Feeds:
Posts
Comments

Posts Tagged ‘موسيقى’

الموسيقى التي تأتي وحيدة دون أن يُمسك أحدٌ بيدها إلينا ، وحيدة دون أن تصحبها ذكرى أو إشادة أو توصية. المجهولة كطفل رضيع وُضِعَ أمام باب منزلنا في جنح الظلام. الجديدة كحواء خُلقت للتو نقية، رقيقة وخفيفة كالمطر. حالها حال *الألبوم المنسي لسنوات في مجلّد الموسيقى خاصتي. أُعجبت بغلافه الأحمر فتركتهُ يداعب نظري دهراً دون أن امتلك الجرأة على فضّه والاستماع إليه
…وحين فعلت
والموسيقى الجميلة خجولةٌ بطبعها، لا تتبختر بمشيتها الواثقة أمام شبان الحي بل تختار الطرق الطويلة إلى مرآة النهر لتستعرض عليها انعكاس قسمات وجهها المليح.
لا تدركها العين والأذن إن جلست وسط أترابها، رغم كونها أوفرهنّ حسناً ودلالاً
غامضة وسرّية، ومتلثّمة إلّا لمن كان بها خبيرا. ما أن تداعب مفرق شعرها حتى ينسدل شلالاً من نور ونار، كمارد نفَض غبار قمقمه ولفحَ أنفاسك.
وتُحار في أمرك وأمرها! كيف احتجبت عنك تلك الجميلة لسنوات و باب منزلها مجاور ونافذة غرفتها ملاصقة!
وتأخذك الدهشة مراراً متفكّراً في كلّ تلك العبارات: ” الأذن تعشق قبل العين أحياناً ”، “الحبّ من النظرة الأولى” وتدرك أين قيلت وفيما قيلت ولما قيلت
وتسمع المرة تلو المرة، لا استزادة في العشق، بل محاولة للفهم وإدراك سرّ التجلّي وسبر العوالم والحيوات والأرواح
وتدرك أخيراً ومتأخّراً وأنت على فراش الموت أن الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة كانت الموسيقى وما الحياة إلّا رحلة أصوات. صرخة ولادة، شهيق وزفير، آهات الألم والسعادة والنشوة والبكاء.. وفي النهاية شهقة الموت.
والموسيقى الجميلة لا يُباح بها للغرباء، وعابري السبيل، وتفقدُ شيئاً من جذوتها أمام الحمقى، وتنقم على من يفرّط بها
ألم تسمع بموسيقى خَنقت أصحابها؟
ومن يسلّم بنفسه إلى الموسيقى كمن أسلم روحه إلى الله، ترتفع به خفيفاً واثقاً إلى الأعلى ومنّ أحبّه الله يهبهُ من الموسيقى لدناً وشريكاً يسكن إليه. ويخلق له كوناً موازياً يضاهي جنّته الموعودة
وترف الموسيقى أنها قد تأتي في صوت! صوت واحد فقط. صوت سنونو الصيف مثلاً. هذا الصوت الواحد كفيلٌ بأن يسحب وراءهُ كرنفالاً من الحواس.. صوت والدتك المتذمرة من أعشاش السنونو في بيت النافذة، رائحة الصيف الباكر هذا العام، ضوء العصر الجميل، الإجازات المنتظرة، الثياب الخفيفة، ونداء: “يـا شام عاد الصيف”.
وترف الموسيقى أنها قد تأتي في صوت. صوت واحد فقط، ضحكتك مثلاً!

* The Musical Silk Road  -Le route musicale de la soie  ألبوم

والأغنية تعود إلى عليّ رضا غورباني

نُشِرت في دحنون

Advertisements

Read Full Post »

مطبخ يرزح تحت وطأة صمت النهار

مطبخ غارق في الصمت..المؤقت

!لقد ناموا
تبدو العبارةُ أعلاه كحصاةٍ أُلقيت في بحيرةٍ ساكنة، بقيت دوائرُ صداها تتردّد وتتّسع في الصمتِ البارد لمطبخٍ منزلي، مظلمٍ أو يكاد..باستثناء أضواءٍ مبعثرة خافتة في زوايا المكان
“لقد ناموا “
العبارةُ التي انطلقت من مصدرٍ مجهول في تمامِ الساعةِ الثانية صباحاً، كما تشيرُ ساعةُ حائط ذاتُ عقاربٍ فسفورية مشعّة، تبدو وكأنها تستوجب ردّاً ما! لكن ما من إجابة سوى دوائر الصدى تتّسع للحظات لتعود وتتلاشى تلقائياً ويرجعُ الصمتُ إلى سكونهِ الانسيابي

مع انتصاف الساعة الثانية، انطلقَ صوتٌ زاعقٌ حاد
! الآن يمكنك القول أنّهم ناموا بكل تأكيد

دبّت حرارةٌ مفاجئة في مجمّعِ الأشياءِ الساكنة المتناثرة تحتَ سقف المطبخ. آلاتٌ يدوية، أجهزةٌ كهربائية، كراسي، وخزائن.. الجميع يتكلّم في آنٍ معاً بحماسةٍ مدهشة

أعتقد أن إعلان نوم أفراد هذا المنزل ضمن قائمة المسؤوليات التي أُوكلت إليّ منذ الأزل-

يتكلّم برّادٌ مُسنٌّ بعمرِ عشرةِ أعوام، يعلو فوق جبينِ بابهِ الأبيض المائل للاصفرار مجموعةٌ من الصورٍ الفوتوغرافية، قصاصاتٌ ورقية، أشكالٌ مغناطيسة مبهمة المعالم

أعتقد أنّك قد بدأت تنسى عدد المرّات التي كدت أن تتسبّب لنا فيها بمشكلة! .. أنت أصم تماماً-

 تُجيبُ غسالةٌ أوتوماتيكية تُرك بابها الزجاجي مفتوحاً ليجفًّ بطنها المعدني مما جعل الغطاء النايلوني الملوّن المُلقى فوقها يُصدر ضجيجاً مزعجاً مع كلّ محاولةٍ لها في الكلام.  تستكمل حديثها

أفراد هذه الأسرة يغطّون في نومهم بعد الثالثة على أقلّ تقدير-

يتنحنح البرّاد بثقلِ من ضَجر حديثاً مكروراً مئات المرات. يجيب بصبر نافذ: حسناً. أغلق باب فمك

البوتوغاز يُصغي بصمت حزين للملاسنة الكلامية. كانت كمية من الأوساخ الدّهنية قد غَفِلوا عن تنظيفها تشغلُ تفكيره وتُعيقه عن أي انخراطٍ في الحديث. شعرَ بكدرٍعميق. نظرَ بعيونه الأربعة المتّسخة نحو عددٍ من الكؤوس الزجاجية الموضوعة رأساً على عقب فوق منشفة بيضاء بجواره. كان التماعها البرّاق يمزّق قلبهُ ألماً
أسرّ لنفسه بأسوء أفكاره: يوماً ما.. سأسمح للغاز بالتسرّب من أسطوانتي لأقتل أفراد هذه الأسرة جميعاً. حينها فقط،  سيدركون معنى أن يعلو رأس المرء بقايا عشاء

الحياة الليلية لأدوات منزل

كائنات تنتظر حلول الظلام..لبدء يومها

يقطع سيل أفكار الغاز المسكين قهقهات بدأت تعلو بالقرب منه. مجموعة من الفطائر المحشوة بالجبن تستلقي على طاولة المطبخ الخشبية في زورق زجاجي شفاف يكشف عن ثنيات جسدها الذهبي المقرمش. تضحك بوقاحة سافرة وتتحرّك بطريقة لا تخلو من الإغراء الرخيص أمام عبوة مياه بلاستيكية
هل تعتقد أنّنا وُضعنا هنا سهواً؟-

أقسم بالجبنة التي تذوب في أحشائي أنّها ستستيقظ بعد ساعة متذرّعةً بشرب المياه، لكنّ يدها لن تمتد إلّا إلينا

.غمزت الشطيرة بطريقة ذات معنى

هل تسمحون لي أن أُشير إلى أمر مهم!؟-

لقد وصلتني أخبار موثوقة هذهِ المرّة بأن الأنسة ميّ قد أعلنت قبل أسبوع المباشرة في نظام صحّي قاسي وحقيقي، وسوف لن تمتد يدها إلى أي طعام بعد الساعة السابعة مساءاً. تكلّمت عبوة المياه باستحياء واضح

اطلَقت الشطائر على أثر هذا ضحكةً مدوية اهتزّ لها الزورق الزجاجي. أكياس من المكسرات وُضِعت على رفٍ خشبي كادت تنزلق لضحكتها الهستيرية والتي انفتح على أثرِها باب البرّاد المسن ليطلَّ من داخله وعاء زجاجي عميق

انعكس نور البرّاد البرتقالي الخافت  ليتّضح ما بداخل الوعاء: أصابع من ورق العنب تلتمع كأجساد مدهونة بالزيت أطلقت صيحة خبيثة:.. نعم نعم..  لقد بدأت ريجيماً قاسياً. هه انظروا.. لقد كان عددنا اليوم في لحظة إزالة غطاءِ القدر عنّا ثمانون لُفافة،  تناولت الأنسة وقوفاً مايقارب نصفنا، وكادت أن تأتي علينا لولا أنّ حياءها منعها

اهتزّت الشطائر كما لو أنّها تؤكّد صحّة ما قيل، همهمت عبوة المياه بدورِها كلماتٍ غير مفهومة

أمّا البراد فقد حاول جاهداً أن يغلق بابه بنفسه لكن حوافه المطّاطية المتآكلة لقِدمها لم تستطع القيام بالمهمة

بقيَّ الضوء البرتقالي الخافت يتسرّب  كشقٍّ طولانييٍ يُنير عتمة إحدى الزوايا حيث كانت مجموعةٌ من الرفوف الخشبية التي تنتمي باللون فقط إلى بقية خزائن المطبخ تقبع وحيدة تحت وطأةِ صمتٍ موحش
كُتب بأغلفة مهترئة كانت تعلو الرفّ المكسو بمناديل مطرّزة. في الأسفل رفٌّ آخر وُضعَ عليه مشغّلُ اسطواناتٍ رماديُّ اللون، يومضُ بوميض أزرق خافت جدّاً يكاد لا يرى

أنا لا أنتمي إلى هذا المكان.. لم ولن أنتمي إلى مجمّع النفايات هذا. يزفر المسجّل بحسرة-

يتنهد كتاب مُلقى على بطنه فوق مجموعة الكتب الواقفة كرتل عسكري، يحاول أن ينهض بثقل

!لست بأفضل حالاً منك. هل سمعت عن كتاب يُلقى في مطبخ-

يتغير الوميض الأزرق في مسجل الأسطوانة ليصبح أحمر اللون ، يدور القرص المُدمج بسرعة لتنطلق منه موسيقى هادئة

هذه الموسيقى ستشعرك ببعض الراحة.. لقد سمعتُ ذات مرّة عن مكتبةٍ كبيرة، هناك في الجهة الشرقية من المنزل

لعلّهم يرسلونك إلى هناك قريباً. يتكلم المسجّل برقّة واضحة
أخشى أن العمرقد تقدّم بي و يبدو أنّ أوراقي ستنتهي لتنظيف بقايا قاذورات وجبة سريعة قبل أن ارى تلك المكتبة

:يتنهد المسجّل مع الموسيقى المسترسلة

عندما غادرت المتجر بعد ابتياعي، كان مستقرّي في غرفة الأنسة الصغيرة التي اعتادت أن  تعبث في أجزائي بعنفٍ مخيف..

كدت أفقد أعصابي، لاحقاً حين اخترعوا تلك الأشياء المجنونة الضئيلة الحجم، والتي تحتفظُ في جوفها بكمياتٍ هائلة من الأغاني المضغوطة، ضجرت منّي  فانتقلت إلى غرفة الأنسة الكبيرة

لم تكن أفضل حالاً بالطبع.  فتاة مزاجية،  ركلتني ذات مرة في بطني متسبّبة بخلع فكّي إثر مشادة هاتفية دارت مع صديقها

لأنتقل في النهاية إلى غرفة الأم.. وهناك كانت أجمل أيّام حياتي

كانت تمتلك أصابع مُدهشة!  حانية بصورة لا تصدق.. اعتادت أن تداعبني بتلك الأصابع لحظة استيقاظها الأولى
تستمع للأخبار أوّلاً، لاحقاً تُدير محطّات الراديو بحثاً عن فيروز لتحتسي في ظلّ صوتها قهوة الصباح

في الظهيرة تشعلني بهجةً  باسطوانات موسيقى العزف المنفرد لآلاتها الوترية المفضّلة العود والقانون

أمّا المساء فقد كانت الموسيقى الكلاسيكية المنطلقة منّي سبباً في غسلِ تعب النهار عنها وإرسالها في نومٍ عميق

!في تلك اللحظة، ينطلق صوت أجشّ مزعج: – فلتذهبوا إلى الجحيم

تُعلن هذا طنجرةُ ضغطٍ عملاقة في خزانة ما كانت قد ضَجرت بحديثهم

يعلو ضحك سافر من جوقة أدوات المائدة الموضوعة في قعر درج عميق..ملاعق، أشواك وسكاكين تراقصت ببهجة

في حين انثنت شوكة بأسنانها كما لو أنّها تعزف على كمان، مُقلّدةً صوت مسجّل الأسطوانات الحزين بتهكّم

“لقد كانت أجمل أيّام حياتي”

يغرق المطبخ بما فيه من كائنات في نوبةِ ضحكٍ هستيرية تنتهي حين يُنار ضوء المطبخ فجأةً

كما السائر في نومه، تدخل فتاة بشعر أسود رُفِع على شكل كعكةٍ أعلى رأسها، ترتدي بيجاما مقلّمة. تتجه إلى المنضذة الخشبية وسطَ المطبخ،  تتّلمس سطحها بطريقة آلية لتجد ضالتها في النهاية

زورق زجاجي يحوي شطائر جبنة، تتناول وقوفاً خمس شطائر.  تتّجه بثبات نحو مجموعةٍ من الأدراج في زاوية المطبخ، تسحبُ أحدها بتلقائيةِ من اعتاد على فعل ذلك مرّاتٍ عدّة.  تخرج لوحاً من الشوكولا، تزيلُ غلافه بحركةٍ آلية،  ليدوي صوت انكساره بين أسنانها في مجمّع الأشياء الساكنة، تشرب ما تبقى من مياه في عبوةٍ بلاستيكية، تلقي بها إلى سلّة المهملات، تطفىء النور

..وتخرج

Read Full Post »

%d bloggers like this: