Feeds:
Posts
Comments

“وادي الصامتين غنيّ الجِناب، سنيّ الرجاء، سكوتهُ بيان، وربّ سكوتٍ أبلغُ من كلام”

 

فلنعد بالزمنِ إلى الرابع عشر من شباط، عام 1970. وتحديداً إلى أحدِ دور العجزة حيث نستطيع أن نميّز بين نزلاءِ المكان رجُلاً مسنّاً ضئيل القامة ينكبُّ على أوراقه وأقلامه في انهماكٍ عجيب كما لو أنّهُ في سباقٍ مع الزمن. يتنقّل بين سريره ذو القضبان الحديدية و منضدة صغيرةٍ إلى جوار السرير تكدّست فوقها الكتب والمجلّدات. لقد أصبحت تلك الفسحة المخصّصة له بأمتارها القليلة بمثابةِ فضاءه الصغير الذي يجوب عبره عوالمه الداخلية. بعد مضي عامٍ على التاريخ المذكور أعلاه، وتحديداً في اليوم الواحد والعشرين من كانون الثاني 1971، وُجدَ الرجل متكوّماً على أوراقه و مخطوطاته. لقد أسلم الروح! ولأنَّ لا أهلَ له أو وَلَد أُرسِل إلى المقبرة دون أن يتُمّ إعلامُ أحدٍ بموته.  ولأنّه “العاشق السيء الحظ” الذي شاءت الأقدار أن يرحل في ذلك اليوم الشتائي البارد دون جنازةٍ أو مشيّعين، توانى التُربي _حفّار القبور_ عن إيجادِ مكانٍ ملائمٍ لراحة جسد الغريب المجهول ليلقي به في ممرٍّ طولاني بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالةٍ على اسمه وليبقى مكان دفنه مجهولاً إلى الأبد

سنعودُ لاحقاً لتلك المفارقة الساخرة، فالرجلُ الذي اُعتبر “غريباً” عن المدينة، لا نزخرف قولنا أو نبالغ به عندما نشير إلى  أن المدينة تُختصر في اسمه. ولنبقى في نهار الرابع عشر من شهر شباط قبل سنةٍ من وفاته، حيث هَبط الظلام على  رجلنا في جلستهِ الأثيرية وقد تضرّم خداه حتى أصبحا كزهر الأرغوان. ولو أنّ أحداً رآه في تلك الساعة لأخذه العجب في أمر هذا الرجل الذي سالت دموعه على وجهه الذي أشرق بالفرح، فلا يعرفُ الناظر إليه حاله إن كان حزناً أو فرحا

:داعب كفّه الخشبية بأصابع يده اليمنى، أمسك قلمهُ وكَتب

يا صاحبي القارئ. أهمس لك أني وحدي وحدي ثم إني مضطّر – وأنا ابن السبعين – أن أعمل في أضنى عمل لأربح قوت يومي ولأربح ثمن أدويتي، ثم إني اصطلحت على جسمي الواهي ضروب الأسقام لم تسمع هذه الأسقام مني آهةً قط، حتى لمّا بتر المنشار العظم دوم مرمّد، بل تشاهد بسمة الرجاء من رب حنون. أرخى القلم وأسدل جفنيه المتعبتين على تزاحم الصوّر ليُكشَف الستار عن مسرح ذكرياته. يعود إلى ذاك اليوم المشؤوم حين انتثرت يده، وهو في العشرين من عمره، جراء كميةٍ من البارود كان يحملها اثناء عرضٍ مسرحيٍ كان يعملُ على إخراجه. قُدّر ليده اليمنى اليتيمة أن تحمل كامل المهمّة على عاتقها طوال رحلة العمر المضنية التي قضاها في فاقةٍ وعوز، ليس له من مورد سوى ما يتقاطر عليه من مهنة التعليم والأحاديث الإذاعية التي كانت بالكاد تؤمّن ثمن طعامه وأدويته،  وقيّض لتلك الكفّ اليتيمة أن تكتب ثلاثة عشر مجلّداً من بينها  الكتابُ الموسوعة التي استغرق في جمعِ مفرداته وتعابيره ثلاثة عقودٍ ، وصانها من أن تعبث بها يد الضياع  ، والليلة بدا أن المهمة كادت تشرف على نهايتها. تأمّل ما بين يديه من صفحات، ثمانية آلاف من القطع الكبير كَتبها وأعاد نسخها بيده اليتيمة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوانٍ مختلفة لتسهل طباعتها يوماً ما، لونٌ للمتن، الشرح، التشكيل، والذيول. تلك الموسوعة التي خصّ بها مدينته ولهجتها وضروب بيانها، ومفرداتها، قواعدها وأمثالها، حكمها وتهكّماتها، شعرها ومواويلها، نوادرها ومزاحها، قراها وبواديها، حارتها وعاداتها، تعابيرها وآدابها وتندراتها ومعتقداتها وخرافاتها! شارفت على النهاية

يطلق زفرةً حارة متعبة، يتناول كتاباً إلى جانبه، ويحرك شفتيه مصدراً صوتاً بالكاد يسمع، بعد أن غابت النبرةُ التي اُشتُهِرَ بها ذات الملامح الحادة الساخرة. يقلّب صفحات الكتاب ويعود بها إلى الصفحة الأولى، يتلو بصوتٍ مرتجف: حـلـب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلتُ خبزي إلا بعرق جبيني. منحتكِ، يا حلـب  كل ما انطوى عليه قلبي من كنوز الخير، وكتبت على النفس أن تضنى لرسالتها فحرامٌ على قلبي أن ينال بلّةً من الماء، إن كان في البله ما يمسّ مثله، وحرامٌ على قلبي ألا يولّى الجميل جميلاً، وأكثر. يا ليالي الطوى! لتكن ذكراك هانئة، فصباحها يطلع على بأثرٍ جديد، ينعم وينعم بدفء الأنس بين مجلدات خزانتي

يا نقمة الطغاة في حلـب، تُسفك، وتسلب، ثم تتغنى بالمجد! شكراً، فقد علمتني فن حرب الحياة. يا يوم أن انتثرت يدي! ليكن مطلّك برداً، وسلاماً، فللمثل العليا قدمت قرباناً من لحمي ودمي!يا شمعة الحياة، أحرقتها في الدرس، والتدريس

حلب! لا منّة لأحدٍ في البسيطة عليّ، فما أكلت خبزي إلّا بعرق جبيني. حلـب! ولا منّة لي عليك، فهودج الكرامة الذي اعتزّ به إنما هو من سرادقات عزتك.وأنت يا بن حلـب الكريم! الذي ابحث عنه بفانوس ديجون ردّ على غيري نعمتك، فعندي الغني، وكنز الرضى

.تتلاحق أنفاسه بسرعة، يكرّر العبارة: عندي الغنى وكنز الرضى.. عندي الغنى وكنز الرضى

.

.

..هامش وثيق

قبل بضعة أيام، قام السوريون عامةً وأهل حلب خاصةً ولفيفٌ من الكائناتِ الإنسانية الحيّة من شتّى أصقاعِ المعمورة بالتضامن مع مدينة حلـب التي شهدت أسبوعاً دامياً لم يكن ليشكّل إلا حلقة أخرى في السلسلة الطويلة اللامتناهية من الصراع الدموي المستمر منذ سنوات! وبعيداً عن شكل التضامن الملفت الغريب(لون أحمر قرمزي صبغ مواقع التواصل الاجتماعي، مع سيل هاشتاغي وجداني) والذي ولأسبابٍ مبهمة(البعض منها منطقي، والآخر يمتُ إلى المشاعر التي لا سبيل إلى تفسيرها) قادني إلى شعورٍ مفاده أن لا شموس تنتظرنا في نهايةِ هذا السرداب الطويل الذي نسلكه منذ أعوام. وأن هذه الجموع البشرية وصلت إلى الدرك الأسفل ولا أقصد بالجموع البشرية تلك المتقاتلة فيما بينها فلا أحد يختلف في أمرهم، بل أقصد الجموع المتعاطفة التي اكتست “حماراً”!  وما زاد الأمر غرابةً أن المشاعر لم تدم طويلاً فاستغرق  الأمر لدى البعض ساعات وامتد لدى آخرين حتى أيامٍ معدودة، فلا أحد يطيق صبراً على التعاطف لزمنٍ أطول مع قضيةٍ لا تمسّه بشكل شخصي وسوريّا لم تعد تمسّ ابنائها بشكل مطلق إلا فيما يتقاطع مع مصالحهم الشخصية.وكي لا أسترسل في السرد طويلاً، استوقفني ضمفي معرض حملة التضامن الغريبة تلك، إحدى المواقع التي أعادت نشر مقالةٍ كتبتها قبل زمن عن علّامة حلب” خير الدين الأسديّ”، لقد زامن الموقع ذو التوجّهات العلمية إعادة نشر المقال عن أيقونة المدينة  كنوعٍ من التضامن مع المدينة المنكوبة، المثير للسخرية أن الاسم لم يستوقف الجموع من أبناء حلب، أولئك الذين لم يسمعوا برجلِ يُدعى: خير الدين الأسدي!  لكنهم في الوقت ذاته يرثون أوابد مدينتهم وتاريخها والحال الذي آلت عليه، كما لو أنّ الأمر ليس صنيعة أيديهم

ويلي عليهم لقد ماتت المدينة يوم رحيل الرجل

.

.

عودة إلى بدء..

بعد مرور أربعين يوماً على رحيل الرجل المنسي، قرر لفيفٌ من الأصحاب إقامة حفل تأبين كتكفيرِ لنسيان المدينة  والدولة لابنها العاشق. وتأتي المفاجأة  أن تمّ خطأً ادراج اسم: ضياء الدين أسد في سجل الموتى بدلاً من اسمه. وتأتي المزحة السمجة حين أخبرهم التربي “حفار القبور” بأنّه ألقى بالميت الخفيف الوزن ذو الذراع المقطوعة واقفاً في ممرٍ شاقوليٍ بين قبرين دون شاهدةٍ أو دالة

 تضاربت الروايات حول النهاية، قيل لاحقاً أنّ الجثة بيعت لطلّاب كلّية الطب في حلب، لكنّ ما هو مؤكّد أن لا أحد يعلم حتى اليوم أين دُفِنَ خيرالدين الأسدي

.

.

سيرة ذاتية

على جذر شجرة نارنج حلبية في حيّ الجلّوم الحلبي  وُلد خير الدين الأسدي عام 1900، درس في شمس المعارف على يدّ خيرةِ علماء حلب، وامتهن التدريس حتى آخر سنواته في مدارس حلب الحكومية والخاصة حيثُ علمّ العربية بنحوها وصرفها وآدابها. فقدَ كفّه اليسرى جراء كميةٍ من البارود، إذ كان يقوم مع طلابه بتقديم مسرحيةٍ عن الاستقلال مع بدايات الانتداب الفرنسي على سوريّا. أتقنّ عدّة لغات من بينها اللغات السريانية والسامية وبعض اللغات الأوربية. اُشتهر بولعه في الترحال والأسفار وجمع المقتنيات الأثرية حيث جاب البلاد العربية بشمالها الأفريقي وجنوبها العربي وبعضاً من الدول الأوربية ويظهر ذلك جلياً  في خزائنه التي ضمت مجموعةً من التحف الفريدة وصوراً تزيدُ عن أربعين ألف صورة رُتبت على حروف الهجاء. كانت شراهته للمعرفة من كلّ نوع لا تعرف حدوداً، حتّى أنه قاد بنفسه حملةً للتنقيب عن الإنسان الحلبي الأول في كهوف حيّ “المغاير”. لم يعشق أحد حلب كما فعل فقد بحث في أصل حلب وتاريخها و موقعها وثقافتها وطرز حياتها وتقاليدها ويظهر ذلك في موسوعته التي عمل عليها لما يزيد عن ثلاثة عقود حتى آخر سنوات عمره في دار العجزة، حيث أضاف مئات الصفحات إليها في أيامه الأخيرة وهو راقدٌ في سريره. وتجلّت أمنيته الوحيدة في أن يرى عملهُ مطبوعاً بعد أن أعاد نسخة أربع مرات مستخدماً أربعة ألوان لتسهيل عملية طباعة موسوعته يوماً ما.  مورده الوحيد كان من مهنة التدريس وذهبت مدخراته جميعاً إلى تمويل أسفاره الدائمة. في بداية حياته كان ينزع إلى التدين نتيجةُ لنشأته الدينية، ومن ثم عُرف عنه اعتناقهُ للبهائية، لكنه في النهاية اتّجه للتصوف. تأثر بشدّة بحافظ الشيرازي، زعيم الشعر الصوفي وملهمه وأستاذه، فأطلق على نفسه “حافظ القرن العشرين” وعلى أثر ذلك جاء كتابه الأجمل -بالنسبة لي- ” أغاني القبّة” وهو نفحاتٌ من الشعرِ الصوفي المنثور

 .لم يول الاهتمام الكافِ أو ما استحقّه من تقدير، عانى من المرض والعوز آخر سنوات عمره ومات وحيداً سنة 1971

بعد رحيله بأعوام قامت جامعة حلب بطباعة موسوعة حلب المقارنة في سبع مجلّدات كما أطلق  اسمه على أحد شوارع حلب وسُميت أحد قاعات المطالعة في المكتبة الوطنية باسمه.

عن سيرة حياته هنا

.

.

..النور وحدهُ يُسامر النور، فيا ويح قلبي إذا ما اغترب

 

Advertisements

اتساءل ما هي الهناءة! وكيف للمرء أن يكون “هنياً”؟ أو كيف لأصحاب الأعصاب “التالفة” أن يمتلكون الهناءة
إن كانت الهناءة تعني السلام والسكينة فهي ليست بالأمر المكتسب بل محصّلة حياةٍ طويلةٍ ممزوجة بجينات وراثية، وأولئك الذين يمتلكونها هم المحظوظون حقّاً. لكن في بعض الأحيان أشعر أن الهناءة تعادلها البلادة، وقد تعني للبعض تلك البلادة مفتاح الحياة السعيدة
أتأمل أولئك البليدين، أجدهم سعداء حقّاً! لا شيء يثير أعصابهم، لا ترتفع أصواتهم، لا يصرخون، لا يكسرون الأشياء، لا تزعجهم نشرات الأخبار، لا يبكيهم فلم وثائقي عن حياة البطاريق في القطب الشمالي، لا تستوقفهم الدمعة المرتجفة في عين فيروز، لا يستغرقون في فكرة، في شجرة، في حجرة، في غيمة، في عامود إنارة.. لا يستغرقون في شيء ولا يغرقون. لا يكتئبون، ولا تجرحهم الوردة أو السماء الرمادية فهم الهنيين. العمليين، اللطيفين، الماكرين في الالتفاف حول ما يتعب، ويجنّن، ويشق الأنفس
حياة هنية، حياة سعيدة، ترفض فيها الأذن الاستماع لما يزعجها حتى تتوقف رويداً رويداً عن الاستماع لما هو مزعج أو جميل على حدٍّ سواء. حياة هنية تعني مقدرات جبّارة على اللغو لساعات ضمن إطار العلاقات الاجتماعية، وهذا فنٌ لا يتقنه إلا كل ذي عمرٍ طويل ونفسٍ طويل ولسانٍ طويل. والهني يسعَد بالآخرين ويُسعدون به. كيف لا وهو هنيّ! الهني لا تشدّه الخلفية الموسيقية لفلم ما، هو يشاهد الفلم فقط، فلا يتعبه وتر حزين يمشي الهوينى مع مشهد سعيد. هو يرى السعادة تتبختر بخيلاء فقط ولا شيء آخر
الهنيّ يحزَن بهناءة، يغضب لكن بهناءة. قد يتفوه بالشتائم لكن أيضاً بمنتهى الهناءة
الهنيّ عملي للغاية. لا يجلس بالقرب من النافذة في الباص، يريد أن يصل إلى وجهته فقط، لا تعنيه الأشجار الراكضة وبخار النوافذ. الهنيّ لا يتأمّل الوجوه ولا تتعبه التفاصيل. الهني جدول منساب في مجرى سهل الانحدار. الهنيّ قوي، ومحبوب. حاضر البديهة فلا يستغرق في أحلامه، ولا تَعبره الذكريات فينتشي حدّ الإغماء

الهني قد لا يفهم المغزى وراء إعادة موسيقى آلاف المرات، ورؤية المشهد ذاته مرة تلو المرة! الهني يحزن بقسط، ويفرح بقسط، ويحب بقسط ويتعب بقسط فهو انسانٌ متوازن. يجيد العبور بسرعة إلى الضفة الأخرى. لا يستذكر حيوات آخرى وترّهات مشابهة. الهني حبّهُ هنيّ، حنينهُ هنيّ، شوقهُ هني. الهني كائن طبيعي و سويّ، لا أحلام تراوده، ولا موسيقى تغتاله. لكنّه قد يبدو لمن يفتقدون الهناءة كائن غريب، غير مفهوم. يعبر الحياة بسلاسة. محطّات حياته مفهومة ويسهل التنبّؤ بها. خط متسلسل طبيعي لا صعود به أو هبوط، تماماً كتخطيط قلبه الطبيعي، لا وجيب متعب، متسارع يغتاله ليلاً حين يأخذه الوجد. الحياة بالنسبة للهنيّ هي بدايات توصل إلى النهايات التي يسهل استشرافها.درب واضحة مشى عليها السابقون وتفضي به إلى وجهة واضحة. لا شيء مدهش، صارخ، أو صادم. ككرة بلياردو تتدحرج بهدوء إلى حفرتها دون أن تصطدم بشيء لتقع بهدوء في حفرتها المظلمة
.

.

.

متسربلاً بالبياض، كما يتصوّره عبّاده، نورٌ على نور ليس كمثله نور، يخطف أبصار وأنفاس الملائكة الذين يحيطون بعرشه ويسبّحون باسمه. استوى على الكرسي متفكّراً ملياً في ما يمكن أن يضيفه كهدية مميزة، علامة فارقة دوناً عن بقية العباد. وفي النهاية بعد أن وهبها ما وهبها، وقبل أن ينفخ الروح بلحظات، قرّر أن يضعها مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وفقدوا الهناءة. وهكذا خُلقت ممن حُرموا الهناءة إلى الأبد

وبعد أن شبّت وشابت، أدركت السمة الأساسية لوجودها، لقد حُرمت ببساطة الهناءة، ولا سبيل لها بامتلاكها إلّا في أن يُعاد خلقها من جديد

DSC_0138

أيلول 2015_ ليست محاولة التقاط، أو امساك، أو وصول…لكن ظننت لوهلة أنه يسقط

تلك الحساسية الزائدة غير المبرّرة في النباتات لم تعد تعنيني شيئاً. إن كان الصبّار قادراً على أن يتحمّل رعونتي فهو نباتي المفضّل. أربعة صبّارات صابرات لم يذقن الماء منذ 40 يوم، لم تصدر منهن آهة، زفرة، نفس
قال لي: “لا بأس بكأس صغير من الماء كل أسبوع”. لكن كان يجب لي أن امتحن صبرهن، “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء”. أذقتهم البأساء والضرّاء والعطش، لم أعطهم شربة ماء واحدة. في البداية وضعتهم قرب التلفاز (قيل لي أن النباتات الصبّارية كفيلة بامتصاص الأشعة السلبية)، تحت هواء المكيّف الساخن، من ثم البارد، خارج النافذة في ليلة قارصة. أوقعتهم أرضاً، زجرتهم، تجاهلت وجودهم. لكن النتيجة كانت نفسها. أربعة نباتات يخطفن الأنظار بزهورٍ حمراء متناثرة على سيقانهم الشوكية. حسناً، اعترف بأنّي صُدمت قليلاً حين وقعت إحدى الزهور، ظننت الأمر بداية تمرد وثورة، لكن سرعان ما اكتشفت أن الزهور بلاستيكية! تجاوزت الموضوع، ألا يكفي أن النباتات حقيقية، حتّى أشواكها حقيقية! وما المشكلة في أن يغرس البائع قليلاً من الزهور الحمراء في تلك النباتات كنوع من عمليات التجميل. المفاجأة كانت قبل أيام  حين دُهشت بوجود برعم أخضر! برعم أخضر صغير وطري لم يسبق لي أن رأيته. نكزتهُ بعنف، كان يجب أن اتأكد من كونه حقيقياً، انغرست الأشواك في أصبعي! إنّه حقيقي و مؤلم أيضاً
اليوم قبل أن أغادر المنزل تأكدت من وجود برعم آخر، الموضوع جدي ولا يمكن تجاهله. يبدو أنهن راغبات في الإقامة معي لمدة أطول. أظهرت قليلاً من الاهتمام، وربّما لاحقاً سأفكّر بوضعهم في علب ملوّنة جميلة، أقول: ربّما.

حتى ذلك الحين، سأفكر في امتلاك المزيد من تلك الكائنات الصبّارية، وليذهب عبد الوهاب ومن لفّ لفّه إلى الجحيم

DSC_0028DSC_0040DSC_0034

DSC_0033

بتنكر ليه! ليه؟

يمكن تَخيُّل الله، أمام غناءٍ ساحر، وهو يتمنّى لو لم تكن الكائنات جميعها محكومةً بالموت

لكن ما الذي تعرفه تلك الفتاة ذات الأعوام الأربعة عشر -على ما أعتقد- عن الحب؟
عن سهاد الليل والليل والويل.عن النكران والهجران! كيف لها أن تنضح وقاراً وقبل سنوات قليلة كانت طفلة تحبو! أنى لها هذا الجمال؟ ذلك الذي يقول عنه أنسي الحاج: “الجمال الأكثر جاذبية” كأنه يقول بحياء: اعذرني على جمالي
الوجه النيلي الأسمر العذب، التماعة العينين الرائقتين، ابتسامة خفرة لطفلة دقّت أبواب الصبا كلما وثق صوتها من مقدراته ازداد خجلاً فاشتد التماعه وبريقه وخطف الأنفاس أكثر. وحين تباغتك حيرة منطقية :أحقّأً ستغنّي تلك الطفلة”مادام تحب بتنكر ليه”! يأتي صوتها ناعماً كنصل سيف حاد باتر وشهي: هوا أنت تقدر؟ تقدر تسلاني! وأنا بين ايديك…أشكي إليك…وأشوف عينيك..عينيك.عينيك..وتفلت منك الـآه رغماً عنك، لتلحق بها آه أخرى..آه طويلة عميقة. أيتها الصغيرة لا أذكر أنّي سمعت هذه الأغنية من قبل! أسرقتها منك تلك الفرعونية المتجبّرة التي تُدعى أم كلثوم! لاتحزني..تحتاج أن تُخلق عدّة مرات وتموت مرات أخرى لتأتي بتكاوينك يا صغيرة

حتى ذلك الوقت غنّي..غنّي

مادام تحبّ بتنكر ليه

ذلك الكائن المدعو “قلوب عبد الوهاب” والذي زيّن شرفتنا لسنوات ٍ في دمشق ليرافقنا بعدها في رحلتنا إلى اللاذقية استحال اليوم قلوباً صفراء ذابلة كما لو أنّه أُصيب باحتشاء، أو سكتة
حدث الأمر بسرعة دراماتيكية لدرجةٍ ظننت معها أن الأمر مجرد وعكة عابرة. هل يعقل أن تذوي بتلك السرعة نبتة كانت لديها كل تلك الشراهة للحياة! تسقط ورقة، ينبت بدلاً عنها عشرة أوراق، تقلّم لها غصناً تدلى بمنتهى الدلال من عالي أصيصه العاجي، فينبثق آخر بثقة الإناثِ الواثقات بكيدهن

قيل لنا الكثير عن طرق العناية بها حين جاءت المنزل في المرّة الأولى. إضاءة غير مباشرة، سقاية عن طريق مرذاذ المياه مرّة واحدة في الأسبوع، تهوية التربة بين الوقت والآخر.. لكن لم أهتم لكل تلك التفاصيل فالأمر حينها لم يتعدّ شهوة طارئة لتواجد كائن حيّ إضافي في المنزل حين لم أنجح في اقناع أفراد الأسرة باقتناء حيوان أليف بعد انتحار سمكاتي الذهبية الواحدة تلو الأخرى( قفزن خارج الإناء الزجاجي المفروش بالحصى الملونة، لتتبقى واحدة انتحرت بطريقتها الخاصة. أعتقد أنها أغلقت غلاصمها عن سابق إصرار وتعمّد لتطفو بعدها على سطح الماء. تغمدهم الله برحمته أجمعين) كانت النبتة الخضراء الخيار الوحيد. في البداية ظن الجميع أن هذا الكائن الأخضر ليس إلّا نبات اصطناعي، فتلك الأوراق الخضراء اللامعة بدت بلاستيكية لا تصفرّ ولا تكبر. ثابتة الحجم والوضعية. وهكذا بقي عبد الوهاب بقلوبه المعدودة يتربّع فوق مكتبتنا بشكلٍ غير مرئي حتى اكتشفته أمّي بعد عدّة أيام، تبادلت معه حديث قصير، لتأخذه بعدها إلى المطبخ. أسفل النافذة حيث يوجد رفٌ رخاميٌ صغير بالكاد يتّسع لمرفقها حيث تتكئ عليه لتشرب القهوة في وضعية فريدة لا تمت للراحة بِصلة. هناك تربّعت الملكة اليخضورية، كانت المساحة مناسبة تماماً لحجمها الصغير آنذاك قبل أن تكبر وتنمو وتطالب بتغيير مكان سكنها إلى أصيص أكبر. احتلت تلك الشيطانة مساحة أمي المفضلة الصغيرة للغاية، أصبحت أجمل مع مرور الأيام، لكن ليست من فئة الجميلات التي تقول عنهم فيروز” حلوة والخصر بيلوي، وما بتعرف أنّها حلوة”. كانت تعرف تماماً مقدار جمالها وأصبحت تعلم بمرور الأيام كم أسرت قلوبنا جميعاً حين تمّ اختزال المطبخ الأبيض البارد في تلك الزاوية الخضراء الدافئة. كَبرت وامتدت وتسلقت إطار النافذة بشراسة. جميلة جميلة، فتية فتية.. لقد أسرتني تلك الشيطانة
تغيّر الأصيص، لاحقاً تغيّر المكان، من شرفة المطبخ إلى شرفة غرفة المعيشة، لكن الجميلة لم تكن لتأبه للأماكن، أو لأحد
بعدها تغيّر المنزل، بل تغير المناخ بأكمله، من دمشق إلى هواء اللاذقية الذي ينفخ في التربة فيخلق شجرةً من لا شيء. هناك بدأ العهد الجديد لملكة القلوب
ما الذي حدث؟ لا أحد يدري. جميعنا ذبلنا في بادئ الأمر، كنت أموت شوقاً إلى منزلي، إلى الشام. لكن الشيطانة لم تأبه للمكان كما لو أنها مركز الكون. نبتت لها أربعة أذرع وخمسة أرجل وطالت خصل شعرها لتشكّل عريشة صغيرة تظلّل مكان جلوسنا في شرفتنا الواسعة، وهبت لضيوفنا بكل عطاء فروعاً صغيرة من أغصانها الرقيقة قادرة على أن تُنبت من جديد في مكان جديد

***

تكمن مشكلة الأعراف والتقاليد في إمكانية تحوّلها من طقسٍ جميلٍ إلى شيء مختلف تماماً. أحدهم وضع قانوناً، أو لنقل تقليداً يقتضي أن يدخل المرء إلى منزله الجديد بقدمه اليمنى، مُصطحباً نبتة خضراء لتحلّ البركة على المكان الجديد، وتكون بذلك فاتحة خير ويُمن. في الحقيقة كان ذلك الفعل هو بداية النهاية لقلوب عبد الوهاب
أقنعتني أمي حين تزوجت بأن اصطحب ذات القلوب الآسرة إلى منزلي الجديد. ” لا يجوز أن تدخلي المنزل دون نبتة خضراء، حرام!! أستغفر الله”. حاولت إقناعها بشراء نبتة خضراء جديدة أو قصّ فرع صغير منها ليكبر لاحقاً في منزلي، لكنّها أبت إلا أن آخذ طفلتي كما سمّتها. بحلول ذلك الوقت لم تكن طفلة.. ثلاث سنوات مرت لتصبح معها أشبه بقبيلةٍ من النساء الفاتنات. لكن كيف لنا أن نقنع أولئك النسوة ذوات الألف قلب وقلب أننا سنعود بهم مرة أخرى إلى دمشق
انتزعنا الأوتاد التي عرّشت عليها النبتة، لتتكوّم بهدوء وتحتل كامل المقعد الخلفي من السيارة في رحلتها إلى منزلها الجديد
لستُ النبي سُليمان، لا أحاور الهداهد، ولا النمل، ولا أكلّم الشجر ولا النبات. لكن أقسم أن تلك المسكينة همست لي برجاءٍ حار أن استبقيها في دار أميّ لكن لم أفعل

***
قيل لنا الكثير، الاحتمالات جميعها واردة: لا يمكن لنبتة بهذا السنّ(الحجم) أن تغير مسكنها، الإضاءة لم تكن كافية، تم سقيها بكميات كبيرة، وفي رواية أخرى قيل لنا الإضاءة كانت مباشرة، و تربتها كانت جافة للغاية. البعض قال أنّ جهاز التكييف هو السبب
اصفرت الأوراق ومن ثم ذبلت وتساقطت الواحدة تلو الأخرى، تحوّلت أغصانها لتصبح أشبه بعروق نافرة في يد عجوز مسنّة. بعد أشهر بترنا جميع أطرافها لعلّها تقوى على الصمود لتغذية ما تبقى منها. الآن أصبحت قابلة للحمل بسهولة، وضعتها فوق حرفٍ ناتئ خارج النافذة المطلّة على حديقة خضراء واسعة وجميلة .. أخبرتني أمّي الكثير عن النبات لكنّها لم تطلعني يوماً عن الأحاديث التي كانت تجريها معهم
تلك الشيطانة التي كانت يوماً جميلة جميلة، يافعة يافعة باتت تراقب الأشجار و توّدع العالم بهدوء وصمت، أراقبها كلّ يوم من خلف النافذة ترتجف مع كلّ نسمة، فتظهر أنفاسها الثقيلة الواهنة على الزجاج…ربّما أرادت أن تخبرني شيئاً ما

مرّ شهران على سقوط الورقة الأخيرة، ربّما كان عبد الوهاب مكتئب، ربّما هو سنّ اليأس الخاص بالنبات وماهي إلا شهور ليعود إلى سابق عهده… ربّما
لكن أحياناً في الليالي الباردة أسمع صوتاً يصدر من كومة اليباس الحزين.. صوتاً يقول لي: السرّ كل السرّ في يدِ أمكّ الخضراء يا حمقاء

DSC_0294

.. حسرة

DSC_0001

سبق وأن وصفنا المعلم بأنّه رجل حسود، يعتبر نفسه موسيقياً مهمّاً. ولكن ثمّة نقطة في شخصه تدفعنا إلى احترامه: كانت روحه تَطرب للموسيقى بعمق أصيل، فعندما آلم عزفهُ الناشز حتى أكثر الآذان غير الموسيقية، لأن الآرغن كان قد دوزن حديثاً، فإنّه لم يستطع احتمال ذلك ولم يبرأ من الحالة، ففي يده الخرقاء كان ينبض قلب حساس! هذا هو ما دمّر أوسكار آلدر
بعد الفصح بخمسة عشر يوماً وجدته زوجته ميتاً. كان قد شنق نفسه بسلسلة معدنية، وتحت قدمية وُجدت ورقة كُتب عليها بخط بدا يائساً إنه كان يرغب دائماً بأن يكون عازفاً ماهراً في خدمة الرب. لكن الناس ازدروه وازدروا فنّه

قانون بثينة

كان الباب الحديدي الضخم للكلية العسكرية في حمص مغلقاً، ثلاثة ضباط عسكريين يقفون بسلاحهم الكامل بجانب ذلك الباب. نظر الحارس الواقف في الخارج إليّ رافعاً حاجبيه وقد أدهشه أن فتاة صغيرة مثلي تقف بين جماعة من الرجال الضخام المختلفين الذين يرتدون الزي العسكري.قلت بلهجة قوية وأنا أنطق كلماتي بوضوح وعلى نحو يتجاوز سنّي:” أريد مقابلة الرئيس”. طلب إلي الابتعاد بإشارة من يده وكأنه يقول لي:”اسكتي قبل أن يسمعك أحد”. توسلت إليه بل أصررت قائلة إنه إن سمح لي بالدخول فقد تغير المقابلة حياتي بأكملها. وأخيراً تعاطف الشاب مع طلبي، وأشار عليّ أن أدخل مجمّع الكلية. ثم سألني ألا أخبر أحداً كيف دخلت البناء

انتظرت صابرة تحت الشمس المحرقةـ رأيته يقترب عندما انتصف النهار وقد شكل عناصر الأمن سلسلة تحيط به مع معاونيه العسكريين. اندفعت متجهة نحوه لكن عناصر الأمن منعوني من الاقتراب منه. دفعني أحد مسؤولي الأمن بمرفقه دون أن ينظر إليّ وكدت أن أقع على الأرض. عندها أشار إلى عناصر أمنه أن يبقوا في الخلف، وطلب إلي أن أتقدم نحوه، فجريت مسرعة جعلت رأسي يصطدم بصدره وببعض العنف. تملّكني الحرج لكنني لم أشأ أن أفقد تلك اللحظة الثمينة. تجاهلت اصطدامي به وبدأت التكلم بأدب، وحرصت على أن يكون نطقي واضحاً: سيدي الرئيس، أنا بثينة شعبان من قرية المسعودية. حصلت على الشهادة الثانوية. كنت الأولى في حمص والرابعة في سورية لكن المرسوم الذي أصدرته حديثاً لم ينصفني. وأبي غير قادر على إرسالي إلى الجامعة ولذلك مستقبلي بين يديك!” ولما كنت شابة صغيرة فقد اعتقدت أن المسعودية هي مركز الكون وأنني بذكر اسمها في التماسي سأجذب انتباه الرئيس على الفور.” نظر الرئيس إلي وابتسم ثم قال:” لا تقلقي يا بنتي ستنالين ما تريدين”وطلب إلي أن أعود إلى بيتي وأنتظر أن يردني شيء من القصر الجمهوري
وردت الدعوة من المكتب أسرع كثيراً مما توقغت. في الواقع أتت في اليوم التالي تماماً. لم يكن لدينا هاتف في البيت. لذلك اتصل القصر الرئاسي هاتفياً بمكتب مدير الناحية في جب الجراح وطلب حضوري إلى دمشق صباح اليوم التالي لمقابلة الرئيس. وبدأت الاستعداد للرحلة الطويلة إلى العاصمة السورية . كانت تلك أول مرة أسافر فيها إلى دمشق. أذكر أن والدي لم يكن مرتاحاً لسفري ثانية، وكان قلقاً عليّ لكنه لم يرغب في منعي من ذلك علّني أكون على حقّ
وصلت إلى قصر المهاجرين، أخبرني مدير تشريفات القصر الجمهوري حينها خليل السعداوي أن ليس لي إلا عشر دقائق أروي فيها قصتي للرئيس من ألفها إلى يائها. أشرت برأسي موافقة، فقد كنت سأقبل بأي شرط لمجرد مقابلة الرئيس مرة أخرى. قلت في نفسي إن كل ما أحتاجه هو دقيقتين. دخل الرئيس الغرفة التي أُجلست فيها منتظرة. كان طويلاً آسراً كما رأيته قبل يومين في الكلية العسكرية. بدأ بالسؤال عن مشكلتي بالتحديد، وقال: تفضلي يا بنتي، كيف يمكن لي أن أساعدك؟
ولمّا كنت أعيد استظهار القصة في ذهني على مدى أيام، فقد انطلقت بالجواب فوراً من دون تردد.” سيادة الرئيس لقد أصدرت مرسوماً تشريعياً يمنح الطلاب العشرة الأوائل في البكالوريا العلمية راتباً شهرياً لإتمام دراستهم الجامعية، ومنحت الثلاثة الأوائل فقط في البكالوريا الأدبية هذه المنحة الشهرية. وأنا نلت الدرجة الأولى على محافظة حمص في شهادة البكالوريا والرابعة في القطر. والحقيقة أنني كنت أطمح أن أدرس البكالوريا العلمي وأختص بالهندسة، ولكن ليس هناك فرع علمي في كل قرانا، ولذلك اضطررت إلى دخول الفرع الآدبي. ولم أعرف لماذا أعطيت المنحة لعشرة الأوائل في العلمي، والثلاثة الأوائل في الأدبي، ولماذا لم تُعط الأول في كل محافظة مثلاً؟ قد يكون العشرة الأوائل كلهم من دمشق، أو من مدرسة واحدة. أما من نال المرتبة الأولى على محافظة دير الزور مثلاً أو درعا أو حمص فلا نصيب له، وماذا يمكن للطالب أن يفعل أكثر من أن ينال المرتبة الأولى على محافظته؟ لم أفهم غاية التمييز لصالح الفرع العلمي مادام الاختصاص العلمي يكاد يكون معدوماً في معظم ريفنا”. بينما كنت أتكلم وأستفيض في الشرح كي أضمن أنّني قد عبّرت عن قضية مهمة غير قابلة للرفض، ساورني بعض الخوف من أن هذا رئيس جمهورية، وقد يزعجه ما قلته، أو يعدّه انتقاداً له، وبدأت أسأل الله أن يكون جوابه لطيفاً. وأّلّا يعبّر عن انزعاجه منّي ولكن ما إن صمتّ ونظرت إليه محاولة أن أقرأ قسمات وجهه قبل أن أسمع جوابه، حتى رأيته يأخذ نفساً عميقاً ويقول لي:”معك حق”. لم أكد أصدق ما أسمع. الرئيس يقولي لي معك حق، وأنا الطالبة الصغيرة القادمة من قرية المسعودية، والتي ترى دمشق أول مرة! ومعي حق
بعد ذلك سألني عن قريتي وعن وضع الناس هناك وإن كان لدينا كهرباء أو خطوط هاتف في القرية، وأجبته بالنفي مع إيضاحات عن واقع قرى ريف حمص الشرقي الأمر الذي دفعه إلى تمديد المقابلة إلى أربعين دقيقة, كان متشوقاً إلى معرفة السبب في أن قرى سوريا لا تزال تعيس في الظلام في النصف الثاني من القرن العشرين. قلت لنفسي: ” حقاً أنك مجنونة يا بثينة! هذا رئيس جمهورية ماذا يمكن أن يدفعه إلى الجلوس معم والاستماع إلى قصصك؟” انتهى اللقاء نهاية ودّية، وقبل أن أخرج، طلب إليّ أن أتصل بالسيد أبو سليمـ وأعطى تعليماته أن يتمّ إعلامه إن اتصلت لطلب أيّ شيء
أثناء عودتي إلي قريتي في الحافلة، ضبط السائق المذياع على إذاعة دمشق. وكان أول خبر في النشرة الإخبارية هو تعديل الرئيس حافظ الأسد مرسومة السابق المتعلق بالمنح المخصّصة للمتفوقيق الأوائل. شعرت بقشعريرة تسري في أوصالي. فرئيس الجمهورية لم ينتظر يوماً واحداً لتغيير القانون، ولابد من أنه وقّع المرسوم الجديد فور خروجي من مكتبه! أردت أن أقول لكل ركاب الحافلة” هل سمعتم ذلك؟ لقد غيّر الرئيس القانون بسببي أنا!” تمكنت من ضبط نفسي وانتظرت حتى وصلت إلى المسعودية، حيث بدأت أصرخ فرحة في الوقت الذي كانت فيه أسرتي وأصدقائي قد بدأوا بالاحتفال وأطلقوا على القانون الجديد تسميتهم الخاصة

“قانون بثينة”

بعد سنوات عديدة، حين أصبحت أستاذة في جامعة دمشق ومستشارة في وزارة الخارجية، طلب إليّ الوزير فاروق الشرع أن أرافقه في سيارته لحضور “اجتماع مهم” كان ذلك غريباً، فالشرع لم يطلب مني قبل ذلك مرافقته إلى أي اجتماع من هذا النوع. وفي الطريق أخبرني أن المطلوب أن أقوم بالترجمة بين الرئيس حافظ الأسد وضيفه. تملّكني الخوف وخطرت في ذهني مليون فكرة: ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو تلعثمت. هل سيتذكّرني ؟ ماذا لوخيّبت أمله.
حين دخلنا حيّانا الرئيس الأسد من دون أن يصدر عنه ما يدلّ على أن تذكر لقاءنا السابق قبل عشرين عاماً. قلت في نفسي، ستكون معجزة إن تذكّر. لم أكن سوى مواطنة سورية، وواحدة من العدد الهائل من المواطنين الذين قابلهم خلال الأشهر الأولى من توليه الرئاسة. كنت متوترة جداً وربما ظهر ذلك جلياً على وجهي. ربّت على كتفي وقال: لا تخافي يا بنتي، إن أخطأنا فسنكرر ما قلناه، وليست المسألة خطيرة” وكان استعماله ضمير الجمع المتكلم في قوله أخطأنا يدل على طريقته المهذبة في القول: إن أخطأت أنت
وحين انتهى الاجتماع، بعد مغادرة الضيوف الأمريكيين مباشرة، التفت الرئيس الأسد إليّ وقال:ماذا كان سيحدث لنا لو أننا لم نرسلك إلى الجامعة. كنا سنجلس هنا اليوم من دون مترجم

 Bouthaina Shaaban

Damascus Diary: An Inside Account of Hafez al-Assad’s Peace Diplomacy, 1990-2000

%d bloggers like this: