Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘كتاب’ Category

IMG-20150119-WA0000

Advertisements

Read Full Post »

“وادي الصامتين غنيّ الجِناب، سنيّ الرجاء، سكوتهُ بيان، وربّ سكوتٍ أبلغُ من كلام”

 

فلنعد بالزمنِ إلى الرابع عشر من شباط، عام 1970. وتحديداً إلى أحدِ دور العجزة حيث نستطيع أن نميّز بين نزلاءِ المكان رجُلاً مسنّاً ضئيل القامة ينكبُّ على أوراقه وأقلامه في انهماكٍ عجيب كما لو أنّهُ في سباقٍ مع الزمن. يتنقّل بين سريره ذو القضبان الحديدية و منضدة صغيرةٍ إلى جوار السرير تكدّست فوقها الكتب والمجلّدات. لقد أصبحت تلك الفسحة المخصّصة له بأمتارها القليلة بمثابةِ فضاءه الصغير الذي يجوب عبره عوالمه الداخلية. بعد مضي عامٍ على التاريخ المذكور أعلاه، وتحديداً في اليوم الواحد والعشرين من كانون الثاني 1971، وُجدَ الرجل متكوّماً على أوراقه و مخطوطاته. لقد أسلم الروح! ولأنَّ لا أهلَ له أو وَلَد أُرسِل إلى المقبرة دون أن يتُمّ إعلامُ أحدٍ بموته.  ولأنّه “العاشق السيء الحظ” الذي شاءت الأقدار أن يرحل في ذلك اليوم الشتائي البارد دون جنازةٍ أو مشيّعين، توانى التُربي _حفّار القبور_ عن إيجادِ مكانٍ ملائمٍ لراحة جسد الغريب المجهول ليلقي به في ممرٍّ طولاني بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالةٍ على اسمه وليبقى مكان دفنه مجهولاً إلى الأبد

سنعودُ لاحقاً لتلك المفارقة الساخرة، فالرجلُ الذي اُعتبر “غريباً” عن المدينة، لا نزخرف قولنا أو نبالغ به عندما نشير إلى  أن المدينة تُختصر في اسمه. ولنبقى في نهار الرابع عشر من شهر شباط قبل سنةٍ من وفاته، حيث هَبط الظلام على  رجلنا في جلستهِ الأثيرية وقد تضرّم خداه حتى أصبحا كزهر الأرغوان. ولو أنّ أحداً رآه في تلك الساعة لأخذه العجب في أمر هذا الرجل الذي سالت دموعه على وجهه الذي أشرق بالفرح، فلا يعرفُ الناظر إليه حاله إن كان حزناً أو فرحا

:داعب كفّه الخشبية بأصابع يده اليمنى، أمسك قلمهُ وكَتب

يا صاحبي القارئ. أهمس لك أني وحدي وحدي ثم إني مضطّر – وأنا ابن السبعين – أن أعمل في أضنى عمل لأربح قوت يومي ولأربح ثمن أدويتي، ثم إني اصطلحت على جسمي الواهي ضروب الأسقام لم تسمع هذه الأسقام مني آهةً قط، حتى لمّا بتر المنشار العظم دوم مرمّد، بل تشاهد بسمة الرجاء من رب حنون. أرخى القلم وأسدل جفنيه المتعبتين على تزاحم الصوّر ليُكشَف الستار عن مسرح ذكرياته. يعود إلى ذاك اليوم المشؤوم حين انتثرت يده، وهو في العشرين من عمره، جراء كميةٍ من البارود كان يحملها اثناء عرضٍ مسرحيٍ كان يعملُ على إخراجه. قُدّر ليده اليمنى اليتيمة أن تحمل كامل المهمّة على عاتقها طوال رحلة العمر المضنية التي قضاها في فاقةٍ وعوز، ليس له من مورد سوى ما يتقاطر عليه من مهنة التعليم والأحاديث الإذاعية التي كانت بالكاد تؤمّن ثمن طعامه وأدويته،  وقيّض لتلك الكفّ اليتيمة أن تكتب ثلاثة عشر مجلّداً من بينها  الكتابُ الموسوعة التي استغرق في جمعِ مفرداته وتعابيره ثلاثة عقودٍ ، وصانها من أن تعبث بها يد الضياع  ، والليلة بدا أن المهمة كادت تشرف على نهايتها. تأمّل ما بين يديه من صفحات، ثمانية آلاف من القطع الكبير كَتبها وأعاد نسخها بيده اليتيمة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوانٍ مختلفة لتسهل طباعتها يوماً ما، لونٌ للمتن، الشرح، التشكيل، والذيول. تلك الموسوعة التي خصّ بها مدينته ولهجتها وضروب بيانها، ومفرداتها، قواعدها وأمثالها، حكمها وتهكّماتها، شعرها ومواويلها، نوادرها ومزاحها، قراها وبواديها، حارتها وعاداتها، تعابيرها وآدابها وتندراتها ومعتقداتها وخرافاتها! شارفت على النهاية

يطلق زفرةً حارة متعبة، يتناول كتاباً إلى جانبه، ويحرك شفتيه مصدراً صوتاً بالكاد يسمع، بعد أن غابت النبرةُ التي اُشتُهِرَ بها ذات الملامح الحادة الساخرة. يقلّب صفحات الكتاب ويعود بها إلى الصفحة الأولى، يتلو بصوتٍ مرتجف: حـلـب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلتُ خبزي إلا بعرق جبيني. منحتكِ، يا حلـب  كل ما انطوى عليه قلبي من كنوز الخير، وكتبت على النفس أن تضنى لرسالتها فحرامٌ على قلبي أن ينال بلّةً من الماء، إن كان في البله ما يمسّ مثله، وحرامٌ على قلبي ألا يولّى الجميل جميلاً، وأكثر. يا ليالي الطوى! لتكن ذكراك هانئة، فصباحها يطلع على بأثرٍ جديد، ينعم وينعم بدفء الأنس بين مجلدات خزانتي

يا نقمة الطغاة في حلـب، تُسفك، وتسلب، ثم تتغنى بالمجد! شكراً، فقد علمتني فن حرب الحياة. يا يوم أن انتثرت يدي! ليكن مطلّك برداً، وسلاماً، فللمثل العليا قدمت قرباناً من لحمي ودمي!يا شمعة الحياة، أحرقتها في الدرس، والتدريس

حلب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلت خبزي إلّا بعرق جبيني. حلـب! ولا منّة لي عليك، فهودج الكرامة الذي اعتزّ به إنما هو من سرادقات عزتك.وأنت يا بن حلـب الكريم! الذي ابحث عنه بفانوس ديجون ردّ على غيري نعمتك، فعندي الغني، وكنز الرضى

.تتلاحق أنفاسه بسرعة، يكرّر العبارة: عندي الغنى وكنز الرضى.. عندي الغنى وكنز الرضى

.

.

..هامش وثيق

قبل بضعة أيام، قام السوريون عامةً وأهل حلب خاصةً ولفيفٌ من الكائناتِ الإنسانية الحيّة من شتّى أصقاعِ المعمورة بالتضامن مع مدينة حلـب التي شهدت أسبوعاً دامياً لم يكن ليشكّل إلا حلقة أخرى في السلسلة الطويلة اللامتناهية من الصراع الدموي المستمر منذ سنوات! وبعيداً عن شكل التضامن الملفت الغريب(لون أحمر قرمزي صبغ مواقع التواصل الاجتماعي، مع سيل هاشتاغي وجداني) والذي ولأسبابٍ مبهمة(البعض منها منطقي، والآخر يمتُ إلى المشاعر التي لا سبيل إلى تفسيرها) قادني إلى شعورٍ مفاده أن لا شموس تنتظرنا في نهايةِ هذا السرداب الطويل الذي نسلكه منذ أعوام. وأن هذه الجموع البشرية وصلت إلى الدرك الأسفل ولا أقصد بالجموع البشرية تلك المتقاتلة فيما بينها فلا أحد يختلف في أمرهم، بل أقصد الجموع المتعاطفة التي اكتست “حماراً”!  وما زاد الأمر غرابةً أن المشاعر لم تدم طويلاً فاستغرق  الأمر لدى البعض ساعات وامتد لدى آخرين حتى أيامٍ معدودة، فلا أحد يطيق صبراً على التعاطف لزمنٍ أطول مع قضيةٍ لا تمسّه بشكل شخصي وسوريّا لم تعد تمسّ ابنائها بشكل مطلق إلا فيما يتقاطع مع مصالحهم الشخصية.وكي لا أسترسل في السرد طويلاً، استوقفني ضمفي معرض حملة التضامن الغريبة تلك، إحدى المواقع التي أعادت نشر مقالةٍ كتبتها قبل زمن عن علّامة حلب” خير الدين الأسديّ”، لقد زامن الموقع ذو التوجّهات العلمية إعادة نشر المقال عن أيقونة المدينة  كنوعٍ من التضامن مع المدينة المنكوبة، المثير للسخرية أن الاسم لم يستوقف الجموع من أبناء حلب، أولئك الذين لم يسمعوا برجلِ يُدعى: خير الدين الأسدي!  لكنهم في الوقت ذاته يرثون أوابد مدينتهم وتاريخها والحال الذي آلت عليه، كما لو أنّ الأمر ليس صنيعة أيديهم

ويلي عليهم لقد ماتت المدينة يوم رحيل الرجل

.

.

عودة إلى بدء..

بعد مرور أربعين يوماً على رحيل الرجل المنسي، قرر لفيفٌ من الأصحاب إقامة حفل تأبين كتكفيرِ لنسيان المدينة  والدولة لابنها العاشق. وتأتي المفاجأة  أن تمّ خطأً ادراج اسم: ضياء الدين أسد في سجل الموتى بدلاً من اسمه. وتأتي المزحة السمجة حين أخبرهم التربي “حفار القبور” بأنّه ألقى بالميت الخفيف الوزن ذو الذراع المقطوعة واقفاً في ممرٍ شاقوليٍ بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالة

 تضاربت الروايات حول النهاية، قيل لاحقاً أنّ الجثة بيعت لطلّاب كلّية الطب في حلب، لكنّ ما هو مؤكّد أن لا أحد يعلم حتى اليوم أين دُفِنَ خيرالدين الأسدي

.

.

سيرة ذاتية

على جذر شجرة نارنج حلبية في حيّ الجلّوم الحلبي  وُلد خير الدين الأسدي عام 1900، درس في شمس المعارف على يدّ خيرةِ علماء حلب، وامتهن التدريس حتى آخر سنواته في مدارس حلب الحكومية والخاصة حيثُ علمّ العربية بنحوها وصرفها وآدابها. فقدَ كفّه اليسرى جراء كميةٍ من البارود، إذ كان يقوم مع طلابه بتقديم مسرحيةٍ عن الاستقلال مع بدايات الانتداب الفرنسي على سوريّا. أتقنّ عدّة لغات من بينها اللغات السريانية والسامية وبعض اللغات الأوربية. اُشتهر بولعه في الترحال والأسفار وجمع المقتنيات الأثرية حيث جاب البلاد العربية بشمالها الأفريقي وجنوبها العربي وبعضاً من الدول الأوربية ويظهر ذلك جلياً  في خزائنه التي ضمت مجموعةً من التحف الفريدة وصوراً تزيدُ عن أربعين ألف صورة رُتبت على حروف الهجاء. كانت شراهته للمعرفة من كلّ نوع لا تعرف حدوداً، حتّى أنه قاد بنفسه حملةً للتنقيب عن الإنسان الحلبي الأول في كهوف حيّ “المغاير”. لم يعشق أحد حلب كما فعل فقد بحث في أصل حلب وتاريخها و موقعها وثقافتها وطرز حياتها وتقاليدها ويظهر ذلك في موسوعته التي عمل عليها لما يزيد عن ثلاثة عقود حتى آخر سنوات عمره في دار العجزة، حيث أضاف مئات الصفحات إليها في أيامه الأخيرة وهو راقدٌ في سريره. وتجلّت أمنيته الوحيدة في أن يرى عملهُ مطبوعاً بعد أن أعاد نسخة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوان لتسهيل عملية طباعة موسوعته يوماً ما.  مورده الوحيد كان من مهنة التدريس وذهبت مدخراته جميعاً إلى تمويل أسفاره الدائمة. في بداية حياته كان ينزع إلى التدين نتيجةُ لنشأته الدينية، ومن ثم عُرف عنه اعتناقهُ للبهائية، لكنه في النهاية اتّجه للتصوف. تأثر بشدّة بحافظ الشيرازي، زعيم الشعر الصوفي وملهمه وأستاذه، فأطلق على نفسه “حافظ القرن العشرين” وعلى أثر ذلك جاء كتابه الأجمل -بالنسبة لي- ” أغاني القبّة” وهو نفحاتٌ من الشعرِ الصوفي المنثور

 .لم يول الاهتمام الكافِ أو ما استحقّه من تقدير، عانى من المرض والعوز آخر سنوات عمره ومات وحيداً سنة 1971

بعد رحيله بأعوام قامت جامعة حلب بطباعة موسوعة حلب المقارنة في سبع مجلّدات كما أطلق  اسمه على أحد شوارع حلب وسُميت أحد قاعات المطالعة في المكتبة الوطنية باسمه.

عن سيرة حياته هنا

.

.

..النور وحدهُ يُسامر النور، فيا ويح قلبي إذا ما اغترب

 

Read Full Post »

سبق وأن وصفنا المعلم بأنّه رجل حسود، يعتبر نفسه موسيقياً مهمّاً. ولكن ثمّة نقطة في شخصه تدفعنا إلى احترامه: كانت روحه تَطرب للموسيقى بعمق أصيل، فعندما آلم عزفهُ الناشز حتى أكثر الآذان غير الموسيقية، لأن الآرغن كان قد دوزن حديثاً، فإنّه لم يستطع احتمال ذلك ولم يبرأ من الحالة، ففي يده الخرقاء كان ينبض قلب حساس! هذا هو ما دمّر أوسكار آلدر
بعد الفصح بخمسة عشر يوماً وجدته زوجته ميتاً. كان قد شنق نفسه بسلسلة معدنية، وتحت قدمية وُجدت ورقة كُتب عليها بخط بدا يائساً إنه كان يرغب دائماً بأن يكون عازفاً ماهراً في خدمة الرب. لكن الناس ازدروه وازدروا فنّه

Read Full Post »

كان الباب الحديدي الضخم للكلية العسكرية في حمص مغلقاً، ثلاثة ضباط عسكريين يقفون بسلاحهم الكامل بجانب ذلك الباب. نظر الحارس الواقف في الخارج إليّ رافعاً حاجبيه وقد أدهشه أن فتاة صغيرة مثلي تقف بين جماعة من الرجال الضخام المختلفين الذين يرتدون الزي العسكري.قلت بلهجة قوية وأنا أنطق كلماتي بوضوح وعلى نحو يتجاوز سنّي:” أريد مقابلة الرئيس”. طلب إلي الابتعاد بإشارة من يده وكأنه يقول لي:”اسكتي قبل أن يسمعك أحد”. توسلت إليه بل أصررت قائلة إنه إن سمح لي بالدخول فقد تغير المقابلة حياتي بأكملها. وأخيراً تعاطف الشاب مع طلبي، وأشار عليّ أن أدخل مجمّع الكلية. ثم سألني ألا أخبر أحداً كيف دخلت البناء

انتظرت صابرة تحت الشمس المحرقةـ رأيته يقترب عندما انتصف النهار وقد شكل عناصر الأمن سلسلة تحيط به مع معاونيه العسكريين. اندفعت متجهة نحوه لكن عناصر الأمن منعوني من الاقتراب منه. دفعني أحد مسؤولي الأمن بمرفقه دون أن ينظر إليّ وكدت أن أقع على الأرض. عندها أشار إلى عناصر أمنه أن يبقوا في الخلف، وطلب إلي أن أتقدم نحوه، فجريت مسرعة جعلت رأسي يصطدم بصدره وببعض العنف. تملّكني الحرج لكنني لم أشأ أن أفقد تلك اللحظة الثمينة. تجاهلت اصطدامي به وبدأت التكلم بأدب، وحرصت على أن يكون نطقي واضحاً: سيدي الرئيس، أنا بثينة شعبان من قرية المسعودية. حصلت على الشهادة الثانوية. كنت الأولى في حمص والرابعة في سورية لكن المرسوم الذي أصدرته حديثاً لم ينصفني. وأبي غير قادر على إرسالي إلى الجامعة ولذلك مستقبلي بين يديك!” ولما كنت شابة صغيرة فقد اعتقدت أن المسعودية هي مركز الكون وأنني بذكر اسمها في التماسي سأجذب انتباه الرئيس على الفور.” نظر الرئيس إلي وابتسم ثم قال:” لا تقلقي يا بنتي ستنالين ما تريدين”وطلب إلي أن أعود إلى بيتي وأنتظر أن يردني شيء من القصر الجمهوري
وردت الدعوة من المكتب أسرع كثيراً مما توقغت. في الواقع أتت في اليوم التالي تماماً. لم يكن لدينا هاتف في البيت. لذلك اتصل القصر الرئاسي هاتفياً بمكتب مدير الناحية في جب الجراح وطلب حضوري إلى دمشق صباح اليوم التالي لمقابلة الرئيس. وبدأت الاستعداد للرحلة الطويلة إلى العاصمة السورية . كانت تلك أول مرة أسافر فيها إلى دمشق. أذكر أن والدي لم يكن مرتاحاً لسفري ثانية، وكان قلقاً عليّ لكنه لم يرغب في منعي من ذلك علّني أكون على حقّ
وصلت إلى قصر المهاجرين، أخبرني مدير تشريفات القصر الجمهوري حينها خليل السعداوي أن ليس لي إلا عشر دقائق أروي فيها قصتي للرئيس من ألفها إلى يائها. أشرت برأسي موافقة، فقد كنت سأقبل بأي شرط لمجرد مقابلة الرئيس مرة أخرى. قلت في نفسي إن كل ما أحتاجه هو دقيقتين. دخل الرئيس الغرفة التي أُجلست فيها منتظرة. كان طويلاً آسراً كما رأيته قبل يومين في الكلية العسكرية. بدأ بالسؤال عن مشكلتي بالتحديد، وقال: تفضلي يا بنتي، كيف يمكن لي أن أساعدك؟
ولمّا كنت أعيد استظهار القصة في ذهني على مدى أيام، فقد انطلقت بالجواب فوراً من دون تردد.” سيادة الرئيس لقد أصدرت مرسوماً تشريعياً يمنح الطلاب العشرة الأوائل في البكالوريا العلمية راتباً شهرياً لإتمام دراستهم الجامعية، ومنحت الثلاثة الأوائل فقط في البكالوريا الأدبية هذه المنحة الشهرية. وأنا نلت الدرجة الأولى على محافظة حمص في شهادة البكالوريا والرابعة في القطر. والحقيقة أنني كنت أطمح أن أدرس البكالوريا العلمي وأختص بالهندسة، ولكن ليس هناك فرع علمي في كل قرانا، ولذلك اضطررت إلى دخول الفرع الآدبي. ولم أعرف لماذا أعطيت المنحة لعشرة الأوائل في العلمي، والثلاثة الأوائل في الأدبي، ولماذا لم تُعط الأول في كل محافظة مثلاً؟ قد يكون العشرة الأوائل كلهم من دمشق، أو من مدرسة واحدة. أما من نال المرتبة الأولى على محافظة دير الزور مثلاً أو درعا أو حمص فلا نصيب له، وماذا يمكن للطالب أن يفعل أكثر من أن ينال المرتبة الأولى على محافظته؟ لم أفهم غاية التمييز لصالح الفرع العلمي مادام الاختصاص العلمي يكاد يكون معدوماً في معظم ريفنا”. بينما كنت أتكلم وأستفيض في الشرح كي أضمن أنّني قد عبّرت عن قضية مهمة غير قابلة للرفض، ساورني بعض الخوف من أن هذا رئيس جمهورية، وقد يزعجه ما قلته، أو يعدّه انتقاداً له، وبدأت أسأل الله أن يكون جوابه لطيفاً. وأّلّا يعبّر عن انزعاجه منّي ولكن ما إن صمتّ ونظرت إليه محاولة أن أقرأ قسمات وجهه قبل أن أسمع جوابه، حتى رأيته يأخذ نفساً عميقاً ويقول لي:”معك حق”. لم أكد أصدق ما أسمع. الرئيس يقولي لي معك حق، وأنا الطالبة الصغيرة القادمة من قرية المسعودية، والتي ترى دمشق أول مرة! ومعي حق
بعد ذلك سألني عن قريتي وعن وضع الناس هناك وإن كان لدينا كهرباء أو خطوط هاتف في القرية، وأجبته بالنفي مع إيضاحات عن واقع قرى ريف حمص الشرقي الأمر الذي دفعه إلى تمديد المقابلة إلى أربعين دقيقة, كان متشوقاً إلى معرفة السبب في أن قرى سوريا لا تزال تعيس في الظلام في النصف الثاني من القرن العشرين. قلت لنفسي: ” حقاً أنك مجنونة يا بثينة! هذا رئيس جمهورية ماذا يمكن أن يدفعه إلى الجلوس معم والاستماع إلى قصصك؟” انتهى اللقاء نهاية ودّية، وقبل أن أخرج، طلب إليّ أن أتصل بالسيد أبو سليمـ وأعطى تعليماته أن يتمّ إعلامه إن اتصلت لطلب أيّ شيء
أثناء عودتي إلي قريتي في الحافلة، ضبط السائق المذياع على إذاعة دمشق. وكان أول خبر في النشرة الإخبارية هو تعديل الرئيس حافظ الأسد مرسومة السابق المتعلق بالمنح المخصّصة للمتفوقيق الأوائل. شعرت بقشعريرة تسري في أوصالي. فرئيس الجمهورية لم ينتظر يوماً واحداً لتغيير القانون، ولابد من أنه وقّع المرسوم الجديد فور خروجي من مكتبه! أردت أن أقول لكل ركاب الحافلة” هل سمعتم ذلك؟ لقد غيّر الرئيس القانون بسببي أنا!” تمكنت من ضبط نفسي وانتظرت حتى وصلت إلى المسعودية، حيث بدأت أصرخ فرحة في الوقت الذي كانت فيه أسرتي وأصدقائي قد بدأوا بالاحتفال وأطلقوا على القانون الجديد تسميتهم الخاصة

“قانون بثينة”

بعد سنوات عديدة، حين أصبحت أستاذة في جامعة دمشق ومستشارة في وزارة الخارجية، طلب إليّ الوزير فاروق الشرع أن أرافقه في سيارته لحضور “اجتماع مهم” كان ذلك غريباً، فالشرع لم يطلب مني قبل ذلك مرافقته إلى أي اجتماع من هذا النوع. وفي الطريق أخبرني أن المطلوب أن أقوم بالترجمة بين الرئيس حافظ الأسد وضيفه. تملّكني الخوف وخطرت في ذهني مليون فكرة: ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو تلعثمت. هل سيتذكّرني ؟ ماذا لوخيّبت أمله.
حين دخلنا حيّانا الرئيس الأسد من دون أن يصدر عنه ما يدلّ على أن تذكر لقاءنا السابق قبل عشرين عاماً. قلت في نفسي، ستكون معجزة إن تذكّر. لم أكن سوى مواطنة سورية، وواحدة من العدد الهائل من المواطنين الذين قابلهم خلال الأشهر الأولى من توليه الرئاسة. كنت متوترة جداً وربما ظهر ذلك جلياً على وجهي. ربّت على كتفي وقال: لا تخافي يا بنتي، إن أخطأنا فسنكرر ما قلناه، وليست المسألة خطيرة” وكان استعماله ضمير الجمع المتكلم في قوله أخطأنا يدل على طريقته المهذبة في القول: إن أخطأت أنت
وحين انتهى الاجتماع، بعد مغادرة الضيوف الأمريكيين مباشرة، التفت الرئيس الأسد إليّ وقال:ماذا كان سيحدث لنا لو أننا لم نرسلك إلى الجامعة. كنا سنجلس هنا اليوم من دون مترجم

 Bouthaina Shaaban

Damascus Diary: An Inside Account of Hafez al-Assad’s Peace Diplomacy, 1990-2000

Read Full Post »

الثقة المفرطة التي تمنحنا أيّاها تزكية الأصدقاء لكتاب ما، قد لا تودي بالضرورة للنتيجة المرجوة. أتكلم بالتأكيد عن أشخاص يشاركوننا المزايا التعبوية في الفكر والمزاج والحماس مما يودي بنا إلى توقعات هائلة تُبنى عليها لاحقاَ خيبة مضاعفة
هل حماستي المفرطة التي تقودني لاقتراح أمر ما على الأصدقاء المقرّبين قد تلقى خيبة لدى البعض منهم ؟! كان لابد من هذا السؤال
حصل الأمر معي ذات مرة حين اقترحت رواية “عزيزة” على صديق وأقول عزيزة لأنها من ذلك النوع الذي يُحتضن بعد الانتهاء منها، لأعود لتناولها مرة أخرى بنهم المرة الأولى
الرّواية كانت العمى، لجوزيه سارماغو، تلك التي أًصابتني بعمى واختناق، قادني إلى اقتراحها على صديقي الذي رأى فيها رواية تصلح كقصة للأطفال تحمل كمية من الحكم المُعلّبة والجاهزة التي تفضي إلى نهاية كلاسيكية بانتصار الخير واضمحلال الظلام،العمى، الشر
انزعجت قليلاً..في الواقع انزعجت كثيراً، ربماً كثيراً جداً، قلت لنفسي: العمى بقلبه
لاحقاً، كففت عن تناول النصائح بحماسة فور تلقّيها، عَمدت إلى تركها على الرف الأعلى ريثما يبرد الزخم. وقت جيد يجب أن يمر بما يكفي لأن أدّعي اللامبالاة بالنتيجة، بعدها أجذب الكتاب من رقبته ببرود، أنتظر أن يتعثر الخطى، ولايطول انتظاري

عدّاء الطائرة الورقية للكاتب الأفغاني خالد حسيني كانت آخر ما وضع في سلّة: تمهل مطب قرائي

حسناً فلنعترف بأن الحديث عن أفغانستان ما قبل طالبان مثير للاهتِمام. الحديث عن بلدان وُلدنا بعد أن تغيرت ملامحها للأبد حتى بات الحديث عن امرأة حاسرة الرأس وسط شوارع كابول، ترتاد الجامعة، تستمتع للموسيقى وتدندن معها، أمر أشبه بمزحة لا تُضحك، أمر غير قابل للتصديق. دبّت الحماسة بي، ظنَنت أنّني أمام ميلان كونديرا الأفغاني، وسأجلس لأيام أراقب في ما يشبه سيرة ذاتية كيف تتبدل الأوطان، ويتغير شكلها

في ستّينيات القرن الماضي ُولِد”أمير”بطل الرواية وصوتها المتكلّم طيلة ثلاثمئة صفحة بهتت بسرعة البرق، السقوط الدراماتيكي ليس بسبب فكرة الرواية غير القابلة للتطور، فالقصة تدور حول تأريخ مرحلة تاريخية أشبه بمنعطف بدأ بانتهاء عصور الملكية، ومن ثم الغزو (لايمكن أن تحمل قصة أحداثاً أكثر إثارة من تلك) لكن طريقة صبغ الرواية بطابع هندي-تركي منفّر جعل الكتاب يبرد قبل أن تنتهي الصفحة مئة. أما ما تبقى فهو بمثابة جلد نفس لي، ذلك أن هجران كتاب أمر لا يغتفر، والشروع بالقراءة يحتّم انهاء ما قد بدأت به
ما المشكلة! وهل يجب على الرواية أن تكون دائماً كالحلوى المفضلة لدينا؟ هل كرهي لأمير الذي تدور الرواية حوله وبصوته هو السبب! الشخصية منفّرة، ليست جبانة كما يحاول الكاتب أن يُظهرها، بل خسيسة وسفيهة. حتى أكثر الروايات إمعاناً في وصف “الأشرار” قادرة على الخوض بنا إلى العمق لسبر الشخصية. هل يعقل أن تكون هناك شخصية أكثر إجراماً من “راسكولنكوف” في الجريمة والعقاب، سارق، مجرم وقاتل، لكن دوستويفسكي يضخّ الرغبة الهائلة فينا لفهم بطله، وقراءته من الداخل، لمصادقته، لرؤية ماوراء الخير والشر. أما ما لا أفهمه في هذه الرواية هو ترك نذالة”أمير” راكدة دون معالجتها، رغم أننا رافقنا “أمير” منذ ولادته 1964 بما يشبه سيرة ذاتيه فكيف لا نفهم منبع الخسّة المتأصلة في طبعه
الرواية تفتقر لمعالجة شخصية البطل في العمق، باستثناء والد أمير وصديقه حسّان، الجميع يعمل على دفع الأحداث لا أكثر. حتى الأحداث والزمن لم يعملان على بلورة الشخصية، مجرد تقدّم عمري لا أكثر. كل ما فعله خالد حسيني هو ملامسة الخارج في كل شيء دون الولوج إلى العمق مقدار إنش معتمداً على إثارة موضوع الحديث عن أفغانستان، الأمر الذي باعتقادي جعل من هذا الشيء المدعو “عداء الطائرة الورقية ” رواية مباعة بملايين النسخ حول العالم
في الجزء الثاني من الرواية، بعد احتلال أفغانستان، لم يعد هناك مونولوجات لـ”أمير” الطفل بل سرد للأحداث كما لو أن القاص ليس إلا معلّق رياضي على مبارة كرة قدم
لا أدري إن كانت الترجمة قد ساهمت في إضفاء هذا الطابع. افتعال أحداث وبقاء الشخوص كما هي غير قابلة للتطور، رحلة التكفير عن الذنب بالنسبة لـ”أمير” كانت لفظية. مرّة أخرى لم يفلح الكاتب عبر صفحات الكتاب الطويلة في أن يلمس العمق. و النتيجة..مطب قرائي

كتاب آخر انضم للسلة المطبات القرائية، لأسباب مختلفة. هذه المرة الاقتراح جاء من مدوِّنة رائعة تُدعى هيفاء، رغم هجراني للقراءة الالكترونية لما يقارب السنة إلا أن مدوّنتها كانت من الأماكن القليلة التي احتفظت بزيارتي لها. الدخول إليها يصحبه شعور محبّب بالدفء والسحر في آن معاً، بثقافتها الغنية البعيدة عن الاستعراض، استمتع بالتهام نصائحها في الموسيقى والأفلام كذلك في الروايات وأطباق الطعام. اقترحت في مدونتها الأسبوع الفائت رواية تُدعى: الدفتر الكبير للكاتبة أغوتا كريستوف تتحدث عن بشاعة الحرب وقسوتها على الأطفال
سارعت إلى تنزيل الرواية، لأقوم بالانتهاء منها سريعاً. أستطيع أن أوجز الحديث عنها بعبارات: مجموعة من الأحداث تصف الأفعال بعيداً عن المشاعر. وأنا أجد صعوبة في رواية تقص الأحداث دون أن تجعل من شخصيات الرواية أصدقاء لي. الرواية قاسية، بشعة، مفرطة في الشذوذ الذي يصبح طبيعياً في زمن الحرب. آلمتني الرواية دون أن أشعر بالقرب منها، بل على العكس.. نفور شديد

منذ زمن جاءت نصيحة موسيقة عرّفتني على “غالية بن علي”، هذه المرّة النصيحة كانت كالذهب ، رغم أنّها جاءت من “صديقة” سابقة لم تفلح معها الموسيقى لأن تصبح أجمل، أنظف. لكن احتفظت لها بالامتنان ذلك أنّها قادتني إلى أغنية غالية الوحيدة التي بقيت عالقة لشهور طويلة تُعاد مرات ومرات دون أن تُستهلك ودون المحاولة للبحث عن أغاني آخرى لها. شعرت أن غالية هي مطربة الأغنية الواحدة وتلك كانت أغنيتها

قبل أيام شاهدت مقابلة معها على إحدى المحطّات. جميلة، بسيطة، عفويةـ حقيقية، ضاجة بالفرح كقرع طبول افريقية. تضم قدميها بطريقة طفولية، تغني بمتعة غريبة، تبحث عن كلماتها بالعربية التي لا تجيدها، تضحك باسترسال أما مضيفها البارد الذي لم يعلّمه الشعر الذي يدّعي كتابته كيف يقنع وجهه بابتسامة، ولم يعلّمه عمله كمقدّم برامج أن لايلتقي بشخصية لا يشعر بالود ازاءها. بدا كرجل مسن كريه يهوى تمزيق كرات أطفال الحي(لطالما بدا لي كذلك)، بدت كطفلة مشاغبة بروح ساحرة

تكتب الشعر، تغنّي، ترقص، وترسم أيضاً… عقّبت على ذلك قائلةً: لدي فيض ! أشعر أن لدي فيض هائل
أولئك الذين لديهم فيض يطوون بحياتهم حيوات عديدة، لكنّهم نادراً مايتمتلكون الرغبة بالفيض على الملء

.إلى الأرواح الجميلة في كلّ مكان..فيضوا تصحّوا

Read Full Post »

كان غابو ينتظر طائرته المتوجهة إلى نيويورك من مطار شارل ديغول في باريس حين قيّض له أن يرى: أجمل امرأة في حياته

مخطوف الأنفاس، مبهوراً حتى الثمالة جلس يراقب الفتاة العشرينية ببشرتها الغضّة بلون القمح وعينيها اللوزيتين الخضراوين، وشعرها الأسود المنسدل حتّى الكتفين وقد أُحيط وجهها بهالة من سحر الشرق. حين صعد إلى الطائرة وجد جميلته تجلس في المقعد المجاور له! “إن قُدِّر لي يوماً أن أكتب هذهِ القصة، قال يحدّث نفسه، فلن يصدّقني أحد”. استقرّت الجميلة الحسناء في مقعدها كما لو أنّها ستلازمه دهراً، طلبت كوب من الماء، ابتلعت قرصين ذهبيين، وضعت الوسادة في فجوة عند نافذة الطائرة، تدثّرت حتى خصرها دون أن تخلع حذاءها لتتكوّم في وضع شبه جنيني وتنام دون تنهيدة. وفي هذا الوضع بقيت لثماني ساعات أبدية و اثنتي عشر دقيقة وهي مدة الرّحلة إلى نيويورك
“لاشيء في الوجود يفوق جمال امرأة جميلة، تمتم غابو لنفسه”

بات من المستحيل عليه أن يفلت دقيقة من سحر هذا المخلوق الخرافي الراقد إلى جواره. تفحصها عدّة مرات سنتيمتراً سنتيمتراً،  قبل كل كأس كان يتجرّعه، يرفع كأسها عالياً ليشرب نخبها:نخبكِ، جميلتي

هذه القصة هي واحدة من “أثني عشر قصة تائهة” لغابرييل غارسيا ماركيز، واسمها: “طائرة الجميلة النائمة” يستلذ فيها الحكّاء المدهش كعادته كمافي الروايات كذلك في القصص بممارسة الإبهار بخفّة ساحر يخرج من قبّعته قبيلة من الأرانب، يدفعك للابتسام، وربّما القهقهة طويلاً كما حدث معي وأنا ألتهم أحداث رحلته التي تنتهي باستيقاظ جميلته النائمة من تلقاء نفسها في نهاية الرحلة، ليتأمّلها متحسّراً وهي ترمي بالغطاء جانباً، تنفض شعرها بخفّة، تطرّي وجهها بالمساحيق…لتضيع بعدها بين الجموع قبل أن تتوارى نهائياً في مجاهيل نيويورك..و ليكمل غابو على طائرة الحسناء النائمة طريقه إلى مكسيكو مجترّاً دفعات الحنين لجمالها بعد أن نقل لنا العواصف التي اجتاحته على مدار الساعات الثمانية.

لا أدري كيف ساقتني الصدف في الآونة الأخيرة لأن أطالع هذهِ القصة في مكانين مختلفين لتأتي الثالثة قبل أسبوع من الآن حين كانت توطئة رواية ساحرة تُدعى ” بيت الجميلات النائمات” لـ ياسوناري كاواباتا هي قصة الجميلة النائمة التي يستحضرها ماركيز في مقدّمة الكتاب بعد أن ينمنم القصّة بتفاصيل الصدف التي قادته لاكتشاف ياسوناري كاوباتا
ساقتني صدف من نوع آخر إلى بيت الجميلات النائمات، أشبه بطريق بدأت مؤخراً السير به بعد اكتشافي المتأخّر أن اولئك المتشابهي الأوجه والسحنة ذو الميول الغرائبية والثقافة الجمعية الإنتحارية في بلاد الآلات والأرقام وحضارات التاو والساموراي لديهم أدب..وأيّ أدب! ذاك الذي تتنهد بعد قراءة قطعة منه وتتمتم بأنّ ما فاتك الكثير حقاً
تتوالى الروايات والكتّاب جونيتشيرو تانيزاكي، كازوو إيشيغيرو، يوكو ميشيما(اثنان منهم أنهوا حياتهم انتحاراً) لأصل إلى الروائي الأعظم في اليابان ياسوناري كاوباتا والذي أنهى حياته بسيف طقوسي بَقرَ به أمعاءه بعد سنوات على منحه جائزة نوبّل للآداب 1968 على روايته المذهلة التي علّق عليها ماركيز: إنّه الكتاب الوحيد الذي وددت لو أكون كاتبه
في رحلة غابو على متن طائرة الجميلة النائمة تتراءى له تجربة”إيغوشي” بطل رواية “بيت الجملات النائمات” ماثلة أمامه، غير أن ذلك لم يمدّه بأي متعة كحال بطل كاواباتا. كان الشيء الوحيد الذي تمنّاه خلال الساعة الأخيرة من الطيران هو أن يوقظ المضيف تلك الحسناء ليتمكن هو من استرجاع حرّيته..وربّما شبابه

house-of-the-sleeping-beauties-by-Yasunari Kawabata
لا أحداث حقيقية تدور في فضاء “بيت الجميلات النائمات” بل كون مُغرق في الغرابة، ترتدي فيه الكلمات والأشياء لبوس آخر ومعنى جديد المتعة هنا مغايرة لما قد نعرفه، الحياة، الموت، اللذة
ماتدور حوله الرواية يبدو بالغ الأسى.. رجل يهبط سلم العمر وفتاة تصعد الدرجة الأولى منه..مُسن و شابة تحت سقف منزل غريب يقع في ضواحي طوكيو، بداخله دمى حيّة من أكثر فتيات المدينة جمالاً، يرقدن عاريات تحت تأثير مخدّر ليستلقي إلى جانبهن عجائز دفعوا مبالغ طائلة ليتمتّعوا بالشكل الأخير الأكثر نقاءً للحب

العجائز لايملكون حق إيقاظ الفتيات أو لمسهن،  لايمتلكون حتّى القدرة على ذلك.. ما يملكونه حقّاً هو إمكانية الحلم وكل ما يجنوه من ارتيادهم لهذا المنزل نفحات من ذكريات الشباب

“ثمّة زبائن يقولون إنّهم رأوا أحلاماً جميلة أثناء نومهم. آخرون تذكّروا أيام الشباب”

إيغوشي هو صوت المونولوج الطويل على مدى صفحات الرواية، المُسن الذي قصد هذا النزل ليستغرق في عالمه المالح العذوبة بعيداً عن قرف العيش، الوحدة والشيخوخة
رحلة اكتشاف هول الشيخوخة لدى العجوز”إيغوشي” كانت تمر عبر استذكار حوادث ترقى للطفولة البعيدة بقيت محفوظة في ذاكرته لتُبعث بالصورة الأكثر صفاءً وحياةً أمام جسد حسنائه الغارقة في نوم سباتي المستسلمة ببراءة غافلة عن كل شي في الوجود

ربّما ليس هناك بوذا للعجائز لكي يبتهلوا إليه لكن هناك فتاة عارية جميلة يضمّونها بين أذرعهم ذارفين دموعاً باردة غارقين فى شهقات قوية منتحبين فتاة غافلة عن كل شىء ولن تستفيق مطلقاً تمنحهم حرّيتهم المطلقة فى الندم حريتهم المطلقة فى النحيب دون أن يشعروا بأي ندم أو طعن في كبريائهم.. أفلا يمكن إذاً اعتبار الجميلات النّائمات من هذه الوجهة آلهةمثل بوذا ونابضات بالحياة فوق ذلك ؟ أليست رائحة فتاة شابة وبشرتها تكفيراً للعجائز التاعسين وتعزية لهم

قدرة”إيغوشي”صوت كاوباتا الحيّ في الرواية على الوصف مذهلة (أدرك الآن رغبة ماركيز لكتابته تلك الرواية. رائحة شيخوخة مماثلة تسري في روايته:ذاكرة غانياتي الحزينات)..وصف دقيق، هادئ، ومسترسل بانسياب لكل فتاة..تكاد تشعر أن الفتاة تستلقي أمامك، لتصبح يدا إيغوشي المنسابة على ملامحها وأجزاء جسدها كاميرا حيّة

” أزاح إيغوشي الستارة ونظر إلى الفتاة النائمة كاتماً أنفاسه أمام الجمال اللامتوقع لها. لم يكن جمالها الشيء الوحيد غير المتوقّع، بل فتوّتها أيضاً. كانت مستلقية على جانبها الأيسر، وجهها مكشوف وباقي جسدها غير مرئي. على الأرجح لم تبلغ العشرين بعد…كما لو أن قلباً جديداً خفق بأجنحته في صدره. كيف تسنى لثدى الأنثى البشرية وحدها من بين جميع الكائنات أن يتخذ بعد تطور طويل هذا الشكل الرائع! أليس الجمال الذى بلغه نهد المرأة المثال الأبهى لتطور الإنسانية

كل ليلة كانت فتاة جديدة تستلقي بنضارة شبابها، باستكانتها المستفزّة، برقادها العذب وبخدرها اللامبالي في الغرفة المخصّصة له. يتأمّلها طويلاً في البداية، يعاينها ويقلّبها بين ذراعيه، يسترجع ذكرياته كشريط صور يجري أمام عينيه، تمر نساء حياته واحدة تلو الآخرى. يرى حبيبته الأولى تلك التي صعقتهُ بجمالها لدرجة أن الدموع انهمرت من عينيه، والدته التي صدمه أن يتذكّرها في ذلك المكان، زوجته، بناته الثلاث، عشيقاته…خيباته وبهجاته
النهاية تأتي صادمة كأفضل ما تكون النهايات اللامتوقّعة لكنّها مفتوحة..ولانهائية لشخص مثلي قد تؤرقه حياة الكائنات العالقة في الرّواية حتّى بعد إغلاق دفّتي الكتاب
“للعجوز الموت وللشاب الحب، نموت مرّة واحدة ونحب مرّات عديدة “

الجميلات يرقدن هنا بالنسخة العربية من ترجمة ماري طوق *

Read Full Post »

و شعرت أني مثل أيوب  ..

وتباهى الرّب بعبده أيوب. باستقامته وتقاه، فسأله الشيطان: أمجاناً يتّقيك ؟

فأطلق الله يد الشيطان، كي يضربه في أهله وأملاكه. ففقد أولاده العشرة وكل ما يملك، لكنّه لم يخطئ بحق الله. فازداد الله تباهياً بعبده أيوب. فطلب الشيطان أن يصيبه بلحمه ودمه.أطلق الرب يده فأصاب الشيطان أيوب بقرح من أخمص القدم إلى قمة الرأس، فاشتدت آلامه، وأنكرته زوجته، وانفضّ عنه غلمانه وعبيده .. لم يكن لأيوب أن يعرف أنّه ضحية رهان متبجّح بين الله والشيطان. ولأنه كان عميق الإيمان وحسن النية، لم يخطر بباله  أنه يمكن أن تجري في السماء التي يشعشع فيها الرب، ألعاب ومراهنات دامية إلى هذا الحد. ولهذا دفعه قلبه البريء، وآلامه التي لا تحتمل إلى محاججة الله : لكنّي إنما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجج الله . . . ما الذي لي من الآثام والخطايا. أعلمني معصيتي و خطيئتي. لِما تواري وجهك وتعتدّني عدواً لك! لِما تكتب علي معاملات عنيفة وتُلحق بي آثام صباي!؟.. قد اكتسى لحمي دوداً وجلدي تقلص وتمزق. ما الإنسان حتى تستعظمه  وتميل إليه قلبك وتتعاهده كل صباح، وتبتليه كل لحظة. إلى متى لا تصرف طرفك عني ولا تمهلني ريثما أبلع ريقي . أقول لله لا تؤثمني. أعلمني على أي شيء تحاكمني . . . إنّما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجّ الله

 

كان عزاءً كبيراً لأيوب، الذي يتفسخ، أن يحاجج الله، وأن يلومه من طرف خفي، لأن النعيم في هذه الدنيا مقسوم للمنافقين والأشرار، في حين تضرب يد الله الأبرار، وتبتليهم بأقسى أنواع المصائب. والغريب أن اله الذي كان يعرف أن أيوب لا يستحق أيّاً من المصائب التي توالت عليه. وأن كل ما أحاق به نتيجة رهان متبجّح بينه وبين الشيطان، فقد أغضبه أن يحاججه إنسان، حتى ولو كان صادق الطاعة والإيمان. ولهذا كلّم الرب أيوب وقال :  ” اشدد حقويك وكن رجلاً “ .ثم بدأ يعدد متباهياً ما خلق من أرض وسماوات ونجوم وجبال ووديان وحيوانات وطيور وبحار ورياح. ليختم كلامه لأيوب : ” اشدد حقويك وكن رجلاً. إني سائلك فأخبرني ألعلك تنقض قضائي. أتؤثمني لتبرر نفسك. ألك مثل ذراع الله. أترعد بمثل صوتي. إذن فتزيّن بالعظمة والسمو، والبس المجد والبهاء ” . ويواصل الله تأنيبه حتى يتضاءل أيوب.  ويتلاشى صوته منكراً مقالته، ونادماَ على محاججته

 

يعوّض الله أيوب أضعاف ما خسره من صحة وولد ورزق. ولكن بعد أن عطّل عقله، واعتذر عن المحاججة، وتحوّل كائناً صغيراً، يضع برضى وتسليم حياته ومصيره وكل ما يصيبه بيد القادر الذي خلقه ولم يترك له إلّا حرية العبادة والطاعة والرضا مهما اشتدت عليه ألوان الظلم والعذاب

لقد حاجج أيوب ربّه، أما أنا فمن أحاجج ! وليس لدي إلّا هذا اليقين البسيط و الموحش

.من الظلام جئت وإلى الظلام أعود

رحلة في مجاهل موت عابر

سعد الله ونوس

Read Full Post »

Older Posts »

%d bloggers like this: