بالمساحيق…لتضيع بعدها بين الجموع قبل أن تتوارى نهائياً في مجاهيل نيويورك..و ليكمل غابو على طائرة الحسناء النائمة طريقه إلى مكسيكو مجترّاً دفعات الحنين لجمالها بعد أن نقل لنا العواصف التي اجتاحته على مدار الساعات الثمانية.

لا أدري كيف ساقتني الصدف في الآونة الأخيرة لأن أطالع هذهِ القصة في مكانين مختلفين لتأتي الثالثة قبل أسبوع من الآن حين كانت توطئة رواية ساحرة تُدعى ” بيت الجميلات النائمات” لـ ياسوناري كاواباتا هي قصة الجميلة النائمة التي يستحضرها ماركيز في مقدّمة الكتاب بعد أن ينمنم القصّة بتفاصيل الصدف التي قادته لاكتشاف ياسوناري كاوباتا
ساقتني صدف من نوع آخر إلى بيت الجميلات النائمات، أشبه بطريق بدأت مؤخراً السير به بعد اكتشافي المتأخّر أن اولئك المتشابهي الأوجه والسحنة ذو الميول الغرائبية والثقافة الجمعية الإنتحارية في بلاد الآلات والأرقام وحضارات التاو والساموراي لديهم أدب..وأيّ أدب! ذاك الذي تتنهد بعد قراءة قطعة منه وتتمتم بأنّ ما فاتك الكثير حقاً
تتوالى الروايات والكتّاب جونيتشيرو تانيزاكي، كازوو إيشيغيرو، يوكو ميشيما(اثنان منهم أنهوا حياتهم انتحاراً) لأصل إلى الروائي الأعظم في اليابان ياسوناري كاوباتا والذي أنهى حياته بسيف طقوسي بَقرَ به أمعاءه بعد سنوات على منحه جائزة نوبّل للآداب 1968 على روايته المذهلة التي علّق عليها ماركيز: إنّه الكتاب الوحيد الذي وددت لو أكون كاتبه
في رحلة غابو على متن طائرة الجميلة النائمة تتراءى له تجربة”إيغوشي” بطل رواية “بيت الجملات النائمات” ماثلة أمامه، غير أن ذلك لم يمدّه بأي متعة كحال بطل كاواباتا. كان الشيء الوحيد الذي تمنّاه خلال الساعة الأخيرة من الطيران هو أن يوقظ المضيف تلك الحسناء ليتمكن هو من استرجاع حرّيته..وربّما شبابه

house-of-the-sleeping-beauties-by-Yasunari Kawabata
لا أحداث حقيقية تدور في فضاء “بيت الجميلات النائمات” بل كون مُغرق في الغرابة، ترتدي فيه الكلمات والأشياء لبوس آخر ومعنى جديد المتعة هنا مغايرة لما قد نعرفه، الحياة، الموت، اللذة
ماتدور حوله الرواية يبدو بالغ الأسى.. رجل يهبط سلم العمر وفتاة تصعد الدرجة الأولى منه..مُسن و شابة تحت سقف منزل غريب يقع في ضواحي طوكيو، بداخله دمى حيّة من أكثر فتيات المدينة جمالاً، يرقدن عاريات تحت تأثير مخدّر ليستلقي إلى جانبهن عجائز دفعوا مبالغ طائلة ليتمتّعوا بالشكل الأخير الأكثر نقاءً للحب

العجائز لايملكون حق إيقاظ الفتيات أو لمسهن،  لايمتلكون حتّى القدرة على ذلك.. ما يملكونه حقّاً هو إمكانية الحلم وكل ما يجنوه من ارتيادهم لهذا المنزل نفحات من ذكريات الشباب

“ثمّة زبائن يقولون إنّهم رأوا أحلاماً جميلة أثناء نومهم. آخرون تذكّروا أيام الشباب”

إيغوشي هو صوت المونولوج الطويل على مدى صفحات الرواية، المُسن الذي قصد هذا النزل ليستغرق في عالمه المالح العذوبة بعيداً عن قرف العيش، الوحدة والشيخوخة
رحلة اكتشاف هول الشيخوخة لدى العجوز”إيغوشي” كانت تمر عبر استذكار حوادث ترقى للطفولة البعيدة بقيت محفوظة في ذاكرته لتُبعث بالصورة الأكثر صفاءً وحياةً أمام جسد حسنائه الغارقة في نوم سباتي المستسلمة ببراءة غافلة عن كل شي في الوجود

ربّما ليس هناك بوذا للعجائز لكي يبتهلوا إليه لكن هناك فتاة عارية جميلة يضمّونها بين أذرعهم ذارفين دموعاً باردة غارقين فى شهقات قوية منتحبين فتاة غافلة عن كل شىء ولن تستفيق مطلقاً تمنحهم حرّيتهم المطلقة فى الندم حريتهم المطلقة فى النحيب دون أن يشعروا بأي ندم أو طعن في كبريائهم.. أفلا يمكن إذاً اعتبار الجميلات النّائمات من هذه الوجهة آلهةمثل بوذا ونابضات بالحياة فوق ذلك ؟ أليست رائحة فتاة شابة وبشرتها تكفيراً للعجائز التاعسين وتعزية لهم

قدرة”إيغوشي”صوت كاوباتا الحيّ في الرواية على الوصف مذهلة (أدرك الآن رغبة ماركيز لكتابته تلك الرواية. رائحة شيخوخة مماثلة تسري في روايته:ذاكرة غانياتي الحزينات)..وصف دقيق، هادئ، ومسترسل بانسياب لكل فتاة..تكاد تشعر أن الفتاة تستلقي أمامك، لتصبح يدا إيغوشي المنسابة على ملامحها وأجزاء جسدها كاميرا حيّة

” أزاح إيغوشي الستارة ونظر إلى الفتاة النائمة كاتماً أنفاسه أمام الجمال اللامتوقع لها. لم يكن جمالها الشيء الوحيد غير المتوقّع، بل فتوّتها أيضاً. كانت مستلقية على جانبها الأيسر، وجهها مكشوف وباقي جسدها غير مرئي. على الأرجح لم تبلغ العشرين بعد…كما لو أن قلباً جديداً خفق بأجنحته في صدره. كيف تسنى لثدى الأنثى البشرية وحدها من بين جميع الكائنات أن يتخذ بعد تطور طويل هذا الشكل الرائع! أليس الجمال الذى بلغه نهد المرأة المثال الأبهى لتطور الإنسانية

كل ليلة كانت فتاة جديدة تستلقي بنضارة شبابها، باستكانتها المستفزّة، برقادها العذب وبخدرها اللامبالي في الغرفة المخصّصة له. يتأمّلها طويلاً في البداية، يعاينها ويقلّبها بين ذراعيه، يسترجع ذكرياته كشريط صور يجري أمام عينيه، تمر نساء حياته واحدة تلو الآخرى. يرى حبيبته الأولى تلك التي صعقتهُ بجمالها لدرجة أن الدموع انهمرت من عينيه، والدته التي صدمه أن يتذكّرها في ذلك المكان، زوجته، بناته الثلاث، عشيقاته…خيباته وبهجاته
النهاية تأتي صادمة كأفضل ما تكون النهايات اللامتوقّعة لكنّها مفتوحة..ولانهائية لشخص مثلي قد تؤرقه حياة الكائنات العالقة في الرّواية حتّى بعد إغلاق دفّتي الكتاب
“للعجوز الموت وللشاب الحب، نموت مرّة واحدة ونحب مرّات عديدة “

الجميلات يرقدن هنا بالنسخة العربية من ترجمة ماري طوق *

Read Full Post »

و شعرت أني مثل أيوب  ..

وتباهى الرّب بعبده أيوب. باستقامته وتقاه، فسأله الشيطان: أمجاناً يتّقيك ؟

فأطلق الله يد الشيطان، كي يضربه في أهله وأملاكه. ففقد أولاده العشرة وكل ما يملك، لكنّه لم يخطئ بحق الله. فازداد الله تباهياً بعبده أيوب. فطلب الشيطان أن يصيبه بلحمه ودمه.أطلق الرب يده فأصاب الشيطان أيوب بقرح من أخمص القدم إلى قمة الرأس، فاشتدت آلامه، وأنكرته زوجته، وانفضّ عنه غلمانه وعبيده .. لم يكن لأيوب أن يعرف أنّه ضحية رهان متبجّح بين الله والشيطان. ولأنه كان عميق الإيمان وحسن النية، لم يخطر بباله  أنه يمكن أن تجري في السماء التي يشعشع فيها الرب، ألعاب ومراهنات دامية إلى هذا الحد. ولهذا دفعه قلبه البريء، وآلامه التي لا تحتمل إلى محاججة الله : لكنّي إنما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجج الله . . . ما الذي لي من الآثام والخطايا. أعلمني معصيتي و خطيئتي. لِما تواري وجهك وتعتدّني عدواً لك! لِما تكتب علي معاملات عنيفة وتُلحق بي آثام صباي!؟.. قد اكتسى لحمي دوداً وجلدي تقلص وتمزق. ما الإنسان حتى تستعظمه  وتميل إليه قلبك وتتعاهده كل صباح، وتبتليه كل لحظة. إلى متى لا تصرف طرفك عني ولا تمهلني ريثما أبلع ريقي . أقول لله لا تؤثمني. أعلمني على أي شيء تحاكمني . . . إنّما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجّ الله

 

كان عزاءً كبيراً لأيوب، الذي يتفسخ، أن يحاجج الله، وأن يلومه من طرف خفي، لأن النعيم في هذه الدنيا مقسوم للمنافقين والأشرار، في حين تضرب يد الله الأبرار، وتبتليهم بأقسى أنواع المصائب. والغريب أن اله الذي كان يعرف أن أيوب لا يستحق أيّاً من المصائب التي توالت عليه. وأن كل ما أحاق به نتيجة رهان متبجّح بينه وبين الشيطان، فقد أغضبه أن يحاججه إنسان، حتى ولو كان صادق الطاعة والإيمان. ولهذا كلّم الرب أيوب وقال :  ” اشدد حقويك وكن رجلاً “ .ثم بدأ يعدد متباهياً ما خلق من أرض وسماوات ونجوم وجبال ووديان وحيوانات وطيور وبحار ورياح. ليختم كلامه لأيوب : ” اشدد حقويك وكن رجلاً. إني سائلك فأخبرني ألعلك تنقض قضائي. أتؤثمني لتبرر نفسك. ألك مثل ذراع الله. أترعد بمثل صوتي. إذن فتزيّن بالعظمة والسمو، والبس المجد والبهاء ” . ويواصل الله تأنيبه حتى يتضاءل أيوب.  ويتلاشى صوته منكراً مقالته، ونادماَ على محاججته

 

يعوّض الله أيوب أضعاف ما خسره من صحة وولد ورزق. ولكن بعد أن عطّل عقله، واعتذر عن المحاججة، وتحوّل كائناً صغيراً، يضع برضى وتسليم حياته ومصيره وكل ما يصيبه بيد القادر الذي خلقه ولم يترك له إلّا حرية العبادة والطاعة والرضا مهما اشتدت عليه ألوان الظلم والعذاب

لقد حاجج أيوب ربّه، أما أنا فمن أحاجج ! وليس لدي إلّا هذا اليقين البسيط و الموحش

.من الظلام جئت وإلى الظلام أعود

رحلة في مجاهل موت عابر

سعد الله ونوس

Read Full Post »

أغارُ عليكِ من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي

من المرآة التي ترسل لكِ تهديدكِ بجمالكِ

من شُعوري بالنقص أمامكِ

من حُبّكِ لي

من فنائيَ فيكِ

ممّا أكتب عنكِ كأنّني أرتكب فضيحة ..من العذاب الذي أُعانيه فيكِ

من العذاب الأكثر بلاغةً من المتعذبين

من صوتكِ ..من نومكِ ..من وضع يدكِ في يدي..من لفظ اسمكِ

من جهل الآخرين أنّي أحبّـكِ.. من معرفة الآخرين أنّي أُحبّــكِ

من جهل الآخرين أنّي أغارعليكِ،من معرفة الآخرين أنّي أغار عليكِ

من سعادتي بكِ، من سعادتكِ بأيّ شيء، من وجودكِ حُرّةً

من وجودكِ عَبْدَة ، من وجودكِ لحظةً

أغار عليكِ من غَيْرتي عليكِ

من عطائكِ لي..من تعلُّقي بكِ أشَدّ أشَدّ

أغار عليكِ لأنّك تقرأينني وأنا أريد أن تحفظيني.لأنّكِ قد تحفظينني وتحفظين سواي

لأنّي لا أرى غيرَ حَمْقى،لأنّي لا أرى غيرَ أذكياء

لأنّي أُحاصركِ وأتعهّدكِ كالوحش.لأنّ حُبّي يخنقكِ

أغار عليكِ ممّا أشتهيكِ أنْ تكوني، وممّا تشتهين أنْ تكوني، وممّا لا تقدرين أن تكوني

من المرأة لأنّكِ امرأةٌ ومن الرجل لأنّه يراكِ.من الجنس لأنّه حتّى يعود يجب أن يتوقّف

من كُلّ ما سيكسره نظركِ

أغار عليكِ لأنّي خَطَبْتكِ جاهلاً عددَكِ

لأني أخنقكِ بحُبّي وأنت لا تقدرين أنْ تُحبّيني وأنتِ مخنوقةٌ بحُبّي

لأنّي ساخطٌ لأنّكِ أجملُ النســـاء

لأنّي أمدحكِ فأخاف أنْ تسمعي في مديحي أصواتَ آخرين

أغار عليكِ من الأشياء التي يكبر فرحكِ بها لأنّكِ تُحبّينني..من نبوغ جسدكِ

من عابري السبيل ومن الذين جاؤوا ليبقوا ومن الأبطال والشهداء والفنّانين

من إخوتي وأولادي وأصدقائي

من الأقوياء لأنّهم يأخذون الإعجاب  ، ومن الضعفاء لأنّهم يبدأون بأخذ الشفقة

من لبوءة الرجاء النائمة.من الأنغام والأزهار والأقمشة

من انتظار النهار لكِ، ومن انتظاركِ اللّيل.من أقصـى الماضي الى أقصـى الماضي

من الكُتب والهدايا ومن لسانكِ في فمي.من إخلاصي لكِ فُرادى وجماعات

 !من الموت

أغـــار عليكِ .. أجَنَّ أجَنَّ  كلّما تضايقتِ من غَيْرتي عليكِ

أغـــار عليكِ من جميع الأعداء ومن جميع الحلفاء

من الحياة الرائعة التي نقدر أنْ  نعيش

من ورق الخريف الذي قد يسقط عليكِ

من الماء الذي يَتوقّع أنْ تشربيه

من الصيف الذي تخترعينه بعُرْيكِ

من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي

..من الطفل الذي لن تلديه أبداً

أُنسي الحاج 1937 -2014

Read Full Post »

Image

      وهكذا عِشتُ دهراً بين الناس مُتنكّراً بِالفضيلة حتى كِدتُ أن أنقرض وبني جنسي..
هلّلتُ لِلخير وأهله أنا وأبناء جلدتي ورفعت يدي مُجبراً  إلى السماء تلك التي أنزلتني من عليائها في غَابر الزمان
لا تسرق لا تقتل لا تزني لا تنّم لا تحسد
هذهِ الثَرثَرة القَديمة الّتي تُحسب حِكمة وتَخرج من أفواهِ القدّيسين كرائحة نَتنة من جوف جيفة ومازالت زمرة من بني البشر يعملون بِها حتّى جاء ربيع الزمان وأَزهر الرمّان وتفتّحت الجِنان فقضمنا بأفواهِنا وصايا الأتقياء وكتب القتل وصاياه
.

.

.
.الشرّ أقول لكم ..إن في الأشرار من البدائع الشيء الكثير لم تنكشف للإنسان حتى اليوم
الخير !! أي متعة تلك التي تحصدونها يا ابناء قومي من فعل الخير !؟
أين الثملون بخمرة الدماء ..أين الشذّاذ الجريئون !؟
كم من الأمور أُعتبِرت شروراً في هذا الزمان وغداً سيولد ماهو أعظم منها …شرور لم تمسسها يد بعد..ولم تخطر على بال
لقد استولى علينا البرد دهراً ….واستكانت الرذيلة وظهرت فضائل جمّة يدعونها خيراً
.وقد آن الآوان ..لكسر الآمان
.

.

دخل هردابشت ساحة السوق وقد استيقظت شهواته بعد رقاد طويل وتبدلت هيئته

:خطب  الهردبشتي في الناس المجتمعة
اسمعوا فما جئت إلّا لِأخلص الخراف من سطوة القطيع
انظروا أيّها الرفاق،تعلّموا من هو ألدّ أعدائكم ، ذاك الذي استعذب صمتكم الطويل
.إليّ بالرفاق فقد انبثقت الحقيقة في أفق نفسي بين فجرين
زعق هردابشت والحبور يملأ نفسه : هذا سَيفي، وهذه بَلطتي فهلمّوا ورائي
هَتف فتى بين الجموع: نطقت بالحق يا هردابشت وما أنت إلّا الصاعقة التي انتظرناها
وانهمرت الدموع من مآقي أمرأة وصرخت :لقد تفّطر قلبي يا هردابشت ، إن في عينيك ما يفصح بأكثر من بيانك عما ينتظرك من أخطار في سعيك إلى الحريّة وقدأصبحت في بحثك عنه مرهف الحس كالسائر في منامه
وقال شيخ طاعن في السن :لقد اشتاقت روحنا إلى الحريّة،بل غرائزنا السيئة نفسها اشتاقت للحرية
رفع هردابشت يده ..فسكتت الجموع
يا رفاق .. إنّ وحوشكم التي لُجِمت دهراً تطلب حريّتها ، فهي تنبح حزينة في سراديبها ، حطّموا ابواب سجونكم كلّها
إنّ ارواحكم تَتّصف بالحزن لكن وا أسفاه وَجَب عليها أن تكون مراوغة شريرة لتصل إلى مرادها
يارفاق المعارك القادمة…إنّي أحبّكم من صميم الفؤاد
إنّي عارف مافي قلوبكم من حقد وغضب..أنتم من العظمة بحيث لا يمكنكم أن تتجاهلوها..فلتكن عظمتكم رادعة لكم عن الخجل بما في قلوبكم
لتكن أنظاركم منطلقة تفتش عن عدو لكم لِتصلوا معه حرباً تناضلون فيها من أجل أفكاركم..وإن سقطت الفكرة في المعترك فلا بأس ..ستبقى الدماء على أسنّة الرِماح مُنتصبة هاتفة لكم بالظفر
أنتم الشعب ..والشعب لا يفهم ما هي الحكومة بل ينفر منها
لأنّها تتجه بنا نحو الفناء وليس ما تقوله إلّا كذبا وليس ما تملكه إلّا نتاج سرقتها واختلاسها
هاجت الجموع وماجت وهبّت إلى هردابشت تُشبِعه عِناقاً وتقبيلاً

(وتهاوت الرِكاب جاثية وبين الراكعين كثير من طوال الآذان وقصار النظر(أجلّكم
.الحق أقول لكم أنا أنّهم كانوا كالسائرين في منامهم

.

.

.
حَشد الهردبشتيون أموالهم وازدادت ذخائرهم ،تنَاهشوا والتهموا بعضهم الآخر وليس لهم قوة على هضم ما يلتهمون ،ليس فيهم إلّا الخسّة والوضاعة
أنا هردابشت الخسيس الوضيع ،اختلست ثمرة جهود المخترعين وكنوز الحكماء والأقدمين وادّعيت الاختلاس تمدّناً
انظروا إلينا ..نحن حَفدة القرود نَتَسلّق بعضنا الآخر متدافعين متمرّغين في الأوحال كلّ مِنّا يطمح إلى التقرّب مِن العرش فلا سعادة إلّا على مَقربة مِنه
جُنّ جُنوننا ..قروداً لا تسكن لنا حركة تنبعث منا أحبّ الروائح وأخبثها
ولم تزل الحياة “الحرّة” تفتح أبوابها لنا ..فطوبى لنا نحن القِردة المُسوخ
الشرّ أقول لكم لا يظهر القرد الأصيل في الحياة إلّا حيث تنتهي حدود الحكومات فهنالك يتعالى نشيد الضرورة بنغماته المحرّرة من كل  مطاوعة وتقييد
نحن موجِدي السنن الجديدة والعالم يدور دورته الخفيّة حولنا ، وحَولنا تَدور الأمجاد وعلى هذه الوتيرة سيسير العالم الجديد
ميدان الجماهير يغصّ بالغوغائيين والشعب يُفاخر برجاله الجدد ،أسياد الساعة
ولكن الساعة تتطلب السرعة يا رِفاق ..نَطلب منكم إعلان رفضكم أو قبولكم والويل الويل..لمن وقف حائراً بين نعم أو لا
:إن الصِغار الأدنياء لا يفهمون العظمة..ونفوسهم الضّيقة الضحلة لا تدرك كنه عبارة

“إن كل حياة عظيمة إنّما هي حياة مجرمة”
القلوب الضعيفة تظن أن قطع الرقاب مهنة كريهة. وهناك عقول خائرة تَتوهم أن سيافاً مثلي لا يذوق الراحة في رِقاده.ولكن أقول،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول. هذه المهنة تسكرني باللذة . أي نشوة حين أهوي بالبلطة! أي متعة حين يتدحرج الرأس ! أي نشوة حين تنبثق نوافير الدم!
آه..إذا لم أبق سيافاً فماذا أستطيع أن أكون! ..أقول ،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول ..لاشيء مجرد ظل أو غبار

هكذا تكلم هردابشت ..ومشى نفرٌ من الناس خَلفه كما السائرون في نومهم ومازالوا حتى يومنا هذا ..

عن “هَكَذا تَكَلّم زَرَادشْت” لِ فريدريك نتشه*
.بتصرّف مِن هردابشت العربي

Read Full Post »

Older Posts »

%d bloggers like this: