Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘لستُ بقارئ’ Category

IMG-20150119-WA0000

Advertisements

Read Full Post »

“وادي الصامتين غنيّ الجِناب، سنيّ الرجاء، سكوتهُ بيان، وربّ سكوتٍ أبلغُ من كلام”

 

فلنعد بالزمنِ إلى الرابع عشر من شباط، عام 1970. وتحديداً إلى أحدِ دور العجزة حيث نستطيع أن نميّز بين نزلاءِ المكان رجُلاً مسنّاً ضئيل القامة ينكبُّ على أوراقه وأقلامه في انهماكٍ عجيب كما لو أنّهُ في سباقٍ مع الزمن. يتنقّل بين سريره ذو القضبان الحديدية و منضدة صغيرةٍ إلى جوار السرير تكدّست فوقها الكتب والمجلّدات. لقد أصبحت تلك الفسحة المخصّصة له بأمتارها القليلة بمثابةِ فضاءه الصغير الذي يجوب عبره عوالمه الداخلية. بعد مضي عامٍ على التاريخ المذكور أعلاه، وتحديداً في اليوم الواحد والعشرين من كانون الثاني 1971، وُجدَ الرجل متكوّماً على أوراقه و مخطوطاته. لقد أسلم الروح! ولأنَّ لا أهلَ له أو وَلَد أُرسِل إلى المقبرة دون أن يتُمّ إعلامُ أحدٍ بموته.  ولأنّه “العاشق السيء الحظ” الذي شاءت الأقدار أن يرحل في ذلك اليوم الشتائي البارد دون جنازةٍ أو مشيّعين، توانى التُربي _حفّار القبور_ عن إيجادِ مكانٍ ملائمٍ لراحة جسد الغريب المجهول ليلقي به في ممرٍّ طولاني بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالةٍ على اسمه وليبقى مكان دفنه مجهولاً إلى الأبد

سنعودُ لاحقاً لتلك المفارقة الساخرة، فالرجلُ الذي اُعتبر “غريباً” عن المدينة، لا نزخرف قولنا أو نبالغ به عندما نشير إلى  أن المدينة تُختصر في اسمه. ولنبقى في نهار الرابع عشر من شهر شباط قبل سنةٍ من وفاته، حيث هَبط الظلام على  رجلنا في جلستهِ الأثيرية وقد تضرّم خداه حتى أصبحا كزهر الأرغوان. ولو أنّ أحداً رآه في تلك الساعة لأخذه العجب في أمر هذا الرجل الذي سالت دموعه على وجهه الذي أشرق بالفرح، فلا يعرفُ الناظر إليه حاله إن كان حزناً أو فرحا

:داعب كفّه الخشبية بأصابع يده اليمنى، أمسك قلمهُ وكَتب

يا صاحبي القارئ. أهمس لك أني وحدي وحدي ثم إني مضطّر – وأنا ابن السبعين – أن أعمل في أضنى عمل لأربح قوت يومي ولأربح ثمن أدويتي، ثم إني اصطلحت على جسمي الواهي ضروب الأسقام لم تسمع هذه الأسقام مني آهةً قط، حتى لمّا بتر المنشار العظم دوم مرمّد، بل تشاهد بسمة الرجاء من رب حنون. أرخى القلم وأسدل جفنيه المتعبتين على تزاحم الصوّر ليُكشَف الستار عن مسرح ذكرياته. يعود إلى ذاك اليوم المشؤوم حين انتثرت يده، وهو في العشرين من عمره، جراء كميةٍ من البارود كان يحملها اثناء عرضٍ مسرحيٍ كان يعملُ على إخراجه. قُدّر ليده اليمنى اليتيمة أن تحمل كامل المهمّة على عاتقها طوال رحلة العمر المضنية التي قضاها في فاقةٍ وعوز، ليس له من مورد سوى ما يتقاطر عليه من مهنة التعليم والأحاديث الإذاعية التي كانت بالكاد تؤمّن ثمن طعامه وأدويته،  وقيّض لتلك الكفّ اليتيمة أن تكتب ثلاثة عشر مجلّداً من بينها  الكتابُ الموسوعة التي استغرق في جمعِ مفرداته وتعابيره ثلاثة عقودٍ ، وصانها من أن تعبث بها يد الضياع  ، والليلة بدا أن المهمة كادت تشرف على نهايتها. تأمّل ما بين يديه من صفحات، ثمانية آلاف من القطع الكبير كَتبها وأعاد نسخها بيده اليتيمة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوانٍ مختلفة لتسهل طباعتها يوماً ما، لونٌ للمتن، الشرح، التشكيل، والذيول. تلك الموسوعة التي خصّ بها مدينته ولهجتها وضروب بيانها، ومفرداتها، قواعدها وأمثالها، حكمها وتهكّماتها، شعرها ومواويلها، نوادرها ومزاحها، قراها وبواديها، حارتها وعاداتها، تعابيرها وآدابها وتندراتها ومعتقداتها وخرافاتها! شارفت على النهاية

يطلق زفرةً حارة متعبة، يتناول كتاباً إلى جانبه، ويحرك شفتيه مصدراً صوتاً بالكاد يسمع، بعد أن غابت النبرةُ التي اُشتُهِرَ بها ذات الملامح الحادة الساخرة. يقلّب صفحات الكتاب ويعود بها إلى الصفحة الأولى، يتلو بصوتٍ مرتجف: حـلـب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلتُ خبزي إلا بعرق جبيني. منحتكِ، يا حلـب  كل ما انطوى عليه قلبي من كنوز الخير، وكتبت على النفس أن تضنى لرسالتها فحرامٌ على قلبي أن ينال بلّةً من الماء، إن كان في البله ما يمسّ مثله، وحرامٌ على قلبي ألا يولّى الجميل جميلاً، وأكثر. يا ليالي الطوى! لتكن ذكراك هانئة، فصباحها يطلع على بأثرٍ جديد، ينعم وينعم بدفء الأنس بين مجلدات خزانتي

يا نقمة الطغاة في حلـب، تُسفك، وتسلب، ثم تتغنى بالمجد! شكراً، فقد علمتني فن حرب الحياة. يا يوم أن انتثرت يدي! ليكن مطلّك برداً، وسلاماً، فللمثل العليا قدمت قرباناً من لحمي ودمي!يا شمعة الحياة، أحرقتها في الدرس، والتدريس

حلب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلت خبزي إلّا بعرق جبيني. حلـب! ولا منّة لي عليك، فهودج الكرامة الذي اعتزّ به إنما هو من سرادقات عزتك.وأنت يا بن حلـب الكريم! الذي ابحث عنه بفانوس ديجون ردّ على غيري نعمتك، فعندي الغني، وكنز الرضى

.تتلاحق أنفاسه بسرعة، يكرّر العبارة: عندي الغنى وكنز الرضى.. عندي الغنى وكنز الرضى

.

.

..هامش وثيق

قبل بضعة أيام، قام السوريون عامةً وأهل حلب خاصةً ولفيفٌ من الكائناتِ الإنسانية الحيّة من شتّى أصقاعِ المعمورة بالتضامن مع مدينة حلـب التي شهدت أسبوعاً دامياً لم يكن ليشكّل إلا حلقة أخرى في السلسلة الطويلة اللامتناهية من الصراع الدموي المستمر منذ سنوات! وبعيداً عن شكل التضامن الملفت الغريب(لون أحمر قرمزي صبغ مواقع التواصل الاجتماعي، مع سيل هاشتاغي وجداني) والذي ولأسبابٍ مبهمة(البعض منها منطقي، والآخر يمتُ إلى المشاعر التي لا سبيل إلى تفسيرها) قادني إلى شعورٍ مفاده أن لا شموس تنتظرنا في نهايةِ هذا السرداب الطويل الذي نسلكه منذ أعوام. وأن هذه الجموع البشرية وصلت إلى الدرك الأسفل ولا أقصد بالجموع البشرية تلك المتقاتلة فيما بينها فلا أحد يختلف في أمرهم، بل أقصد الجموع المتعاطفة التي اكتست “حماراً”!  وما زاد الأمر غرابةً أن المشاعر لم تدم طويلاً فاستغرق  الأمر لدى البعض ساعات وامتد لدى آخرين حتى أيامٍ معدودة، فلا أحد يطيق صبراً على التعاطف لزمنٍ أطول مع قضيةٍ لا تمسّه بشكل شخصي وسوريّا لم تعد تمسّ ابنائها بشكل مطلق إلا فيما يتقاطع مع مصالحهم الشخصية.وكي لا أسترسل في السرد طويلاً، استوقفني ضمفي معرض حملة التضامن الغريبة تلك، إحدى المواقع التي أعادت نشر مقالةٍ كتبتها قبل زمن عن علّامة حلب” خير الدين الأسديّ”، لقد زامن الموقع ذو التوجّهات العلمية إعادة نشر المقال عن أيقونة المدينة  كنوعٍ من التضامن مع المدينة المنكوبة، المثير للسخرية أن الاسم لم يستوقف الجموع من أبناء حلب، أولئك الذين لم يسمعوا برجلِ يُدعى: خير الدين الأسدي!  لكنهم في الوقت ذاته يرثون أوابد مدينتهم وتاريخها والحال الذي آلت عليه، كما لو أنّ الأمر ليس صنيعة أيديهم

ويلي عليهم لقد ماتت المدينة يوم رحيل الرجل

.

.

عودة إلى بدء..

بعد مرور أربعين يوماً على رحيل الرجل المنسي، قرر لفيفٌ من الأصحاب إقامة حفل تأبين كتكفيرِ لنسيان المدينة  والدولة لابنها العاشق. وتأتي المفاجأة  أن تمّ خطأً ادراج اسم: ضياء الدين أسد في سجل الموتى بدلاً من اسمه. وتأتي المزحة السمجة حين أخبرهم التربي “حفار القبور” بأنّه ألقى بالميت الخفيف الوزن ذو الذراع المقطوعة واقفاً في ممرٍ شاقوليٍ بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالة

 تضاربت الروايات حول النهاية، قيل لاحقاً أنّ الجثة بيعت لطلّاب كلّية الطب في حلب، لكنّ ما هو مؤكّد أن لا أحد يعلم حتى اليوم أين دُفِنَ خيرالدين الأسدي

.

.

سيرة ذاتية

على جذر شجرة نارنج حلبية في حيّ الجلّوم الحلبي  وُلد خير الدين الأسدي عام 1900، درس في شمس المعارف على يدّ خيرةِ علماء حلب، وامتهن التدريس حتى آخر سنواته في مدارس حلب الحكومية والخاصة حيثُ علمّ العربية بنحوها وصرفها وآدابها. فقدَ كفّه اليسرى جراء كميةٍ من البارود، إذ كان يقوم مع طلابه بتقديم مسرحيةٍ عن الاستقلال مع بدايات الانتداب الفرنسي على سوريّا. أتقنّ عدّة لغات من بينها اللغات السريانية والسامية وبعض اللغات الأوربية. اُشتهر بولعه في الترحال والأسفار وجمع المقتنيات الأثرية حيث جاب البلاد العربية بشمالها الأفريقي وجنوبها العربي وبعضاً من الدول الأوربية ويظهر ذلك جلياً  في خزائنه التي ضمت مجموعةً من التحف الفريدة وصوراً تزيدُ عن أربعين ألف صورة رُتبت على حروف الهجاء. كانت شراهته للمعرفة من كلّ نوع لا تعرف حدوداً، حتّى أنه قاد بنفسه حملةً للتنقيب عن الإنسان الحلبي الأول في كهوف حيّ “المغاير”. لم يعشق أحد حلب كما فعل فقد بحث في أصل حلب وتاريخها و موقعها وثقافتها وطرز حياتها وتقاليدها ويظهر ذلك في موسوعته التي عمل عليها لما يزيد عن ثلاثة عقود حتى آخر سنوات عمره في دار العجزة، حيث أضاف مئات الصفحات إليها في أيامه الأخيرة وهو راقدٌ في سريره. وتجلّت أمنيته الوحيدة في أن يرى عملهُ مطبوعاً بعد أن أعاد نسخة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوان لتسهيل عملية طباعة موسوعته يوماً ما.  مورده الوحيد كان من مهنة التدريس وذهبت مدخراته جميعاً إلى تمويل أسفاره الدائمة. في بداية حياته كان ينزع إلى التدين نتيجةُ لنشأته الدينية، ومن ثم عُرف عنه اعتناقهُ للبهائية، لكنه في النهاية اتّجه للتصوف. تأثر بشدّة بحافظ الشيرازي، زعيم الشعر الصوفي وملهمه وأستاذه، فأطلق على نفسه “حافظ القرن العشرين” وعلى أثر ذلك جاء كتابه الأجمل -بالنسبة لي- ” أغاني القبّة” وهو نفحاتٌ من الشعرِ الصوفي المنثور

 .لم يول الاهتمام الكافِ أو ما استحقّه من تقدير، عانى من المرض والعوز آخر سنوات عمره ومات وحيداً سنة 1971

بعد رحيله بأعوام قامت جامعة حلب بطباعة موسوعة حلب المقارنة في سبع مجلّدات كما أطلق  اسمه على أحد شوارع حلب وسُميت أحد قاعات المطالعة في المكتبة الوطنية باسمه.

عن سيرة حياته هنا

.

.

..النور وحدهُ يُسامر النور، فيا ويح قلبي إذا ما اغترب

 

Read Full Post »

الثقة المفرطة التي تمنحنا أيّاها تزكية الأصدقاء لكتاب ما، قد لا تودي بالضرورة للنتيجة المرجوة. أتكلم بالتأكيد عن أشخاص يشاركوننا المزايا التعبوية في الفكر والمزاج والحماس مما يودي بنا إلى توقعات هائلة تُبنى عليها لاحقاَ خيبة مضاعفة
هل حماستي المفرطة التي تقودني لاقتراح أمر ما على الأصدقاء المقرّبين قد تلقى خيبة لدى البعض منهم ؟! كان لابد من هذا السؤال
حصل الأمر معي ذات مرة حين اقترحت رواية “عزيزة” على صديق وأقول عزيزة لأنها من ذلك النوع الذي يُحتضن بعد الانتهاء منها، لأعود لتناولها مرة أخرى بنهم المرة الأولى
الرّواية كانت العمى، لجوزيه سارماغو، تلك التي أًصابتني بعمى واختناق، قادني إلى اقتراحها على صديقي الذي رأى فيها رواية تصلح كقصة للأطفال تحمل كمية من الحكم المُعلّبة والجاهزة التي تفضي إلى نهاية كلاسيكية بانتصار الخير واضمحلال الظلام،العمى، الشر
انزعجت قليلاً..في الواقع انزعجت كثيراً، ربماً كثيراً جداً، قلت لنفسي: العمى بقلبه
لاحقاً، كففت عن تناول النصائح بحماسة فور تلقّيها، عَمدت إلى تركها على الرف الأعلى ريثما يبرد الزخم. وقت جيد يجب أن يمر بما يكفي لأن أدّعي اللامبالاة بالنتيجة، بعدها أجذب الكتاب من رقبته ببرود، أنتظر أن يتعثر الخطى، ولايطول انتظاري

عدّاء الطائرة الورقية للكاتب الأفغاني خالد حسيني كانت آخر ما وضع في سلّة: تمهل مطب قرائي

حسناً فلنعترف بأن الحديث عن أفغانستان ما قبل طالبان مثير للاهتِمام. الحديث عن بلدان وُلدنا بعد أن تغيرت ملامحها للأبد حتى بات الحديث عن امرأة حاسرة الرأس وسط شوارع كابول، ترتاد الجامعة، تستمتع للموسيقى وتدندن معها، أمر أشبه بمزحة لا تُضحك، أمر غير قابل للتصديق. دبّت الحماسة بي، ظنَنت أنّني أمام ميلان كونديرا الأفغاني، وسأجلس لأيام أراقب في ما يشبه سيرة ذاتية كيف تتبدل الأوطان، ويتغير شكلها

في ستّينيات القرن الماضي ُولِد”أمير”بطل الرواية وصوتها المتكلّم طيلة ثلاثمئة صفحة بهتت بسرعة البرق، السقوط الدراماتيكي ليس بسبب فكرة الرواية غير القابلة للتطور، فالقصة تدور حول تأريخ مرحلة تاريخية أشبه بمنعطف بدأ بانتهاء عصور الملكية، ومن ثم الغزو (لايمكن أن تحمل قصة أحداثاً أكثر إثارة من تلك) لكن طريقة صبغ الرواية بطابع هندي-تركي منفّر جعل الكتاب يبرد قبل أن تنتهي الصفحة مئة. أما ما تبقى فهو بمثابة جلد نفس لي، ذلك أن هجران كتاب أمر لا يغتفر، والشروع بالقراءة يحتّم انهاء ما قد بدأت به
ما المشكلة! وهل يجب على الرواية أن تكون دائماً كالحلوى المفضلة لدينا؟ هل كرهي لأمير الذي تدور الرواية حوله وبصوته هو السبب! الشخصية منفّرة، ليست جبانة كما يحاول الكاتب أن يُظهرها، بل خسيسة وسفيهة. حتى أكثر الروايات إمعاناً في وصف “الأشرار” قادرة على الخوض بنا إلى العمق لسبر الشخصية. هل يعقل أن تكون هناك شخصية أكثر إجراماً من “راسكولنكوف” في الجريمة والعقاب، سارق، مجرم وقاتل، لكن دوستويفسكي يضخّ الرغبة الهائلة فينا لفهم بطله، وقراءته من الداخل، لمصادقته، لرؤية ماوراء الخير والشر. أما ما لا أفهمه في هذه الرواية هو ترك نذالة”أمير” راكدة دون معالجتها، رغم أننا رافقنا “أمير” منذ ولادته 1964 بما يشبه سيرة ذاتيه فكيف لا نفهم منبع الخسّة المتأصلة في طبعه
الرواية تفتقر لمعالجة شخصية البطل في العمق، باستثناء والد أمير وصديقه حسّان، الجميع يعمل على دفع الأحداث لا أكثر. حتى الأحداث والزمن لم يعملان على بلورة الشخصية، مجرد تقدّم عمري لا أكثر. كل ما فعله خالد حسيني هو ملامسة الخارج في كل شيء دون الولوج إلى العمق مقدار إنش معتمداً على إثارة موضوع الحديث عن أفغانستان، الأمر الذي باعتقادي جعل من هذا الشيء المدعو “عداء الطائرة الورقية ” رواية مباعة بملايين النسخ حول العالم
في الجزء الثاني من الرواية، بعد احتلال أفغانستان، لم يعد هناك مونولوجات لـ”أمير” الطفل بل سرد للأحداث كما لو أن القاص ليس إلا معلّق رياضي على مبارة كرة قدم
لا أدري إن كانت الترجمة قد ساهمت في إضفاء هذا الطابع. افتعال أحداث وبقاء الشخوص كما هي غير قابلة للتطور، رحلة التكفير عن الذنب بالنسبة لـ”أمير” كانت لفظية. مرّة أخرى لم يفلح الكاتب عبر صفحات الكتاب الطويلة في أن يلمس العمق. و النتيجة..مطب قرائي

كتاب آخر انضم للسلة المطبات القرائية، لأسباب مختلفة. هذه المرة الاقتراح جاء من مدوِّنة رائعة تُدعى هيفاء، رغم هجراني للقراءة الالكترونية لما يقارب السنة إلا أن مدوّنتها كانت من الأماكن القليلة التي احتفظت بزيارتي لها. الدخول إليها يصحبه شعور محبّب بالدفء والسحر في آن معاً، بثقافتها الغنية البعيدة عن الاستعراض، استمتع بالتهام نصائحها في الموسيقى والأفلام كذلك في الروايات وأطباق الطعام. اقترحت في مدونتها الأسبوع الفائت رواية تُدعى: الدفتر الكبير للكاتبة أغوتا كريستوف تتحدث عن بشاعة الحرب وقسوتها على الأطفال
سارعت إلى تنزيل الرواية، لأقوم بالانتهاء منها سريعاً. أستطيع أن أوجز الحديث عنها بعبارات: مجموعة من الأحداث تصف الأفعال بعيداً عن المشاعر. وأنا أجد صعوبة في رواية تقص الأحداث دون أن تجعل من شخصيات الرواية أصدقاء لي. الرواية قاسية، بشعة، مفرطة في الشذوذ الذي يصبح طبيعياً في زمن الحرب. آلمتني الرواية دون أن أشعر بالقرب منها، بل على العكس.. نفور شديد

منذ زمن جاءت نصيحة موسيقة عرّفتني على “غالية بن علي”، هذه المرّة النصيحة كانت كالذهب ، رغم أنّها جاءت من “صديقة” سابقة لم تفلح معها الموسيقى لأن تصبح أجمل، أنظف. لكن احتفظت لها بالامتنان ذلك أنّها قادتني إلى أغنية غالية الوحيدة التي بقيت عالقة لشهور طويلة تُعاد مرات ومرات دون أن تُستهلك ودون المحاولة للبحث عن أغاني آخرى لها. شعرت أن غالية هي مطربة الأغنية الواحدة وتلك كانت أغنيتها

قبل أيام شاهدت مقابلة معها على إحدى المحطّات. جميلة، بسيطة، عفويةـ حقيقية، ضاجة بالفرح كقرع طبول افريقية. تضم قدميها بطريقة طفولية، تغني بمتعة غريبة، تبحث عن كلماتها بالعربية التي لا تجيدها، تضحك باسترسال أما مضيفها البارد الذي لم يعلّمه الشعر الذي يدّعي كتابته كيف يقنع وجهه بابتسامة، ولم يعلّمه عمله كمقدّم برامج أن لايلتقي بشخصية لا يشعر بالود ازاءها. بدا كرجل مسن كريه يهوى تمزيق كرات أطفال الحي(لطالما بدا لي كذلك)، بدت كطفلة مشاغبة بروح ساحرة

تكتب الشعر، تغنّي، ترقص، وترسم أيضاً… عقّبت على ذلك قائلةً: لدي فيض ! أشعر أن لدي فيض هائل
أولئك الذين لديهم فيض يطوون بحياتهم حيوات عديدة، لكنّهم نادراً مايتمتلكون الرغبة بالفيض على الملء

.إلى الأرواح الجميلة في كلّ مكان..فيضوا تصحّوا

Read Full Post »

و شعرت أني مثل أيوب  ..

وتباهى الرّب بعبده أيوب. باستقامته وتقاه، فسأله الشيطان: أمجاناً يتّقيك ؟

فأطلق الله يد الشيطان، كي يضربه في أهله وأملاكه. ففقد أولاده العشرة وكل ما يملك، لكنّه لم يخطئ بحق الله. فازداد الله تباهياً بعبده أيوب. فطلب الشيطان أن يصيبه بلحمه ودمه.أطلق الرب يده فأصاب الشيطان أيوب بقرح من أخمص القدم إلى قمة الرأس، فاشتدت آلامه، وأنكرته زوجته، وانفضّ عنه غلمانه وعبيده .. لم يكن لأيوب أن يعرف أنّه ضحية رهان متبجّح بين الله والشيطان. ولأنه كان عميق الإيمان وحسن النية، لم يخطر بباله  أنه يمكن أن تجري في السماء التي يشعشع فيها الرب، ألعاب ومراهنات دامية إلى هذا الحد. ولهذا دفعه قلبه البريء، وآلامه التي لا تحتمل إلى محاججة الله : لكنّي إنما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجج الله . . . ما الذي لي من الآثام والخطايا. أعلمني معصيتي و خطيئتي. لِما تواري وجهك وتعتدّني عدواً لك! لِما تكتب علي معاملات عنيفة وتُلحق بي آثام صباي!؟.. قد اكتسى لحمي دوداً وجلدي تقلص وتمزق. ما الإنسان حتى تستعظمه  وتميل إليه قلبك وتتعاهده كل صباح، وتبتليه كل لحظة. إلى متى لا تصرف طرفك عني ولا تمهلني ريثما أبلع ريقي . أقول لله لا تؤثمني. أعلمني على أي شيء تحاكمني . . . إنّما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجّ الله

 

كان عزاءً كبيراً لأيوب، الذي يتفسخ، أن يحاجج الله، وأن يلومه من طرف خفي، لأن النعيم في هذه الدنيا مقسوم للمنافقين والأشرار، في حين تضرب يد الله الأبرار، وتبتليهم بأقسى أنواع المصائب. والغريب أن اله الذي كان يعرف أن أيوب لا يستحق أيّاً من المصائب التي توالت عليه. وأن كل ما أحاق به نتيجة رهان متبجّح بينه وبين الشيطان، فقد أغضبه أن يحاججه إنسان، حتى ولو كان صادق الطاعة والإيمان. ولهذا كلّم الرب أيوب وقال :  ” اشدد حقويك وكن رجلاً “ .ثم بدأ يعدد متباهياً ما خلق من أرض وسماوات ونجوم وجبال ووديان وحيوانات وطيور وبحار ورياح. ليختم كلامه لأيوب : ” اشدد حقويك وكن رجلاً. إني سائلك فأخبرني ألعلك تنقض قضائي. أتؤثمني لتبرر نفسك. ألك مثل ذراع الله. أترعد بمثل صوتي. إذن فتزيّن بالعظمة والسمو، والبس المجد والبهاء ” . ويواصل الله تأنيبه حتى يتضاءل أيوب.  ويتلاشى صوته منكراً مقالته، ونادماَ على محاججته

 

يعوّض الله أيوب أضعاف ما خسره من صحة وولد ورزق. ولكن بعد أن عطّل عقله، واعتذر عن المحاججة، وتحوّل كائناً صغيراً، يضع برضى وتسليم حياته ومصيره وكل ما يصيبه بيد القادر الذي خلقه ولم يترك له إلّا حرية العبادة والطاعة والرضا مهما اشتدت عليه ألوان الظلم والعذاب

لقد حاجج أيوب ربّه، أما أنا فمن أحاجج ! وليس لدي إلّا هذا اليقين البسيط و الموحش

.من الظلام جئت وإلى الظلام أعود

رحلة في مجاهل موت عابر

سعد الله ونوس

Read Full Post »

Image

      وهكذا عِشتُ دهراً بين الناس مُتنكّراً بِالفضيلة حتى كِدتُ أن أنقرض وبني جنسي..
هلّلتُ لِلخير وأهله أنا وأبناء جلدتي ورفعت يدي مُجبراً  إلى السماء تلك التي أنزلتني من عليائها في غَابر الزمان
لا تسرق لا تقتل لا تزني لا تنّم لا تحسد
هذهِ الثَرثَرة القَديمة الّتي تُحسب حِكمة وتَخرج من أفواهِ القدّيسين كرائحة نَتنة من جوف جيفة ومازالت زمرة من بني البشر يعملون بِها حتّى جاء ربيع الزمان وأَزهر الرمّان وتفتّحت الجِنان فقضمنا بأفواهِنا وصايا الأتقياء وكتب القتل وصاياه
.

.

.
.الشرّ أقول لكم ..إن في الأشرار من البدائع الشيء الكثير لم تنكشف للإنسان حتى اليوم
الخير !! أي متعة تلك التي تحصدونها يا ابناء قومي من فعل الخير !؟
أين الثملون بخمرة الدماء ..أين الشذّاذ الجريئون !؟
كم من الأمور أُعتبِرت شروراً في هذا الزمان وغداً سيولد ماهو أعظم منها …شرور لم تمسسها يد بعد..ولم تخطر على بال
لقد استولى علينا البرد دهراً ….واستكانت الرذيلة وظهرت فضائل جمّة يدعونها خيراً
.وقد آن الآوان ..لكسر الآمان
.

.

دخل هردابشت ساحة السوق وقد استيقظت شهواته بعد رقاد طويل وتبدلت هيئته

:خطب  الهردبشتي في الناس المجتمعة
اسمعوا فما جئت إلّا لِأخلص الخراف من سطوة القطيع
انظروا أيّها الرفاق،تعلّموا من هو ألدّ أعدائكم ، ذاك الذي استعذب صمتكم الطويل
.إليّ بالرفاق فقد انبثقت الحقيقة في أفق نفسي بين فجرين
زعق هردابشت والحبور يملأ نفسه : هذا سَيفي، وهذه بَلطتي فهلمّوا ورائي
هَتف فتى بين الجموع: نطقت بالحق يا هردابشت وما أنت إلّا الصاعقة التي انتظرناها
وانهمرت الدموع من مآقي أمرأة وصرخت :لقد تفّطر قلبي يا هردابشت ، إن في عينيك ما يفصح بأكثر من بيانك عما ينتظرك من أخطار في سعيك إلى الحريّة وقدأصبحت في بحثك عنه مرهف الحس كالسائر في منامه
وقال شيخ طاعن في السن :لقد اشتاقت روحنا إلى الحريّة،بل غرائزنا السيئة نفسها اشتاقت للحرية
رفع هردابشت يده ..فسكتت الجموع
يا رفاق .. إنّ وحوشكم التي لُجِمت دهراً تطلب حريّتها ، فهي تنبح حزينة في سراديبها ، حطّموا ابواب سجونكم كلّها
إنّ ارواحكم تَتّصف بالحزن لكن وا أسفاه وَجَب عليها أن تكون مراوغة شريرة لتصل إلى مرادها
يارفاق المعارك القادمة…إنّي أحبّكم من صميم الفؤاد
إنّي عارف مافي قلوبكم من حقد وغضب..أنتم من العظمة بحيث لا يمكنكم أن تتجاهلوها..فلتكن عظمتكم رادعة لكم عن الخجل بما في قلوبكم
لتكن أنظاركم منطلقة تفتش عن عدو لكم لِتصلوا معه حرباً تناضلون فيها من أجل أفكاركم..وإن سقطت الفكرة في المعترك فلا بأس ..ستبقى الدماء على أسنّة الرِماح مُنتصبة هاتفة لكم بالظفر
أنتم الشعب ..والشعب لا يفهم ما هي الحكومة بل ينفر منها
لأنّها تتجه بنا نحو الفناء وليس ما تقوله إلّا كذبا وليس ما تملكه إلّا نتاج سرقتها واختلاسها
هاجت الجموع وماجت وهبّت إلى هردابشت تُشبِعه عِناقاً وتقبيلاً

(وتهاوت الرِكاب جاثية وبين الراكعين كثير من طوال الآذان وقصار النظر(أجلّكم
.الحق أقول لكم أنا أنّهم كانوا كالسائرين في منامهم

.

.

.
حَشد الهردبشتيون أموالهم وازدادت ذخائرهم ،تنَاهشوا والتهموا بعضهم الآخر وليس لهم قوة على هضم ما يلتهمون ،ليس فيهم إلّا الخسّة والوضاعة
أنا هردابشت الخسيس الوضيع ،اختلست ثمرة جهود المخترعين وكنوز الحكماء والأقدمين وادّعيت الاختلاس تمدّناً
انظروا إلينا ..نحن حَفدة القرود نَتَسلّق بعضنا الآخر متدافعين متمرّغين في الأوحال كلّ مِنّا يطمح إلى التقرّب مِن العرش فلا سعادة إلّا على مَقربة مِنه
جُنّ جُنوننا ..قروداً لا تسكن لنا حركة تنبعث منا أحبّ الروائح وأخبثها
ولم تزل الحياة “الحرّة” تفتح أبوابها لنا ..فطوبى لنا نحن القِردة المُسوخ
الشرّ أقول لكم لا يظهر القرد الأصيل في الحياة إلّا حيث تنتهي حدود الحكومات فهنالك يتعالى نشيد الضرورة بنغماته المحرّرة من كل  مطاوعة وتقييد
نحن موجِدي السنن الجديدة والعالم يدور دورته الخفيّة حولنا ، وحَولنا تَدور الأمجاد وعلى هذه الوتيرة سيسير العالم الجديد
ميدان الجماهير يغصّ بالغوغائيين والشعب يُفاخر برجاله الجدد ،أسياد الساعة
ولكن الساعة تتطلب السرعة يا رِفاق ..نَطلب منكم إعلان رفضكم أو قبولكم والويل الويل..لمن وقف حائراً بين نعم أو لا
:إن الصِغار الأدنياء لا يفهمون العظمة..ونفوسهم الضّيقة الضحلة لا تدرك كنه عبارة

“إن كل حياة عظيمة إنّما هي حياة مجرمة”
القلوب الضعيفة تظن أن قطع الرقاب مهنة كريهة. وهناك عقول خائرة تَتوهم أن سيافاً مثلي لا يذوق الراحة في رِقاده.ولكن أقول،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول. هذه المهنة تسكرني باللذة . أي نشوة حين أهوي بالبلطة! أي متعة حين يتدحرج الرأس ! أي نشوة حين تنبثق نوافير الدم!
آه..إذا لم أبق سيافاً فماذا أستطيع أن أكون! ..أقول ،وأنا أعرف جيداً ماذا أقول ..لاشيء مجرد ظل أو غبار

هكذا تكلم هردابشت ..ومشى نفرٌ من الناس خَلفه كما السائرون في نومهم ومازالوا حتى يومنا هذا ..

عن “هَكَذا تَكَلّم زَرَادشْت” لِ فريدريك نتشه*
.بتصرّف مِن هردابشت العربي

Read Full Post »

رغم طول المادة المدرجة أدناه ومحاولتي إيجاز ما تيسر لي إلا أنني وددت لو أستطيع أن أعيد كتابة ما التهمته بشغف ونهم للمرة الثانية هذا العام  وإن كُنت على يقين أنّهُ كلما ازداد طول النص  المبسط والمختصر للغاية على أيّة حال ، فهذا يعني مرور العين سريعاً على الأسطر دون تطرق لِفحوى المحتوى من قِبل القارئ الذي للمرة الأولى أحرص أن يشاركني بهجة…المعرفة  فقط لا أكثر

الكتاب هنا،  يندرج تحت تصنيف علم النفس الإجتماعي، وهو بنسخته المترجمة للعربية-ترجمة هاشم صالح- سلس وبسيط ولا يتجاوز 200 صفحة بالإمكان قراءته في أوقات نشرات أخبار يوم عطلة ما سوف ينتهي بالتأكيد. الإصدار الأول للكتاب كان عام 1895 . أمّا عن مؤلّفه غوستاف لوبون فهو  مؤسس علم نفسية الجماهير أو على الأقل منظّره الأول،استخلص قوانين السلوك البشري المتأثر بالجمهور أو المنخرط فيه موجهاً ضربة  لذلك التصور عن الطبيعة البشرية الذي ترتكز عليه النظرية الكلاسيكية للديمقراطية والأسطورة الديمقراطية للثورات

‘توطئة’

.

.

 : اكتشاف ظاهرة الجماهير في العصر الحديث

عندما ظهرت الجماهير كحقيقة واقعة وضخمة وهدّدت النظام الاجتماعي القائم حاول المفكرون أن يفهموها ويدرسوها وقد تبلورت معهم على الشكل الآتي
الجماهير هي عبارة عن تراكم من الأفراد المتجمعين بشكل مؤقت على هامش المؤسسات وضد المؤسسات القائمة . بمعنى آخر  الجماهير مؤلفة من أشخاص هامشيين وشاذين عن المجتمع وهكذا نجد الجمهور يتطابق -بحسب هذه النظرة الأخيرة-مع “الرعاع” و “الأوباش” إنّهم رجال ونساء بدون عمل محدد ، مستبعدون من ساحة المجتمع الفعلية ،الشكل الآخر الذي طُرح  هو أن الجماهير مجنونة بطبيعتها فالجماهيرهي التي  تصفق بحماسة لمطربها المفضل أو لفريق كرة القدم الذي تؤيده  والتي تصطف على جانبي الطريق ساعات وساعات لكي تشهد من بعيد مرور شخصية مشهورة أو زعيم كبير للحظات خاطفة . والجماهير المهتاجة التي تهجم على شخص لكي تذبحه دون أن تتأكد من أنّه هو المذنب جميعها مثال جيد على جنون الجماهير
فإذا ما أحبت الجماهير ديناً ما أو رجلاً ما تبعته حتى الموت كما يفعل اليهود مع نبيهم والمسيحيون وراء رهبانم والمسلمون وراء شيوخهم..كما أن الجماهير تحرق اليوم ما كانت قد عبدته بالأمس ، وتغيّر أفكارها كما تغير قمصانها
تكمن أهمية لوبون في أنّه اقترح خطاً ثالثاً لتفسير ظاهرة الجماهير تتلخص في أن الميزة  الأساسية للجمهور هي انصهار أفراده في روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على  التمايزات الشخصية وتخفّض من مستوى الملكات العقلية تماماً كما المركب الكيماوي الناتج عن صهر عدة عناصر مختلفة فهي تذوب وتفقد خصائصا الأولى نتيجة التفاعل. لم يوافق على نظرية أن الجماهير “مجرمة” بطبيعتها ، كما أنّها ليست فاضلة سلفاً
 هي مجرمة ومدّمرة أحياناً وقد تكون كريمة وبطلة  تضحي بدون مصلحة ، وأحياناً هذا وذاك في نفس الوقت ولكن في النهاية قوة الجماهير وجبروتها هي القوة الجديدة التي نهضت وترسخت في الوقت الذي راحت فيه عقائدنا القديمة تترنح وتتهاوى و نضال الجماهير هو القوة الوحيدة التي لا يستطيع أن يهددها أي شيء وهي القوة الوحيدة التي تتزايد هيبتها وجاذبيتها باستمرار لذا فإن هذا العصر هو عصر الجماهير
يُكمل غوستاف في فصل عواطف الجماهير وأخلاقيتها : إن الجماهير غير ميّالة كثيراً للتأمل ، وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية .ولكنّها مؤهلة جداً للإنخراط في الممارسة والعمل ،التنظيم ربّما يجعل قوتها ضخمة جداً ويضفي عليها القوة  والنزعة الطغيانية المتسلطة التي لا تقبل أي مناقشة أو اعتراض ، وهكذا نجد أن الحقوق الإلهية للجماهير قد أخذت تحل محل القانون الإلهي للملوك
التاريخ يعلّمنا أنّه عندما تفقد القوى الأخلاقية التي تشكّل هيكل المجتمع زمام المبادرة من يدها ، فإن الانحلال النهائي يتم عادةً على يد هذه الكثرة اللاوعية والعنيفة
حيث أن تدمير الحضارات العتيقة قد مثّل حتى هذه اللحظة الدور الأكبر الذي تلعبه الجماهير  وقد كانت الحضارات قد بنيت و وجهت حتى الآن من قبل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تبن أبداً من قبل الجماهير ،فهذه الأخيرة لا تستخدم قوتها إلّا في الهدم والتدمير ، كما أن هيمنتها تمثل دائماً مرحلة من مراحل الفوضى.فالحضارة-أية حضارة- تتطلب قواعد ثابتة،ونظاماً محدداً،والمرور من مرحلة الفطرة إلى مرحلة العقل ،والقدرة على استشراف المستقبل ،ومستوى عالياً من الثقافة.وكل هذه العوامل غيرمتوفرة لدى الجماهير المتروكة لذاتها فالجماهير بواسطة قوتها التدميرية فقط تمارس فعلها كالجراثيم التي تساعد على انحلال الأجسام الضعيفة أو الجثث ثم تنخر أسس الحضارة وتقوضّها ،وفي تلك اللحظة بالذات يتجلّى دورها وعندئذ تصبح القوة العمياء للكثرة هي الفلسفة الوحيدة للتاريخ
لنستسلم إذن لحكم الجماهير ، ذلك أن الأيادي الجاهلة قد حطّمت كل الحواجز التي كان بإمكانها أن توقفها عند حدّها
عندما نتكلم عن مصطلح جمهور من وجهة نظر نفسية،فإنّه يختلف تماماً عن معناه العادي  -تجمع لمجموعة لا على التعيين من الأفراد-ففي بعض الظروف المعينة يمكن لتكتل ما من البشر أن يمتلك خصائص جديدة مختلفة جداً عن خصائص كل فرد يشكله.فتنطمس الشخصية الواعية للفرد ، وتصبح عواطف وأفكار الوحدات المصغّرة المشكلة للجمهور موجهة في نفس الاتجاه وعندئذٍ تتشكل روح جماعية تتمتع بخصائص محددة ومتبلورة تماماً وخاضعة لقانون الوحدة العقلية للجماهير.وبالطبع ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار باتجاه واحد لا يتطلب بالضرورة حضوراً متزامناً في نقطة واحدة. إن آلاف الأفراد المنفصلين عن بعضهم البعض بإمكانهم أن يكتسبوا صفة الجمهور النفسي في لحظة ما وذلك تحت تأثير بعض الانفعالات العنيفة أو تحت تأثير حدث قومي عظيم
الظاهرة المدهشة أكثر في الجمهور النفسي هي التالية: أياً تكن نوعية الأفراد وكذلك اهتاماتهم ومزاجهم فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية وهذه الروح تجعلهم يتحركون بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي كان سيتحرك بها كل فرد منهم لو كان معزولاً! فالجمهور النفسي هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة لكنهم متراصّو الصفوف للحظة من الزمن
من هنا فإن  الكفاءات العقلية للبشر(المتجمهرين) وبالتالي فرادتهم الذاتية تُمحى وتذوب في الروح الجماعية وهكذا يذوب المختلف في المؤتلف وتسيطر الصفات اللاواعية مما يفسر لنا السبب في أن الجماهير لا تستطيع إنجاز الأعمال التي تتطلب ذكاء عالي

الفرد المنضوي في الجمهور يكتسب بواسطة العدد المتجمّع فقط شعوراً عارماً بالقوة وهذا ما يتيح له الانصياع إلى بعض الغرائز وهو ينصاع لها طوع واختيار لأن الجمهور”مُغْفَل” بطبيعته وبالتالي غير مسؤول.وهكذا فالفرد المنخرط في جمهور تتلاشى شخصيته الواعية مقابل هيمنة الشخصية اللاوعية بواسطة التحريض والعواطف والميل لتحويل الأفكار المحرّض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه وإنّما يصبح عبارة عن إنسان آلي  وبالتالي  ينزل درجات في سلم الحضارة فهو عندما يكون فرداً معزولاً ربّما يكون إنساناً مثقفاً متعقلاً ، ولكنه ما إن ينضم إلى الجمهور حتى يصبح مقوداً بغريزته وبالتالي همجياً وهو عندئذٍ يتصف بعفوية الكائنات البدائية وعنفها وضراوتها وحماستها وبطولاتها أيضاً ويقترب منها أكثر بالسهولة التي يترك نفسه فيها عرضة للتأثر بالكلمات والصور ليسير نحو الأفضل أو نحو الأسوء حسب الطريقة التي يتم تحريضه عليها أو تحريكه بها هكذايصبح من  السهل اقتيادهم إلى المذبحة والقتل باسم النضال  من أجل انتصار عقيدة إيمانية أو فكرة ما ، ومن السهل تحريكهم وبث الحماسة في مفاصلهم من أجل الدفاع عن المجد والشرف وبالإمكان تجييشهم واقتيادهم بدون خبز وبدون سلاح تقريباً كما حصل أثناء الحروب الصليبية من أجل “تخليص قبر المسيح من أيدي الكفار” ،أو من أجل الدفاع عن تراب الوطن بعد قيام الثورة الفرنسية بأربع سنوات فقط . صحيح أنها بطولات لا وعية إلى حد ما ، ولكن التاريخ لا يصنع إلا من قبل بطولات كهذه
إن العديد من خصائص الجماهير تتجلى في  سرعة الإنفعال والنزق والعجز عن المحاكمة العقلية وانعدام الرأي الشخصي والروح النقدية والمبالغة في العواطف والمشاعر كل ذلك نلاحظه لدى الأشكال الدنيا من التطور كالشخص المتوحش أو الطفل حيث ان الجماهير تحت تأثير المحرضات الخارجية بينما الفرد المعزول يمكنه أن يخضع لنفس المحرضات المثيرة كالإنسان المنخرط في جمهور ولكن عقله يتدخل وبيين مساوئ الانصياع لها وبالتالي..لا ينصاع الفرد المعزول لأنّه يمتلك من الأهلية والكفاءة للسيطرة على ردود فعله ما لايمكله هو نفسه داخل الجمهور
والإنفعالات التحريضية ليست بالضرورة مجرمة أو جبانة ربّما تكون كريمة وبطولية لكنها سوف تكون دائماً قوية ومهيمنة على نفوس الجماهير إلى درجة أن غريزة حب البقاء نفسها تزول أمامها بمعنى أنها مستعدة للموت من أجلها
المحرضات قادرة على تهييج الجماهير والجماهير تنقاد إليها دائماً بحيث أنها تنتقل في لحظة واحدة من مرحلة الضراوة الأكثر دموية إلى مرحلة البطولة المطلقة.وهكذا بإمكان الجمهورأن يصبح  بسهولة  جلاداً ولكن يمكنه بنفس السهولة أن يصبح ضحية وشهيداً  فمن أعماقه سالت جداول الدم الغزيرة الضرورية لانتصار أي عقيدة أو إيمان جديد فالجماهير لا تبخل أبداً بحياتها عندما يحدث الهياج الشعبي
لاشيء متعمد لديها أو مدروس أقصد الجماهير فهي تستطيع أن تعيش كل أنواع العواطف وتنتقل من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق وتحت تأثير المحرض السائد في اللحظة التي تعيشها
وهذه الصفة الحركية المتغيرة التي تتميز بها الجماهير تجعل من الصعب حكمها وخصوصاً عندما يسقط جزء من السلطات العامة في يدها .إن الجماهير ترغب في الوصول إلى الاشياء بنوع من السعار المجنون ما أن تصل حتى لا تثبت على مرادها لفترة طويلة فهي عاجزة عن الإدارة الدائمة مثلما هي عاجزة عن التفكير الدائم والمستقر وكما الجمهور انفعالي ومتقلب فهو همجي لا يعبأ بأي عقبة تقف بين رغبته وبين تحقيق هذه الرغبة والعدد الكبير للجماعة يشعره بامتلاك قوة لا تقاوم
الانسان المعزول يعرف جيداً أنه لا يستطيع أن يحرق قصراً أو أن ينهب مخزناً ولكن ما إن ينخرط في جمهور حتى يحس بالقوة الناتجة عن العدد والكثرة وكل عقبة مفاجئة تعترض طريقه يكسرها بجنون مسعور
إنه في حالة من الترقب لأي اقتراح وأول اقتراح يفرض نفسه مباشرة على الجمهور الشارد على حافة اللاوعي  المتلقي بطيبة خاطر كل الاقتراحات والأوامر مبدياً سذاجة وسرعة تصديق منقطعة النظير فيصبح المستحيل غير موجود بالنسبة له ومن هنا تخلق الأساطير والحكايات الأكثر غرابة وشذوذ وتشيع وتنتشر بسهولة في أواسط الجماهير
ويلاحظ أن العواطف التي تعبر عنها الجماهير سواء أكانت طيبة ام شريرة تتميز بطابع مزدوج بمعنى أنها متضخمة جداً ومبّسطة جداً إن بساطة عواطف الجماهير وتضخيمها يحميها من عذاب الشكوك وعدم اليقين فالجماهير كالنساء تذهب مباشرة نحو التطرف حالما يبدر خاطر ما يتحول إلى يقين لا يقبل الشك
الشعور البسيط بالنفور أو حتى الكره لدى الشخص العادي يتحول إلى حقد هائج أعمى لدى الفرد المنخرط في جمهور .وعنف عواطف الجمهور يزداد تضخماً لدى الجماهير الغير متجانسة حيث يتحرر الأبله والجاهل والحسود من الإحساس بدونيتهم وعدم كفاءتهم وعجزهم ويصبحون مجيشين بقوة عابرة لكن هائلة
إن الجماهير إذ تُحرَّض بذكاء تصبح قادرة على البطولة والتفاني من أجل قضية نبيلة وهي أكثر قدرة على ذلك من الإنسان المعزول وبما أنّه لا يمكن تحريك الجماهير والتأثير عليها إلّا بالعواطف المتطرّفة فإن الخطيب الذي يريد جذبها ينبغي أن يستخدم الشعارات العنيفة ويبالغ في كلامه ويؤكد بشكل جازم ويكرر دون أن يحاول إثبات أي شيء عن طريق المحاججة العقلانية
وهكذا ما كان يشكل شعباً و وحدة وكتلة متراصة يصبح في نهاية المطاف عبارة عن ركام من الأفراد  يتم الحفاظ على وحدتهم الشكلية بطريقة اصطناعية ثم يصبح الناس منقسمين من حيث المصالح والمطامح ولا يعودون يعرفون كيف يحكمون أنفسهم.وعندئذٍ يطلبون بأن يُقادوا ويُحكموا في كل شاردة و واردة من أعمالهم ويطلبون من الدولة أن تمارس عليهم تأثيرها المهيمن أو لا يعود للحضارة أي ثبات فتسقط تحت رحمة كل الصدف أو الحوادث الطارئة
ويمكن أن تبدو الحضارة لامعة لفترة أخرى أيضاً لأنها تحافظ على الواجهة الخارجية المصنوعة من قبل ماضٍ طويل ولكنها في الواقع لم تعد إلا صرحاً منخوراً لم يعد أي شيء يدعمه وبالتالي فهو قابل للسقوط بمجرد هبوب أول عاصفة
وهذه هي دورة الحياة الخاصة بشعب ما: الإنتقال من حالة البربرية إلى حالة الحضارة عن طريق ملاحقة حلم ما ، ثم الدخول في مرحلة الإنحطاط والموت ما إن يفقد هذا الحلم  الذي تبنّته الجماهير قوته

Read Full Post »

%d bloggers like this: