Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘موسيئا’ Category

dsc_0047

متل الفرس ..مشنشلي مشنشلي

شارع مزدحم بمارته، حدّ التخمة، كحياةٍ أُفرغت للتو من علبتها البرّاقة الجديدة
رصيفان ضيّقان متوازيان أحدهما للمارة والمتّسكّعين، والآخر احتلّت مساحته الصغيرة مقاهٍ عصرية الطابع يتخلّلهما شارع بالكاد يتّسع لسيارتين أفقياً
الخطوط الثلاثة المتوازية  تُشكّل مهرجاناً للحواس بالكاد يمكن للمرء أن يفلت منه..لكن في الوقت ذاته من الصعب أن يتوقف طويلاً أمامه
إنه من ذاك النوع السريع الامتصاص، سريع الزوال..كفتاة جميلة تتهادى أمامك لتأسر نظرك ، من ثم يتلاشى كل شيء عند ناصية الشارع حيث غابت..وتنسى وكأنها لم تكن

كان الوقت مساءاً و الازدحام في ذروته. أفلحت أخيراً في  إيجاد طريقٍ لي  وسط الجموع للدخول إلى المبنى. وسط أضواء السيارات والموسيقى الصاخبة ، الأحاديث والضحكات المتفرقة  ينبثق فجأةً “مخول قاصوف”  من بين الجموع!

كان الأمر كقبلة خاطفة على العين:التقطتت أنفاسي، صممت أذنيّ عن الصخب لالتقط

!غمازة ال عالخد، ما الها اسم
والخد قدامي

ومكحلة والكحل راسمها رسم
مين البرا قلامي

حسناً الصوت يصدر من سيارة وليس من المقهى القريب.. بقي أن أعرف أينها، تجاوزت البناء، أينها ؟! يجب أن أعرف من هو

ومشنشلي متل الفرس

كانت قد تجاوزتني، لم يكن الصوت مرتفعاً، إنه يستمتع مع أناه بمفرده، غاب عن النظر لكن لم يتجاوز الحواس

ألمّت بي رغبة جارفة أن ألقي عليه تحية..أن أقول له: أسعد الله مساؤكم..أو أبتسم ملوحةً له فقط
لا أعرف سبب الدهشة في النهاية، هي مجرد أغنية أستطيع سماعها متى أشاء، بل واستحضارها ساعة أريد، لكن الأمر أشبه بسماع لغتك الأم في غربة لك، لتشعر فجأة بحنين إلى نفسك
وحنين إلى أبناء جلدتك أينما كانوا .. الدهشة ليس من “المتوحّدين” في عوالمهم فهم كُثر، الدهشة كانت مِما خلّفه هذا الصوت العابر للحظات لا تطول عن الدقيقة في نفسي
الدهشة من دهشتي، وسعادتي، ومن بقايا زجاجة العطر التي انسكبت بما فيها من ذكريات لزمن كان هناك به متّسع من الوقت ومن الروح لأن تستوقفنا التفاصيل في أغنية

.

.

.

استغرق الأمر عشر سنوات لأكتشف أن نسخة ركوة عرب بصوت مخوّل أجمل بمليون مرة من تلك التي بصوت مارسيل.. الأمر ليس له علاقة بكرهي لشخص الأخير، إنّها أجمل ببساطة

Read Full Post »

الموسيقى التي تأتي وحيدةً دون أن يُمسك أحدٌ بيدها إلينا ، وحيدة دون أن تصحبها ذكرى أو إشادة أو توصية. المجهولة كطفل رضيع وُضِعَ أمام باب منزلنا في جنح الظلام. الجديدة كحواء خُلقت للتو. نقية، رقيقة وخفيفة كالمطر.  حالها حال الألبوم المنسي* لسنوات في مجلّد الموسيقى. أُعجبت بغلافه الأحمر فتركته يداعب نظري دهراً دون أن امتلك الجرأة على فضّه والاستماع إليه

…وحين فعلت

والموسيقى الجميلة خجولة بطبعها، لا تتبختر بمشيتها الواثقة أمام شبان الحي بل تختار الطرق الطويلة إلى مرآة النهر  لتستعرض عليها انعكاس قسمات وجهها المليح، لا تدركها العين والأذن إن جلست وسط أترابها، رغم كونها أوفرهنّ حسناً ودلالاً. غامضة وسرّية، ومتلثّمة إلّا لمن كان بها خبيرا. ما أن تداعب مفرق شعرها حتى ينسدل شلالاً من نور ونار، كمارد خرج من قمقم يلفح أنفاسك وتُحار في أمرك وأمرها! كيف احتجبت عنك تلك الجميلة لسنوات و باب منزلها مجاور ونافذة غرفتها ملاصقة! وتُحار وتُحار وتأخذك الدهشة مراراً وتتفكر في كلّ تلك العبارات” الأذن تعشق قبل العين أحياناً ” و “الحبّ من النظرة الأولى” وتدرك أين قيلت وفيما قيلت ولما قيلت.. وتسمع المرة تلو المرة، لا استزادة في العشق، بل محاولة في الفهم وإدراك سرّ التجلّي وسبر العوالم والحيوات والأرواح . وتدرك أخيراً ومتأخّراً وأنت على فراش الموت أن الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة كانت الموسيقى وما الحياة إلّا رحلة أصوات. صرخة ولادة، شهيق وزفير، آهات الألم والسعادة والنشوة والبكاء…..، وشهقة الموت

والموسيقى الجميلة لا يُباح بها للغرباء، وعابري السبيل، وتفقدُ شيئاً من جذوتها أمام الحمقى، وتنقم على من يفرّط بها. ألم تسمع بموسيقى خَنقت أصحابها؟

ومن يسلّم بنفسه إلى الموسيقى كمن أسلم روحه إلى الله، ترتفع به خفيفاً واثقاً إلى الأعلى، الأعلى، الأعلى. ومنّ أحبّه الله يهبه من الموسيقى لدناً وشريكاً يسكن إليه. ويخلق له كوناً موازياً يضاهي جنّته الموعودة

وترف الموسيقى أنها قد تأتي في صوت! صوت واحد فقط. صوت سنونو الصيف مثلاً.  صوت واحد كفيلٌ بأن يسحب وراءهُ صوت والدتك المتذمرة من أعشاش السنونو في بيت النافذة، رائحة الصيف الباكر هذا العام، ضوء العصر الجميل، الإجازات المنتظرة، الثياب الخفيفة، ونداء: “يـا شام عاد الصيف”. وترف الموسيقى أنها قد تأتي في صوت! صوت  واحد فقط، ضحكتك مثلاً

.

.

* The Musical Silk Road  -Le route musicale de la soie  ألبوم

والأغنية تعود إلى عليّ رضا غورباني

Read Full Post »

يمكن تَخيُّل الله، أمام غناءٍ ساحر، وهو يتمنّى لو لم تكن الكائنات جميعها محكومةً بالموت

لكن ما الذي تعرفه تلك الفتاة ذات الأعوام الأربعة عشر -على ما أعتقد- عن الحب؟
عن سهاد الليل والليل والويل.عن النكران والهجران! كيف لها أن تنضح وقاراً وقبل سنوات قليلة كانت طفلة تحبو! أنى لها هذا الجمال؟ ذلك الذي يقول عنه أنسي الحاج: “الجمال الأكثر جاذبية” كأنه يقول بحياء: اعذرني على جمالي
الوجه النيلي الأسمر العذب، التماعة العينين الرائقتين، ابتسامة خفرة لطفلة دقّت أبواب الصبا كلما وثق صوتها من مقدراته ازداد خجلاً فاشتد التماعه وبريقه وخطف الأنفاس أكثر. وحين تباغتك حيرة منطقية :أحقّأً ستغنّي تلك الطفلة”مادام تحب بتنكر ليه”! يأتي صوتها ناعماً كنصل سيف حاد باتر وشهي: هوا أنت تقدر؟ تقدر تسلاني! وأنا بين ايديك…أشكي إليك…وأشوف عينيك..عينيك.عينيك..وتفلت منك الـآه رغماً عنك، لتلحق بها آه أخرى..آه طويلة عميقة. أيتها الصغيرة لا أذكر أنّي سمعت هذه الأغنية من قبل! أسرقتها منك تلك الفرعونية المتجبّرة التي تُدعى أم كلثوم! لاتحزني..تحتاج أن تُخلق عدّة مرات وتموت مرات أخرى لتأتي بتكاوينك يا صغيرة

حتى ذلك الوقت غنّي..غنّي

مادام تحبّ بتنكر ليه

Read Full Post »

الثقة المفرطة التي تمنحنا أيّاها تزكية الأصدقاء لكتاب ما، قد لا تودي بالضرورة للنتيجة المرجوة. أتكلم بالتأكيد عن أشخاص يشاركوننا المزايا التعبوية في الفكر والمزاج والحماس مما يودي بنا إلى توقعات هائلة تُبنى عليها لاحقاَ خيبة مضاعفة
هل حماستي المفرطة التي تقودني لاقتراح أمر ما على الأصدقاء المقرّبين قد تلقى خيبة لدى البعض منهم ؟! كان لابد من هذا السؤال
حصل الأمر معي ذات مرة حين اقترحت رواية “عزيزة” على صديق وأقول عزيزة لأنها من ذلك النوع الذي يُحتضن بعد الانتهاء منها، لأعود لتناولها مرة أخرى بنهم المرة الأولى
الرّواية كانت العمى، لجوزيه سارماغو، تلك التي أًصابتني بعمى واختناق، قادني إلى اقتراحها على صديقي الذي رأى فيها رواية تصلح كقصة للأطفال تحمل كمية من الحكم المُعلّبة والجاهزة التي تفضي إلى نهاية كلاسيكية بانتصار الخير واضمحلال الظلام،العمى، الشر
انزعجت قليلاً..في الواقع انزعجت كثيراً، ربماً كثيراً جداً، قلت لنفسي: العمى بقلبه
لاحقاً، كففت عن تناول النصائح بحماسة فور تلقّيها، عَمدت إلى تركها على الرف الأعلى ريثما يبرد الزخم. وقت جيد يجب أن يمر بما يكفي لأن أدّعي اللامبالاة بالنتيجة، بعدها أجذب الكتاب من رقبته ببرود، أنتظر أن يتعثر الخطى، ولايطول انتظاري

عدّاء الطائرة الورقية للكاتب الأفغاني خالد حسيني كانت آخر ما وضع في سلّة: تمهل مطب قرائي

حسناً فلنعترف بأن الحديث عن أفغانستان ما قبل طالبان مثير للاهتِمام. الحديث عن بلدان وُلدنا بعد أن تغيرت ملامحها للأبد حتى بات الحديث عن امرأة حاسرة الرأس وسط شوارع كابول، ترتاد الجامعة، تستمتع للموسيقى وتدندن معها، أمر أشبه بمزحة لا تُضحك، أمر غير قابل للتصديق. دبّت الحماسة بي، ظنَنت أنّني أمام ميلان كونديرا الأفغاني، وسأجلس لأيام أراقب في ما يشبه سيرة ذاتية كيف تتبدل الأوطان، ويتغير شكلها

في ستّينيات القرن الماضي ُولِد”أمير”بطل الرواية وصوتها المتكلّم طيلة ثلاثمئة صفحة بهتت بسرعة البرق، السقوط الدراماتيكي ليس بسبب فكرة الرواية غير القابلة للتطور، فالقصة تدور حول تأريخ مرحلة تاريخية أشبه بمنعطف بدأ بانتهاء عصور الملكية، ومن ثم الغزو (لايمكن أن تحمل قصة أحداثاً أكثر إثارة من تلك) لكن طريقة صبغ الرواية بطابع هندي-تركي منفّر جعل الكتاب يبرد قبل أن تنتهي الصفحة مئة. أما ما تبقى فهو بمثابة جلد نفس لي، ذلك أن هجران كتاب أمر لا يغتفر، والشروع بالقراءة يحتّم انهاء ما قد بدأت به
ما المشكلة! وهل يجب على الرواية أن تكون دائماً كالحلوى المفضلة لدينا؟ هل كرهي لأمير الذي تدور الرواية حوله وبصوته هو السبب! الشخصية منفّرة، ليست جبانة كما يحاول الكاتب أن يُظهرها، بل خسيسة وسفيهة. حتى أكثر الروايات إمعاناً في وصف “الأشرار” قادرة على الخوض بنا إلى العمق لسبر الشخصية. هل يعقل أن تكون هناك شخصية أكثر إجراماً من “راسكولنكوف” في الجريمة والعقاب، سارق، مجرم وقاتل، لكن دوستويفسكي يضخّ الرغبة الهائلة فينا لفهم بطله، وقراءته من الداخل، لمصادقته، لرؤية ماوراء الخير والشر. أما ما لا أفهمه في هذه الرواية هو ترك نذالة”أمير” راكدة دون معالجتها، رغم أننا رافقنا “أمير” منذ ولادته 1964 بما يشبه سيرة ذاتيه فكيف لا نفهم منبع الخسّة المتأصلة في طبعه
الرواية تفتقر لمعالجة شخصية البطل في العمق، باستثناء والد أمير وصديقه حسّان، الجميع يعمل على دفع الأحداث لا أكثر. حتى الأحداث والزمن لم يعملان على بلورة الشخصية، مجرد تقدّم عمري لا أكثر. كل ما فعله خالد حسيني هو ملامسة الخارج في كل شيء دون الولوج إلى العمق مقدار إنش معتمداً على إثارة موضوع الحديث عن أفغانستان، الأمر الذي باعتقادي جعل من هذا الشيء المدعو “عداء الطائرة الورقية ” رواية مباعة بملايين النسخ حول العالم
في الجزء الثاني من الرواية، بعد احتلال أفغانستان، لم يعد هناك مونولوجات لـ”أمير” الطفل بل سرد للأحداث كما لو أن القاص ليس إلا معلّق رياضي على مبارة كرة قدم
لا أدري إن كانت الترجمة قد ساهمت في إضفاء هذا الطابع. افتعال أحداث وبقاء الشخوص كما هي غير قابلة للتطور، رحلة التكفير عن الذنب بالنسبة لـ”أمير” كانت لفظية. مرّة أخرى لم يفلح الكاتب عبر صفحات الكتاب الطويلة في أن يلمس العمق. و النتيجة..مطب قرائي

كتاب آخر انضم للسلة المطبات القرائية، لأسباب مختلفة. هذه المرة الاقتراح جاء من مدوِّنة رائعة تُدعى هيفاء، رغم هجراني للقراءة الالكترونية لما يقارب السنة إلا أن مدوّنتها كانت من الأماكن القليلة التي احتفظت بزيارتي لها. الدخول إليها يصحبه شعور محبّب بالدفء والسحر في آن معاً، بثقافتها الغنية البعيدة عن الاستعراض، استمتع بالتهام نصائحها في الموسيقى والأفلام كذلك في الروايات وأطباق الطعام. اقترحت في مدونتها الأسبوع الفائت رواية تُدعى: الدفتر الكبير للكاتبة أغوتا كريستوف تتحدث عن بشاعة الحرب وقسوتها على الأطفال
سارعت إلى تنزيل الرواية، لأقوم بالانتهاء منها سريعاً. أستطيع أن أوجز الحديث عنها بعبارات: مجموعة من الأحداث تصف الأفعال بعيداً عن المشاعر. وأنا أجد صعوبة في رواية تقص الأحداث دون أن تجعل من شخصيات الرواية أصدقاء لي. الرواية قاسية، بشعة، مفرطة في الشذوذ الذي يصبح طبيعياً في زمن الحرب. آلمتني الرواية دون أن أشعر بالقرب منها، بل على العكس.. نفور شديد

منذ زمن جاءت نصيحة موسيقة عرّفتني على “غالية بن علي”، هذه المرّة النصيحة كانت كالذهب ، رغم أنّها جاءت من “صديقة” سابقة لم تفلح معها الموسيقى لأن تصبح أجمل، أنظف. لكن احتفظت لها بالامتنان ذلك أنّها قادتني إلى أغنية غالية الوحيدة التي بقيت عالقة لشهور طويلة تُعاد مرات ومرات دون أن تُستهلك ودون المحاولة للبحث عن أغاني آخرى لها. شعرت أن غالية هي مطربة الأغنية الواحدة وتلك كانت أغنيتها

قبل أيام شاهدت مقابلة معها على إحدى المحطّات. جميلة، بسيطة، عفويةـ حقيقية، ضاجة بالفرح كقرع طبول افريقية. تضم قدميها بطريقة طفولية، تغني بمتعة غريبة، تبحث عن كلماتها بالعربية التي لا تجيدها، تضحك باسترسال أما مضيفها البارد الذي لم يعلّمه الشعر الذي يدّعي كتابته كيف يقنع وجهه بابتسامة، ولم يعلّمه عمله كمقدّم برامج أن لايلتقي بشخصية لا يشعر بالود ازاءها. بدا كرجل مسن كريه يهوى تمزيق كرات أطفال الحي(لطالما بدا لي كذلك)، بدت كطفلة مشاغبة بروح ساحرة

تكتب الشعر، تغنّي، ترقص، وترسم أيضاً… عقّبت على ذلك قائلةً: لدي فيض ! أشعر أن لدي فيض هائل
أولئك الذين لديهم فيض يطوون بحياتهم حيوات عديدة، لكنّهم نادراً مايتمتلكون الرغبة بالفيض على الملء

.إلى الأرواح الجميلة في كلّ مكان..فيضوا تصحّوا

Read Full Post »

يمكن تَخيُّل الله، أمام غناءٍ ساحر، وهو يتمنّى لو لم تكن الكائنات جميعها محكومةً بالموت

ويحدث أن ينبش المرء التاريخ والجغرافيا أفقياً وعامودياً مطارداً رغبة سرمدية بتذوق كل ما أنتجته البشرية من جمال لتأتي لحظة هاربة من عالم مواز، تستيقظ فيها الروح، تلتقط بكل الحواس الممكنة مقطع هارب من أغنية زيّنت صباحات طفولة غابرة لسنوات طويلة..لحظة واحدة تعادل اقيانوسات الجمال
:كانت أغنية “جلنار” للسيدة فيروز، ومقدّمة الأغنية تحديداً
يا صبح روّج..طولت ليلك”
خلّيت قلبي نار
بلكي بتجي أختك تغنيلك..بلكي بتجي جلنار.” تفتتح برنامجاً صباحياً على إذاعة دمشق. على مدار سنوات الدراسة الطويلة بأكملها سَمِعت اسم جلنار يتردّد في منزلنا كحاجة لا مفرّ منها، كشرط لاكتمال الصباح

في بادئ الأمر، بدا لي الأسم غريباً، ولسبب غامض، وجدته أخضر اللون! ..لا أدري كيف يمكن لأسم أن يكتسب لون خاص به لكن “جلنار” تحوّلت لفتاة يخضورية تقبع في الراديو طوال الليل، تتحيّن الساعة السابعة صباحاً لتقوم بحركتها السحرية فتخرج من الراديو بكل تلقائية، تجلس في النور، تضع يديها في حجرها، بهدوء كل ملائكة الأرض..و تنشد: .. يا صبح روّج

حين كبرت قليلاً، وأصبح حضور” جلنار” أكثر اعتيادية، مع احتفاظه بكل مسبّبات الدهشة . تتطوّرت علاقتي بها فظَننت “جلنار” نشيداَ وطنياً، ترتيلة شبيهة بـ”آيات من الذكر الحكّيم”، أو معزوفة آخرى لها قدسيتها كتلك التي يعزفها بُزق”محمد عبد الكريم”
كَبرت، لا رغبةً منّي بذلك، إنّما واقع الحال.. لكن “جلنار” بقيت كما هي، خضراء، غضّة، صباحية التكوين، و قابعة بهدوء في راديو المنزل. لم تتأخّر يوماً عن إعلان الصباح، تنجز مهمّتها في كل مرّة كما لو أنّها المرّة الأولى التي تقوم فيها بالغناء
هجرت مقاعد الدراسة، لِأهجر بعدها بسنوات منزل الطفولة، اختفى الترانزستور الأحمر الأثري منزل” جلنار“، واختفت هي بدورها ..إلى غير رجعة
.
.
.

بدأ الخدر اللذيذ يسري عميقاً منهياً استنفار الحواس الطويل ليتسرب في نسيج اللاوعي مُعلناً الدخول إلى بوابة الأحلام..استشعرته بإنهاك من خاض معركة أرق دامت لساعات طويلة ليدرك غبش الفجر البارد.. الشمس لم تشرق بعد أو لعلّها وراء سحب شتوية كثيفة
كنت قد استنفذت زوّادتي الموسيقية في ليلتي الطويلة، فاستسلمت للموسيقى المتدفّقة همساً من سماعة الأذنين الموصولة للراديو..على غير العادة
تكّورت على نفسي، ركلت أرض اليقظة، طَفَوت بخفّة إلى الأعلى..حُلّت عقدة شعري، وانسدلنا جميعاً متحرّرين من الجاذبية بلذّة صعوداً نحو الأعلى..نحو العمق
جاءت موسيقى خافتة من السماعة الملقاة على الوسادة..بعيدة كصوت من عالم آخر مُغرق في السحر والغموض..ناي جميل ..نغم مألوف..صوت دافئ كألف شمس مشرقة: .يا صبح روّج ..طوّلت ليلك..خليت قلبي نار..بلكي بتجي أختك تغنيلك..بلكي بتجي.. جلنار

! استيقظ
تُعيد “جلنار” نداءها :يا صبح روّج..طوّلت ليلك
أردّد خلفها: ..خليّت قلبي نار..خليت قلبي نار

كان على هذا الزمن أن يمر وعلى الأرق أن يدوم وعلى الموسيقى أن تنفذ وعلى الخدر أن يذوب لكي تتشكل هذه اللحظة المنتظرة من سنوات دون أن أدري، لأهتف ..ياربّ الصباحات المدهشة، لتصبح جداران غرفتي الكتيمة خضراء، ولينبت لخشب السرير ألف غصن مورق يلتف حول قوائمه يعلو به في أثير المكان الذي فقد أبعاده فلا نهاية له أو بداية وليطلّ وجه محبوبتي من وراء الحجب من رحم الروح حيث ظلّت قابعة هناك لدهر تنهمر على وجه ارتعاشاتي، بسطوة، برقة، بجبروت

راعي بكي ومنجيرتو متلو ..بكيت تـيتسلى” :
شو قولكن عالسكت قالتلو..وشو قولكن قلّا
خلّيك حدّي تـ يروق الجو ورندح وسمّعني
“ولمّا بيطلعلك يا راعي الضّو..تبقى تودّعني

أين كنت من هذهِ التكملة يا “جلنار“! كيف ابتكرتِ بلاغتك المتقشّفة بهذا الزهد! بهذه الروعة! بِـدفا ألف نهار
أُنهَك لفرط الجمال، أهذي بكلماتِها ..راعي بكي ؟! بيظهر حبيبو غاب ! يا صبح روّج..خليت قلبي نار..شو قولكن..تبقى تودّعني
أكان يجدر بي أن أمسح على جدران القمقم لتخرج جنّيتي الساحرة!؟ على الذاكرة لتتصدع، تتشقق، ليظهر ما لايفنى ولا يزول ولأدرك أنّني كنت في انتظارها منذ الأزل

! و وعيت الشّمس، وزقزق العصفور..وما أجت جلنار


ميشيل طرّاد هو من فاض بروحه فخلق”جلنار” كلماتاً، الأخوين الرحباني ألحاناً ..ومعذّبتي غناءاً * 

الاقتباس في المقدّمة لعبقريّ الجمال: أنسي الحاج *

Read Full Post »

أغارُ عليكِ من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي

من المرآة التي ترسل لكِ تهديدكِ بجمالكِ

من شُعوري بالنقص أمامكِ

من حُبّكِ لي

من فنائيَ فيكِ

ممّا أكتب عنكِ كأنّني أرتكب فضيحة ..من العذاب الذي أُعانيه فيكِ

من العذاب الأكثر بلاغةً من المتعذبين

من صوتكِ ..من نومكِ ..من وضع يدكِ في يدي..من لفظ اسمكِ

من جهل الآخرين أنّي أحبّـكِ.. من معرفة الآخرين أنّي أُحبّــكِ

من جهل الآخرين أنّي أغارعليكِ،من معرفة الآخرين أنّي أغار عليكِ

من سعادتي بكِ، من سعادتكِ بأيّ شيء، من وجودكِ حُرّةً

من وجودكِ عَبْدَة ، من وجودكِ لحظةً

أغار عليكِ من غَيْرتي عليكِ

من عطائكِ لي..من تعلُّقي بكِ أشَدّ أشَدّ

أغار عليكِ لأنّك تقرأينني وأنا أريد أن تحفظيني.لأنّكِ قد تحفظينني وتحفظين سواي

لأنّي لا أرى غيرَ حَمْقى،لأنّي لا أرى غيرَ أذكياء

لأنّي أُحاصركِ وأتعهّدكِ كالوحش.لأنّ حُبّي يخنقكِ

أغار عليكِ ممّا أشتهيكِ أنْ تكوني، وممّا تشتهين أنْ تكوني، وممّا لا تقدرين أن تكوني

من المرأة لأنّكِ امرأةٌ ومن الرجل لأنّه يراكِ.من الجنس لأنّه حتّى يعود يجب أن يتوقّف

من كُلّ ما سيكسره نظركِ

أغار عليكِ لأنّي خَطَبْتكِ جاهلاً عددَكِ

لأني أخنقكِ بحُبّي وأنت لا تقدرين أنْ تُحبّيني وأنتِ مخنوقةٌ بحُبّي

لأنّي ساخطٌ لأنّكِ أجملُ النســـاء

لأنّي أمدحكِ فأخاف أنْ تسمعي في مديحي أصواتَ آخرين

أغار عليكِ من الأشياء التي يكبر فرحكِ بها لأنّكِ تُحبّينني..من نبوغ جسدكِ

من عابري السبيل ومن الذين جاؤوا ليبقوا ومن الأبطال والشهداء والفنّانين

من إخوتي وأولادي وأصدقائي

من الأقوياء لأنّهم يأخذون الإعجاب  ، ومن الضعفاء لأنّهم يبدأون بأخذ الشفقة

من لبوءة الرجاء النائمة.من الأنغام والأزهار والأقمشة

من انتظار النهار لكِ، ومن انتظاركِ اللّيل.من أقصـى الماضي الى أقصـى الماضي

من الكُتب والهدايا ومن لسانكِ في فمي.من إخلاصي لكِ فُرادى وجماعات

 !من الموت

أغـــار عليكِ .. أجَنَّ أجَنَّ  كلّما تضايقتِ من غَيْرتي عليكِ

أغـــار عليكِ من جميع الأعداء ومن جميع الحلفاء

من الحياة الرائعة التي نقدر أنْ  نعيش

من ورق الخريف الذي قد يسقط عليكِ

من الماء الذي يَتوقّع أنْ تشربيه

من الصيف الذي تخترعينه بعُرْيكِ

من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي

..من الطفل الذي لن تلديه أبداً

أُنسي الحاج 1937 -2014

Read Full Post »

Read Full Post »

Older Posts »

%d bloggers like this: