Feeds:
Posts
Comments

قانون بثينة

كان الباب الحديدي الضخم للكلية العسكرية في حمص مغلقاً، ثلاثة ضباط عسكريين يقفون بسلاحهم الكامل بجانب ذلك الباب. نظر الحارس الواقف في الخارج إليّ رافعاً حاجبيه وقد أدهشه أن فتاة صغيرة مثلي تقف بين جماعة من الرجال الضخام المختلفين الذين يرتدون الزي العسكري.قلت بلهجة قوية وأنا أنطق كلماتي بوضوح وعلى نحو يتجاوز سنّي:” أريد مقابلة الرئيس”. طلب إلي الابتعاد بإشارة من يده وكأنه يقول لي:”اسكتي قبل أن يسمعك أحد”. توسلت إليه بل أصررت قائلة إنه إن سمح لي بالدخول فقد تغير المقابلة حياتي بأكملها. وأخيراً تعاطف الشاب مع طلبي، وأشار عليّ أن أدخل مجمّع الكلية. ثم سألني ألا أخبر أحداً كيف دخلت البناء

انتظرت صابرة تحت الشمس المحرقةـ رأيته يقترب عندما انتصف النهار وقد شكل عناصر الأمن سلسلة تحيط به مع معاونيه العسكريين. اندفعت متجهة نحوه لكن عناصر الأمن منعوني من الاقتراب منه. دفعني أحد مسؤولي الأمن بمرفقه دون أن ينظر إليّ وكدت أن أقع على الأرض. عندها أشار إلى عناصر أمنه أن يبقوا في الخلف، وطلب إلي أن أتقدم نحوه، فجريت مسرعة جعلت رأسي يصطدم بصدره وببعض العنف. تملّكني الحرج لكنني لم أشأ أن أفقد تلك اللحظة الثمينة. تجاهلت اصطدامي به وبدأت التكلم بأدب، وحرصت على أن يكون نطقي واضحاً: سيدي الرئيس، أنا بثينة شعبان من قرية المسعودية. حصلت على الشهادة الثانوية. كنت الأولى في حمص والرابعة في سورية لكن المرسوم الذي أصدرته حديثاً لم ينصفني. وأبي غير قادر على إرسالي إلى الجامعة ولذلك مستقبلي بين يديك!” ولما كنت شابة صغيرة فقد اعتقدت أن المسعودية هي مركز الكون وأنني بذكر اسمها في التماسي سأجذب انتباه الرئيس على الفور.” نظر الرئيس إلي وابتسم ثم قال:” لا تقلقي يا بنتي ستنالين ما تريدين”وطلب إلي أن أعود إلى بيتي وأنتظر أن يردني شيء من القصر الجمهوري
وردت الدعوة من المكتب أسرع كثيراً مما توقغت. في الواقع أتت في اليوم التالي تماماً. لم يكن لدينا هاتف في البيت. لذلك اتصل القصر الرئاسي هاتفياً بمكتب مدير الناحية في جب الجراح وطلب حضوري إلى دمشق صباح اليوم التالي لمقابلة الرئيس. وبدأت الاستعداد للرحلة الطويلة إلى العاصمة السورية . كانت تلك أول مرة أسافر فيها إلى دمشق. أذكر أن والدي لم يكن مرتاحاً لسفري ثانية، وكان قلقاً عليّ لكنه لم يرغب في منعي من ذلك علّني أكون على حقّ
وصلت إلى قصر المهاجرين، أخبرني مدير تشريفات القصر الجمهوري حينها خليل السعداوي أن ليس لي إلا عشر دقائق أروي فيها قصتي للرئيس من ألفها إلى يائها. أشرت برأسي موافقة، فقد كنت سأقبل بأي شرط لمجرد مقابلة الرئيس مرة أخرى. قلت في نفسي إن كل ما أحتاجه هو دقيقتين. دخل الرئيس الغرفة التي أُجلست فيها منتظرة. كان طويلاً آسراً كما رأيته قبل يومين في الكلية العسكرية. بدأ بالسؤال عن مشكلتي بالتحديد، وقال: تفضلي يا بنتي، كيف يمكن لي أن أساعدك؟
ولمّا كنت أعيد استظهار القصة في ذهني على مدى أيام، فقد انطلقت بالجواب فوراً من دون تردد.” سيادة الرئيس لقد أصدرت مرسوماً تشريعياً يمنح الطلاب العشرة الأوائل في البكالوريا العلمية راتباً شهرياً لإتمام دراستهم الجامعية، ومنحت الثلاثة الأوائل فقط في البكالوريا الأدبية هذه المنحة الشهرية. وأنا نلت الدرجة الأولى على محافظة حمص في شهادة البكالوريا والرابعة في القطر. والحقيقة أنني كنت أطمح أن أدرس البكالوريا العلمي وأختص بالهندسة، ولكن ليس هناك فرع علمي في كل قرانا، ولذلك اضطررت إلى دخول الفرع الآدبي. ولم أعرف لماذا أعطيت المنحة لعشرة الأوائل في العلمي، والثلاثة الأوائل في الأدبي، ولماذا لم تُعط الأول في كل محافظة مثلاً؟ قد يكون العشرة الأوائل كلهم من دمشق، أو من مدرسة واحدة. أما من نال المرتبة الأولى على محافظة دير الزور مثلاً أو درعا أو حمص فلا نصيب له، وماذا يمكن للطالب أن يفعل أكثر من أن ينال المرتبة الأولى على محافظته؟ لم أفهم غاية التمييز لصالح الفرع العلمي مادام الاختصاص العلمي يكاد يكون معدوماً في معظم ريفنا”. بينما كنت أتكلم وأستفيض في الشرح كي أضمن أنّني قد عبّرت عن قضية مهمة غير قابلة للرفض، ساورني بعض الخوف من أن هذا رئيس جمهورية، وقد يزعجه ما قلته، أو يعدّه انتقاداً له، وبدأت أسأل الله أن يكون جوابه لطيفاً. وأّلّا يعبّر عن انزعاجه منّي ولكن ما إن صمتّ ونظرت إليه محاولة أن أقرأ قسمات وجهه قبل أن أسمع جوابه، حتى رأيته يأخذ نفساً عميقاً ويقول لي:”معك حق”. لم أكد أصدق ما أسمع. الرئيس يقولي لي معك حق، وأنا الطالبة الصغيرة القادمة من قرية المسعودية، والتي ترى دمشق أول مرة! ومعي حق
بعد ذلك سألني عن قريتي وعن وضع الناس هناك وإن كان لدينا كهرباء أو خطوط هاتف في القرية، وأجبته بالنفي مع إيضاحات عن واقع قرى ريف حمص الشرقي الأمر الذي دفعه إلى تمديد المقابلة إلى أربعين دقيقة, كان متشوقاً إلى معرفة السبب في أن قرى سوريا لا تزال تعيس في الظلام في النصف الثاني من القرن العشرين. قلت لنفسي: ” حقاً أنك مجنونة يا بثينة! هذا رئيس جمهورية ماذا يمكن أن يدفعه إلى الجلوس معم والاستماع إلى قصصك؟” انتهى اللقاء نهاية ودّية، وقبل أن أخرج، طلب إليّ أن أتصل بالسيد أبو سليمـ وأعطى تعليماته أن يتمّ إعلامه إن اتصلت لطلب أيّ شيء
أثناء عودتي إلي قريتي في الحافلة، ضبط السائق المذياع على إذاعة دمشق. وكان أول خبر في النشرة الإخبارية هو تعديل الرئيس حافظ الأسد مرسومة السابق المتعلق بالمنح المخصّصة للمتفوقيق الأوائل. شعرت بقشعريرة تسري في أوصالي. فرئيس الجمهورية لم ينتظر يوماً واحداً لتغيير القانون، ولابد من أنه وقّع المرسوم الجديد فور خروجي من مكتبه! أردت أن أقول لكل ركاب الحافلة” هل سمعتم ذلك؟ لقد غيّر الرئيس القانون بسببي أنا!” تمكنت من ضبط نفسي وانتظرت حتى وصلت إلى المسعودية، حيث بدأت أصرخ فرحة في الوقت الذي كانت فيه أسرتي وأصدقائي قد بدأوا بالاحتفال وأطلقوا على القانون الجديد تسميتهم الخاصة

“قانون بثينة”

بعد سنوات عديدة، حين أصبحت أستاذة في جامعة دمشق ومستشارة في وزارة الخارجية، طلب إليّ الوزير فاروق الشرع أن أرافقه في سيارته لحضور “اجتماع مهم” كان ذلك غريباً، فالشرع لم يطلب مني قبل ذلك مرافقته إلى أي اجتماع من هذا النوع. وفي الطريق أخبرني أن المطلوب أن أقوم بالترجمة بين الرئيس حافظ الأسد وضيفه. تملّكني الخوف وخطرت في ذهني مليون فكرة: ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو تلعثمت. هل سيتذكّرني ؟ ماذا لوخيّبت أمله.
حين دخلنا حيّانا الرئيس الأسد من دون أن يصدر عنه ما يدلّ على أن تذكر لقاءنا السابق قبل عشرين عاماً. قلت في نفسي، ستكون معجزة إن تذكّر. لم أكن سوى مواطنة سورية، وواحدة من العدد الهائل من المواطنين الذين قابلهم خلال الأشهر الأولى من توليه الرئاسة. كنت متوترة جداً وربما ظهر ذلك جلياً على وجهي. ربّت على كتفي وقال: لا تخافي يا بنتي، إن أخطأنا فسنكرر ما قلناه، وليست المسألة خطيرة” وكان استعماله ضمير الجمع المتكلم في قوله أخطأنا يدل على طريقته المهذبة في القول: إن أخطأت أنت
وحين انتهى الاجتماع، بعد مغادرة الضيوف الأمريكيين مباشرة، التفت الرئيس الأسد إليّ وقال:ماذا كان سيحدث لنا لو أننا لم نرسلك إلى الجامعة. كنا سنجلس هنا اليوم من دون مترجم

 Bouthaina Shaaban

Damascus Diary: An Inside Account of Hafez al-Assad’s Peace Diplomacy, 1990-2000

!لقد ناموا
تبدو العبارة أعلاه كحَصاة أُلقيت في بحيرة ساكنة، بقيت دوائر صداها تتردّد وتتسع في الصمت البارد لمطبخ منزلي مظلم أو يكاد..إلّا من أضواء مبعثرة خافتة في زوايا المكان
“لقد ناموا “
العبارة التي انطلقت من مصدر مجهول في تمام الساعة الثانية صباحاً كما تشير ساعة حائط بعقارب فسفورية مشعّة، تبدو وكأنها تستوجب رد ما، لكن لا إجابة إلّا دوائر الصدى تتّسع للحظات لتتلاشى بعدها تلقائياً ويعود الصمت لسكونه الانسيابي

حين انتصفت الساعة الثانية انطلق صوت زاعق حاد
! الآن يمكنك القول أنّهم ناموا بكل تأكيد

دبّت حرارة مفاجئة في مجمّع الأشياء الساكنة المتناثرة تحت سقف المطبخ..آلات، أجهزة كهربائية، يدوية، كراسي، وخزائن..الجميع يتكلّم في آن معاً بحماس مدهش

أعتقد أن إعلان نوم أفراد هذا المنزل ضمن قائمة المسؤوليات التي أُوكلت إليّ منذ الأزل

يتكلّم برّاد مُسن بعمر عشرة أعوام، يعلو فوق جبين بابه الأبيض المائل للاصفرار مجموعة من الصور الفوتوغرافية، قصاصات ورقية، أشكال مغناطيسة مبهمة المعالم

أعتقد أنّك بدأت تنسى عدد المرّات التي كنت ستتسبّب فيها لنا بمشكلة! أنت أصم تماماً

 تُجيب غسالة أوتوماتيكية تُرك بابها الزجاجي مفتوحاً ليجف بطنها المعدني مما جعل الغطاء النايلوني الملوّن المُلقى فوقها يصدر ضجّة إضافية في كل محاولة لها للكلام، تستكمل حديثها

أفراد هذه الأسرة يغطّون في نومهم بعد الثالثة على أقل تقدير

يتنحنح البراد بثقل من ضَجر حديث مكرور مئات المرات، يجيبه: حسناً أغلق باب فمك

البوتوغاز يُصغي بصمت حزين للملاسنة الكلامية. كانت كمية من الأوساخ الدّهنية غَفِلوا عن تنظيفها تشغل تفكيره وتُعيقه عن أي مشاركة بالحديث. شعر بكدر عميق، نظر بعيونه الأربعة المتّسخة نحو عدد من الكؤوس الزجاجية الموضوعة رأساً على عقب فوق منشفة بيضاء بقربه. كان التماعها البرّاق يسبب له ألماً في القلب
أسرّ لنفسه بأسوء أفكاره: يوماً ما سأسمح للغاز بالتسرب من أسطوانتي لأقتل أفراد هذه الأسرة جميعاً حينها فقط سيدركون معنى أن يعلو رأس المرء بقايا عشاء

Darren-Baker-breakfast-tea-HQ
يقطع سيل أفكار الغاز المسكين قهقهات بدأت تعلو بالقرب منه. مجموعة من الفطائر المحشوة بالجبن تستلقي على طاولة المطبخ الخشبية في زورق زجاجي شفاف يكشف عن جسدها الذهبي المقرمش، تضحك بوقاحة سافرة وتتحرك بطريقة لا تخلو من الإغراء الرخيص أمام عبوة مياه بلاستيكية
هل تعتقد أنّنا وُضعنا هنا سهواً؟

أقسم بالجبنة التي تذوب في أحشائي أنّها ستستيقظ بعد ساعة بحجّة شرب مياه، لكنّ يدها لن تمتد إلّا إلينا. غمزت الشطيرة بطريقة ذات معنى

هل تسمحون لي أن أُشير إلى أمر مهم!؟

لقد وصلتني أخبار موثوقة هذهِ المرّة بأن الأنسة ميّ قد أعلنت قبل أسبوع بدءها لريجيم قاسي وحقيقي، وسوف لن تمتد يدها إلى أي طعام بعد الساعة السابعة مساءاً. تكلّمت عبوة المياه باستحياء واضح

اطلَقت الشطائر ضحة مدوية اهتزّ لها الزورق الزجاجي . أكياس من المكسرات وُضِعت على رف خشبي كادت تنزلق لضحكتها الهستيرية والتي انفتح على أثرِها باب البراد المسن ليطلّ من داخله وعاء زجاجي عميق. على ضوء البراد البرتقالي الخافت بدا ما بداخل الوعاء: أصابع من ورق العنب تلتمع كأجساد مدهونة بالزيت أطلقت صيحة خبيثة:.. نعم نعم لقد بدأت بريجيم قاسي وحقيقي. انظروا.. لقد كان عددنا اليوم في لحظة إزالة غطاءِ القدر عنّا 40 تناولت الأنسة وقوفاً مايقارب النصف، وكادت أن تأتي علينا لولا أنّ حياءها منعها
اهتزّت الشطائر كما لو أنّها تؤكّد على كلام أصابع ورق العنب
همهمت عبوة المياه كلمات غير مفهومة وهي تشعر بحرج ثقيل. حاول البراد أن يغلق بابه بنفسه لكن حوافه المطّاطية المتآكلة لقِدمها لم تستطع القيام بالمهمة فبقي الضوء الخافت يتسرب من داخله كشق طولاني يُنير عتمة إحدى الزوايا حيث كانت مجموعة من الرفوف الخشبية التي تنتمي باللون فقط إلى بقية خزائن المطبخ تقبع وحيدة بصمت موحش
كتب بأغلفة مهترئة كانت تعلو الرفّ المكسو بمناديل مطرّزة. في الأسفل رف آخر وُضعَ عليه مشغّل اسطوانات رماديّ اللون، كان يومض بوميض أزرق خافت جدّاً يكاد لا يرى
أنا لا أنتمي إلى هذا المكان..لم ولن أنتمي إلى مجمّع النفايات هذا. يزفر المسجّل-

يتنهد كتاب مُلقى على بطنه فوق مجموعة الكتب الواقفة كرتل عسكري، يحاول أن ينهض بثقل
لست بأفضل حالاً منك. هل سمعت عن كتاب يُلقى في مطبخ

يتغير الوميض الأزرق في مسجل الأسطوانة ليصبح أحمر اللون ، يدور القرص المُدمج بسرعة لتنطلق موسيقى هادئة
هذه الموسيقى ستشعرك ببعض الراحة. سَمعت عن مكتبة كبيرة..هناك في الصالة البعيدة في الجهة الشرقية من البيت. لعلّم يرسلونك إلى هناك قريباً.يتكلم المسجّل برقّة واضحة
أخشى أن العمر تقدّم بي و يبدو أنّ أوراقي ستنتهي لتنظيف بقايا قاذورات وجبة سريعة قبل أن ارى تلك المكتبة

يتنهد المسجّل وينطلق مع الموسيقى المسترسلة: في المرّة الأولى التي غادرت فيها المتجر، كان مستقرّي في غرفة الأنسة الصغيرة التي اعتادت أن  تعبث في أجزائي بعنف مخيف..كدت أفقد أعصابي، لاحقاً حين اخترعوا تلك الأشياء المجنونة الضئيلة الحجم، والتي تحفظ في جوفها كميات هائلة من الأغاني المضغوطة، ضجرت منّي فانتقلت إلى غرفة الأنسة الكبيرة، لم تكن أفضل حالاً ، فتاة مزاجية ركلتني ذات مرة في بطني متسبّبة بخلع فكّي إثر مشادة هاتفية دارت بينها وبين صديقها، لأنتقل في النهاية إلى غرفة الأم..وهناك كانت أجمل أيّام حياتي
كانت تمتلك أصابع مُدهشة الدفء، حانية بصورة لا تصدق، اعتادت أن تداعبني بتلك الأصابع لحظة استيقاظها الأولى
تستمع للأخبار أوّلاً، لاحقاً تُدير محطّات الراديو بحثاً عن فيروز لتحتسي في ظلّ صوتها قهوة الصباح بجانبي
في الظهيرة تشعلني بهجة باسطوانات موسيقى العزف المنفرد لآلاتها الوترية المفضّلة العود والقانون، أمّا المساء فقد كانت الموسيقى الكلاسيكية المنطلقة منّي سبباً في غسلِ تعب النهار وإرسالها في نوم عميق

فلتذهبوا إلى الجحيم تُعلن طنجرة ضغط عملاقة في خزانة ما ضَجرت بحديثهما
يعلو ضحك سافر من جوقة أدوات المائدة الموضوعة في قعر درج عميق..ملاعق، أشواك وسكاكين تراقصت ببهجة، في حين انثنت شوكة بأسنانها كما لو أنّها تعزف على كمان، مُقلّدةً صوت مسجّل الأسطوانات الحزين بتهكم: لقد كانت أجمل أيّام حياتي
يغرق المطبخ بما فيه من كائنات في نوبة ضحك هستيري تنتهي حين يُنار ضوء المطبخ فجأةً

كما السائر في نومه، تدخل فتاة بشعر أسود رُفِع على شكل كعكة أعلى رأسها، ترتدي بيجاما مخطّطة، تتجه إلى الطاولة الخشبية، تتّلمس سطحها بطريقة آلية لتجد ضالتها في النهاية..زورق زجاجي يحوي شطائر جبنة، تتناول وقوفاً عدداً منها،  تتّجه بثبات نحو مجموعة من الأدراج في زاوية المطبخ، تسحب أحدها بتلقائية من اعتاد على فعل ذلك مئات المرات، تخرج لوح شوكلا، تزيل غلافه ليدوي صوت انكساره بين أسنانها في مجمّع الأشياء الساكنة، تشرب ما تبقى من مياه في عبوة بلاستيكية، تلقي بها إلى سلة المهملات، تطفىء الضوء

..وتخرج

الثقة المفرطة التي تمنحنا أيّاها تزكية الأصدقاء لكتاب ما، قد لا تودي بالضرورة للنتيجة المرجوة. أتكلم بالتأكيد عن أشخاص يشاركوننا المزايا التعبوية في الفكر والمزاج والحماس مما يودي بنا إلى توقعات هائلة تُبنى عليها لاحقاَ خيبة مضاعفة
هل حماستي المفرطة التي تقودني لاقتراح أمر ما على الأصدقاء المقرّبين قد تلقى خيبة لدى البعض منهم ؟! كان لابد من هذا السؤال
حصل الأمر معي ذات مرة حين اقترحت رواية “عزيزة” على صديق وأقول عزيزة لأنها من ذلك النوع الذي يُحتضن بعد الانتهاء منها، لأعود لتناولها مرة أخرى بنهم المرة الأولى
الرّواية كانت العمى، لجوزيه سارماغو، تلك التي أًصابتني بعمى واختناق، قادني إلى اقتراحها على صديقي الذي رأى فيها رواية تصلح كقصة للأطفال تحمل كمية من الحكم المُعلّبة والجاهزة التي تفضي إلى نهاية كلاسيكية بانتصار الخير واضمحلال الظلام،العمى، الشر
انزعجت قليلاً..في الواقع انزعجت كثيراً، ربماً كثيراً جداً، قلت لنفسي: العمى بقلبه
لاحقاً، كففت عن تناول النصائح بحماسة فور تلقّيها، عَمدت إلى تركها على الرف الأعلى ريثما يبرد الزخم. وقت جيد يجب أن يمر بما يكفي لأن أدّعي اللامبالاة بالنتيجة، بعدها أجذب الكتاب من رقبته ببرود، أنتظر أن يتعثر الخطى، ولايطول انتظاري

عدّاء الطائرة الورقية للكاتب الأفغاني خالد حسيني كانت آخر ما وضع في سلّة: تمهل مطب قرائي

حسناً فلنعترف بأن الحديث عن أفغانستان ما قبل طالبان مثير للاهتِمام. الحديث عن بلدان وُلدنا بعد أن تغيرت ملامحها للأبد حتى بات الحديث عن امرأة حاسرة الرأس وسط شوارع كابول، ترتاد الجامعة، تستمتع للموسيقى وتدندن معها، أمر أشبه بمزحة لا تُضحك، أمر غير قابل للتصديق. دبّت الحماسة بي، ظنَنت أنّني أمام ميلان كونديرا الأفغاني، وسأجلس لأيام أراقب في ما يشبه سيرة ذاتية كيف تتبدل الأوطان، ويتغير شكلها

في ستّينيات القرن الماضي ُولِد”أمير”بطل الرواية وصوتها المتكلّم طيلة ثلاثمئة صفحة بهتت بسرعة البرق، السقوط الدراماتيكي ليس بسبب فكرة الرواية غير القابلة للتطور، فالقصة تدور حول تأريخ مرحلة تاريخية أشبه بمنعطف بدأ بانتهاء عصور الملكية، ومن ثم الغزو (لايمكن أن تحمل قصة أحداثاً أكثر إثارة من تلك) لكن طريقة صبغ الرواية بطابع هندي-تركي منفّر جعل الكتاب يبرد قبل أن تنتهي الصفحة مئة. أما ما تبقى فهو بمثابة جلد نفس لي، ذلك أن هجران كتاب أمر لا يغتفر، والشروع بالقراءة يحتّم انهاء ما قد بدأت به
ما المشكلة! وهل يجب على الرواية أن تكون دائماً كالحلوى المفضلة لدينا؟ هل كرهي لأمير الذي تدور الرواية حوله وبصوته هو السبب! الشخصية منفّرة، ليست جبانة كما يحاول الكاتب أن يُظهرها، بل خسيسة وسفيهة. حتى أكثر الروايات إمعاناً في وصف “الأشرار” قادرة على الخوض بنا إلى العمق لسبر الشخصية. هل يعقل أن تكون هناك شخصية أكثر إجراماً من “راسكولنكوف” في الجريمة والعقاب، سارق، مجرم وقاتل، لكن دوستويفسكي يضخّ الرغبة الهائلة فينا لفهم بطله، وقراءته من الداخل، لمصادقته، لرؤية ماوراء الخير والشر. أما ما لا أفهمه في هذه الرواية هو ترك نذالة”أمير” راكدة دون معالجتها، رغم أننا رافقنا “أمير” منذ ولادته 1964 بما يشبه سيرة ذاتيه فكيف لا نفهم منبع الخسّة المتأصلة في طبعه
الرواية تفتقر لمعالجة شخصية البطل في العمق، باستثناء والد أمير وصديقه حسّان، الجميع يعمل على دفع الأحداث لا أكثر. حتى الأحداث والزمن لم يعملان على بلورة الشخصية، مجرد تقدّم عمري لا أكثر. كل ما فعله خالد حسيني هو ملامسة الخارج في كل شيء دون الولوج إلى العمق مقدار إنش معتمداً على إثارة موضوع الحديث عن أفغانستان، الأمر الذي باعتقادي جعل من هذا الشيء المدعو “عداء الطائرة الورقية ” رواية مباعة بملايين النسخ حول العالم
في الجزء الثاني من الرواية، بعد احتلال أفغانستان، لم يعد هناك مونولوجات لـ”أمير” الطفل بل سرد للأحداث كما لو أن القاص ليس إلا معلّق رياضي على مبارة كرة قدم
لا أدري إن كانت الترجمة قد ساهمت في إضفاء هذا الطابع. افتعال أحداث وبقاء الشخوص كما هي غير قابلة للتطور، رحلة التكفير عن الذنب بالنسبة لـ”أمير” كانت لفظية. مرّة أخرى لم يفلح الكاتب عبر صفحات الكتاب الطويلة في أن يلمس العمق. و النتيجة..مطب قرائي

كتاب آخر انضم للسلة المطبات القرائية، لأسباب مختلفة. هذه المرة الاقتراح جاء من مدوِّنة رائعة تُدعى هيفاء، رغم هجراني للقراءة الالكترونية لما يقارب السنة إلا أن مدوّنتها كانت من الأماكن القليلة التي احتفظت بزيارتي لها. الدخول إليها يصحبه شعور محبّب بالدفء والسحر في آن معاً، بثقافتها الغنية البعيدة عن الاستعراض، استمتع بالتهام نصائحها في الموسيقى والأفلام كذلك في الروايات وأطباق الطعام. اقترحت في مدونتها الأسبوع الفائت رواية تُدعى: الدفتر الكبير للكاتبة أغوتا كريستوف تتحدث عن بشاعة الحرب وقسوتها على الأطفال
سارعت إلى تنزيل الرواية، لأقوم بالانتهاء منها سريعاً. أستطيع أن أوجز الحديث عنها بعبارات: مجموعة من الأحداث تصف الأفعال بعيداً عن المشاعر. وأنا أجد صعوبة في رواية تقص الأحداث دون أن تجعل من شخصيات الرواية أصدقاء لي. الرواية قاسية، بشعة، مفرطة في الشذوذ الذي يصبح طبيعياً في زمن الحرب. آلمتني الرواية دون أن أشعر بالقرب منها، بل على العكس.. نفور شديد

منذ زمن جاءت نصيحة موسيقة عرّفتني على “غالية بن علي”، هذه المرّة النصيحة كانت كالذهب ، رغم أنّها جاءت من “صديقة” سابقة لم تفلح معها الموسيقى لأن تصبح أجمل، أنظف. لكن احتفظت لها بالامتنان ذلك أنّها قادتني إلى أغنية غالية الوحيدة التي بقيت عالقة لشهور طويلة تُعاد مرات ومرات دون أن تُستهلك ودون المحاولة للبحث عن أغاني آخرى لها. شعرت أن غالية هي مطربة الأغنية الواحدة وتلك كانت أغنيتها

قبل أيام شاهدت مقابلة معها على إحدى المحطّات. جميلة، بسيطة، عفويةـ حقيقية، ضاجة بالفرح كقرع طبول افريقية. تضم قدميها بطريقة طفولية، تغني بمتعة غريبة، تبحث عن كلماتها بالعربية التي لا تجيدها، تضحك باسترسال أما مضيفها البارد الذي لم يعلّمه الشعر الذي يدّعي كتابته كيف يقنع وجهه بابتسامة، ولم يعلّمه عمله كمقدّم برامج أن لايلتقي بشخصية لا يشعر بالود ازاءها. بدا كرجل مسن كريه يهوى تمزيق كرات أطفال الحي(لطالما بدا لي كذلك)، بدت كطفلة مشاغبة بروح ساحرة

تكتب الشعر، تغنّي، ترقص، وترسم أيضاً… عقّبت على ذلك قائلةً: لدي فيض ! أشعر أن لدي فيض هائل
أولئك الذين لديهم فيض يطوون بحياتهم حيوات عديدة، لكنّهم نادراً مايتمتلكون الرغبة بالفيض على الملء

.إلى الأرواح الجميلة في كلّ مكان..فيضوا تصحّوا

قد لا تبدو أربع سنوات مدة زمنية طويلة
في الحقيقة هي ليست طويلة على الإطلاق
فأشجار الليمون بعودها الطري، تلك التي نصبتها بيدي قبل أربع سنوات، تحتاج لزمن أطول كي أجني منها قطافي الأول
الكرمة التي عُصِرت لتغدو نبيذاً، أربع سنوات لا تكفي لتجعل من نبيذها : نبيذ مُعتّق فاخر
تلك التي قصّت شعرها الطويل ذات جنون عابر تحتاج لزمن أطول قبل أن تعود جدائلها لتتأرجح خلفها بتيه ودلال

إن بدأت رحلة على دراجة هوائية أجوب بها العالم..فلن أكون قد عدت إلى نقطة الإنطلاق بمضي أربع سنوات..أحتاج وقت أكبر
أربع سنوات غير كافية
أربع سنوات مدة قصيرة جداً

أربع سنوات تعني أربع شتاءات فقط، أربع مواسم عنب، موسمي زيتون و مونديال واحد

أربع سنوات..زواج مازال يُطلق على طرفيه: عرسان جدد
أربع سنوات..عمر طفلة مازالت تتهجّىء الأحرف قبل دخولها المدرسة
أربع سنوات..عمر غرفة جلوس لم تهترئ بعد تحت وقع مؤخرات سمينة اعتادت أن تلقي بثقلها عليها
أربع سنوات عمر أحجية بازل لم ترتب كما ينبغي بعد
أربع سنوات مدة قصيرة في الواقع
هي حتى ليست كافية لتنمو عريشة ياسمين مازالت تتسلق بهدوء وثبات منذ نقلها الجد من علبة تنك صدئة إلى أرض الحديقة
غير كافية ليُبدي شاب خجول ورزين إعجابه بصديقته
غير كافية ليقرر زوجان أن الوقت قد حان لينجبا طفلهما الأول

أربع سنوات غير كافية لتعود أُم عن يمين كانت قد أقسمته بأنها لن تصنع “المغدوس” بعد اليوم ..مازال أثر الباذنجان بلونه البنفسجي الداكن الوقح على أرضية المطبخ

أربع سنوات غير كافية بتاتاً ليقتنع متيّم أن حبيبته هجرته للأبد… كل اكتمال بدر يرسل إليها بفيض روحه منقوشاً على حبّة أرز

أربع سنوات..أربع سنوات هي أقصر من ارتداد البصر لمريض أخبروه بأن ما تبقى له في هذه الحياة أربع سنوات
أربع سنوات ..
هي زمن تافه لا يكفي لجفاف التراب الرقيق المنثور فوق جسد عزيز رَحل قبل أربع سنوات
أربع سنوات مدة لهزالتها قد تبدو مضحكة
غير كافية لتفهم المغزى الجمالي لتمثال مشيّد على مدخل مدينة
لتستوعب عقدة مرورية تعبرها كل يوم
لتضجر من محاولة فهم هندسة ساحة وسط العاصمة أٌريد لها أن تكون جميلة وذات دلالة تاريخية
أربع سنوات مدة قصيرة لا تكفي لتسليم بيوت سكن شبابي..أو حتى الشروع ببنائه
أربع سنوات لاشيء في واقع الأمر.. أربع سنوات هي مدة قصيرة جداً
إلّا تلك اللعينة بسنواتها الضوئية الأربعة بدت لي بعمر أربعين عام، أربعمئة عام، أربعة آلاف عام

أربع سنوات طويلة ثقيلة مضنية كحشرجة، كانتظار أبدي لراحة الإغفاءة الأخيرة التي لا تأتي، كلعنة تجعل اليوم بألف سنة
أربع سنوات
أربع سنوات اضمحل، أيأس، أتأمل، انتظر، اترقب، ارثي، أودع، انتحب، أندب، أكره، أحقد، أقتل، أُقتل، أبكي، أنزف، اُستنزف، ألعن، أزوي، أدور
أربع سنوات يا إلهي.. رقم هائل من الدقائق والساعات والأيام
إن كانت كل دقيقة تعني صعود روح إلى الأعلى
أحقاً هناك حكمة تُرتجى من هذا النوسان الهائل المستمر! ألم يحن وقت تكشّفها

!ألم تخلق الحروب لتنتهي؟! ومتى أصبحت تميل لترك روايتك بنهايات مفتوحة
بالله عليك يالله اغلقها، أرنا معجزتك، تجلّى! إن كنت القوي الكبير الرحيم أظهر الآن الآن
أربع سنوات كثيرة يارب…اقلب عاليها سافلها، أين حجارة السجيل ؟! ارميها الآن الآن
أكانت الخليقة بحاجة لأن تحمل في فلك نوح من كل شيء زوجين ! ألم تفكّر في أن على هذه الأرض ما يستحق الفناء
يارب ..أربع سنوات مدة طويلة على طفلة وُلِدت دون أن تعرف ملامح وجه أبيها..دون أن يكون نداء:.. بابا، ضمن الكلمات الأولى التي تلفّظت بها
يارب..أربع سنوات مدة طويـــلة لتلك التي توسّدت الأرض قرب أربع شواهد رخامية وكأنّها منذورة للفراق.. في كل عام قدّمت ابن
أربع سنوات.. موت أسود طويل لرجل أطلق لحيته طويلاً منذ أن غاب اثر ابنه..لا هو أيوب ولا الغائب يوسف بل هم أنبياء الحرب الجديدة
أربع سنوات..تستحضر يارب من أرشيف الوجود حوادث ظننتها لا تحدث إلّا في كتب التاريخ
الحُسين في كل يوم يُدار برأسه على رماح معاوية بين عراقها وشامها
تمتلئ الأرض بحفدة يهوذا يصلبون في كل يوم مسيح جديد

أربع سنوات..كِرام تُذل ونفوس تُهان وأرذل الخلق يرثون الأرض

لا الزمن يتوقّف ولا الأيام تعود بدورتها..لا الحيّ يطلب الموت يأتيه، ولا الميّت يوارى الثرى فيرتاح

أربع سنوات  مدة طويلة…هذا كل مافي الأمر. أما اكتفيت ؟

 تفجير القزاز 10.05.2012

تفجير القزاز 10.05.2012

لاشيء يختزل ما جرى، لايجب اختزال ما جرى، الحاجة كل الحاجة لتسجيل تلك اللحظات وإن كان ذلك أقرب للمستحيل فلا الماضي استطاع أن يصل لنا كما حصل، كي نستطيع نحن أن نحفظ للمستقبل ما يجري الأن، في زمن أصبح تزييف ما تراه بأم العين أسهل من تحرّي نقله بصدق. ستمتد السنوات الأربع، نعلم ذلك علم اليقين، لا التمني ولا الدعاء سيحولون دون إكمال العرض الطويل

لكن هناك في المستقبل، إن بقي للجنس البشري استمرار، طفلة تتأمل الصورة أعلاه بكثير من الدهشة! ذُيّلت الصورة بعبارة واحد فقط: “تفجير القزاز،دمشق”. ستتأمل الصورة طويلاً كما فعلت، وستقف طويلاً عنده..ذلك الجالس في يمين الصورة بخوفه، ورعبه، وألمه، وعريّه، وقهره. ستخرج منها تنهيدة، ربّما دمعة ..ما أتمناه حقّاً أن تمتلك تلك القابعة في المستقبل حقيقة ما جرى هنا يوماً على هذهِ الأرض

كان غابو ينتظر طائرته المتوجهة إلى نيويورك من مطار شارل ديغول في باريس حين قيّض له أن يرى: أجمل امرأة في حياته

مخطوف الأنفاس، مبهوراً حتى الثمالة جلس يراقب الفتاة العشرينية ببشرتها الغضّة بلون القمح وعينيها اللوزيتين الخضراوين، وشعرها الأسود المنسدل حتّى الكتفين وقد أُحيط وجهها بهالة من سحر الشرق. حين صعد إلى الطائرة وجد جميلته تجلس في المقعد المجاور له! “إن قُدِّر لي يوماً أن أكتب هذهِ القصة، قال يحدّث نفسه، فلن يصدّقني أحد”. استقرّت الجميلة الحسناء في مقعدها كما لو أنّها ستلازمه دهراً، طلبت كوب من الماء، ابتلعت قرصين ذهبيين، وضعت الوسادة في فجوة عند نافذة الطائرة، تدثّرت حتى خصرها دون أن تخلع حذاءها لتتكوّم في وضع شبه جنيني وتنام دون تنهيدة. وفي هذا الوضع بقيت لثماني ساعات أبدية و اثنتي عشر دقيقة وهي مدة الرّحلة إلى نيويورك
“لاشيء في الوجود يفوق جمال امرأة جميلة، تمتم غابو لنفسه”

بات من المستحيل عليه أن يفلت دقيقة من سحر هذا المخلوق الخرافي الراقد إلى جواره. تفحصها عدّة مرات سنتيمتراً سنتيمتراً،  قبل كل كأس كان يتجرّعه، يرفع كأسها عالياً ليشرب نخبها:نخبكِ، جميلتي

هذه القصة هي واحدة من “أثني عشر قصة تائهة” لغابرييل غارسيا ماركيز، واسمها: “طائرة الجميلة النائمة” يستلذ فيها الحكّاء المدهش كعادته كمافي الروايات كذلك في القصص بممارسة الإبهار بخفّة ساحر يخرج من قبّعته قبيلة من الأرانب، يدفعك للابتسام، وربّما القهقهة طويلاً كما حدث معي وأنا ألتهم أحداث رحلته التي تنتهي باستيقاظ جميلته النائمة من تلقاء نفسها في نهاية الرحلة، ليتأمّلها متحسّراً وهي ترمي بالغطاء جانباً، تنفض شعرها بخفّة، تطرّي وجهها بالمساحيق…لتضيع بعدها بين الجموع قبل أن تتوارى نهائياً في مجاهيل نيويورك..و ليكمل غابو على طائرة الحسناء النائمة طريقه إلى مكسيكو مجترّاً دفعات الحنين لجمالها بعد أن نقل لنا العواصف التي اجتاحته على مدار الساعات الثمانية.

لا أدري كيف ساقتني الصدف في الآونة الأخيرة لأن أطالع هذهِ القصة في مكانين مختلفين لتأتي الثالثة قبل أسبوع من الآن حين كانت توطئة رواية ساحرة تُدعى ” بيت الجميلات النائمات” لـ ياسوناري كاواباتا هي قصة الجميلة النائمة التي يستحضرها ماركيز في مقدّمة الكتاب بعد أن ينمنم القصّة بتفاصيل الصدف التي قادته لاكتشاف ياسوناري كاوباتا
ساقتني صدف من نوع آخر إلى بيت الجميلات النائمات، أشبه بطريق بدأت مؤخراً السير به بعد اكتشافي المتأخّر أن اولئك المتشابهي الأوجه والسحنة ذو الميول الغرائبية والثقافة الجمعية الإنتحارية في بلاد الآلات والأرقام وحضارات التاو والساموراي لديهم أدب..وأيّ أدب! ذاك الذي تتنهد بعد قراءة قطعة منه وتتمتم بأنّ ما فاتك الكثير حقاً
تتوالى الروايات والكتّاب جونيتشيرو تانيزاكي، كازوو إيشيغيرو، يوكو ميشيما(اثنان منهم أنهوا حياتهم انتحاراً) لأصل إلى الروائي الأعظم في اليابان ياسوناري كاوباتا والذي أنهى حياته بسيف طقوسي بَقرَ به أمعاءه بعد سنوات على منحه جائزة نوبّل للآداب 1968 على روايته المذهلة التي علّق عليها ماركيز: إنّه الكتاب الوحيد الذي وددت لو أكون كاتبه
في رحلة غابو على متن طائرة الجميلة النائمة تتراءى له تجربة”إيغوشي” بطل رواية “بيت الجملات النائمات” ماثلة أمامه، غير أن ذلك لم يمدّه بأي متعة كحال بطل كاواباتا. كان الشيء الوحيد الذي تمنّاه خلال الساعة الأخيرة من الطيران هو أن يوقظ المضيف تلك الحسناء ليتمكن هو من استرجاع حرّيته..وربّما شبابه

house-of-the-sleeping-beauties-by-Yasunari Kawabata
لا أحداث حقيقية تدور في فضاء “بيت الجميلات النائمات” بل كون مُغرق في الغرابة، ترتدي فيه الكلمات والأشياء لبوس آخر ومعنى جديد المتعة هنا مغايرة لما قد نعرفه، الحياة، الموت، اللذة
ماتدور حوله الرواية يبدو بالغ الأسى.. رجل يهبط سلم العمر وفتاة تصعد الدرجة الأولى منه..مُسن و شابة تحت سقف منزل غريب يقع في ضواحي طوكيو، بداخله دمى حيّة من أكثر فتيات المدينة جمالاً، يرقدن عاريات تحت تأثير مخدّر ليستلقي إلى جانبهن عجائز دفعوا مبالغ طائلة ليتمتّعوا بالشكل الأخير الأكثر نقاءً للحب

العجائز لايملكون حق إيقاظ الفتيات أو لمسهن،  لايمتلكون حتّى القدرة على ذلك.. ما يملكونه حقّاً هو إمكانية الحلم وكل ما يجنوه من ارتيادهم لهذا المنزل نفحات من ذكريات الشباب

“ثمّة زبائن يقولون إنّهم رأوا أحلاماً جميلة أثناء نومهم. آخرون تذكّروا أيام الشباب”

إيغوشي هو صوت المونولوج الطويل على مدى صفحات الرواية، المُسن الذي قصد هذا النزل ليستغرق في عالمه المالح العذوبة بعيداً عن قرف العيش، الوحدة والشيخوخة
رحلة اكتشاف هول الشيخوخة لدى العجوز”إيغوشي” كانت تمر عبر استذكار حوادث ترقى للطفولة البعيدة بقيت محفوظة في ذاكرته لتُبعث بالصورة الأكثر صفاءً وحياةً أمام جسد حسنائه الغارقة في نوم سباتي المستسلمة ببراءة غافلة عن كل شي في الوجود

ربّما ليس هناك بوذا للعجائز لكي يبتهلوا إليه لكن هناك فتاة عارية جميلة يضمّونها بين أذرعهم ذارفين دموعاً باردة غارقين فى شهقات قوية منتحبين فتاة غافلة عن كل شىء ولن تستفيق مطلقاً تمنحهم حرّيتهم المطلقة فى الندم حريتهم المطلقة فى النحيب دون أن يشعروا بأي ندم أو طعن في كبريائهم.. أفلا يمكن إذاً اعتبار الجميلات النّائمات من هذه الوجهة آلهةمثل بوذا ونابضات بالحياة فوق ذلك ؟ أليست رائحة فتاة شابة وبشرتها تكفيراً للعجائز التاعسين وتعزية لهم

قدرة”إيغوشي”صوت كاوباتا الحيّ في الرواية على الوصف مذهلة (أدرك الآن رغبة ماركيز لكتابته تلك الرواية. رائحة شيخوخة مماثلة تسري في روايته:ذاكرة غانياتي الحزينات)..وصف دقيق، هادئ، ومسترسل بانسياب لكل فتاة..تكاد تشعر أن الفتاة تستلقي أمامك، لتصبح يدا إيغوشي المنسابة على ملامحها وأجزاء جسدها كاميرا حيّة

” أزاح إيغوشي الستارة ونظر إلى الفتاة النائمة كاتماً أنفاسه أمام الجمال اللامتوقع لها. لم يكن جمالها الشيء الوحيد غير المتوقّع، بل فتوّتها أيضاً. كانت مستلقية على جانبها الأيسر، وجهها مكشوف وباقي جسدها غير مرئي. على الأرجح لم تبلغ العشرين بعد…كما لو أن قلباً جديداً خفق بأجنحته في صدره. كيف تسنى لثدى الأنثى البشرية وحدها من بين جميع الكائنات أن يتخذ بعد تطور طويل هذا الشكل الرائع! أليس الجمال الذى بلغه نهد المرأة المثال الأبهى لتطور الإنسانية

كل ليلة كانت فتاة جديدة تستلقي بنضارة شبابها، باستكانتها المستفزّة، برقادها العذب وبخدرها اللامبالي في الغرفة المخصّصة له. يتأمّلها طويلاً في البداية، يعاينها ويقلّبها بين ذراعيه، يسترجع ذكرياته كشريط صور يجري أمام عينيه، تمر نساء حياته واحدة تلو الآخرى. يرى حبيبته الأولى تلك التي صعقتهُ بجمالها لدرجة أن الدموع انهمرت من عينيه، والدته التي صدمه أن يتذكّرها في ذلك المكان، زوجته، بناته الثلاث، عشيقاته…خيباته وبهجاته
النهاية تأتي صادمة كأفضل ما تكون النهايات اللامتوقّعة لكنّها مفتوحة..ولانهائية لشخص مثلي قد تؤرقه حياة الكائنات العالقة في الرّواية حتّى بعد إغلاق دفّتي الكتاب
“للعجوز الموت وللشاب الحب، نموت مرّة واحدة ونحب مرّات عديدة “

الجميلات يرقدن هنا بالنسخة العربية من ترجمة ماري طوق *

بانتظار جلنار..

يمكن تَخيُّل الله، أمام غناءٍ ساحر، وهو يتمنّى لو لم تكن الكائنات جميعها محكومةً بالموت

ويحدث أن ينبش المرء التاريخ والجغرافيا أفقياً وعامودياً مطارداً رغبة سرمدية بتذوق كل ما أنتجته البشرية من جمال لتأتي لحظة هاربة من عالم مواز، تستيقظ فيها الروح، تلتقط بكل الحواس الممكنة مقطع هارب من أغنية زيّنت صباحات طفولة غابرة لسنوات طويلة..لحظة واحدة تعادل اقيانوسات الجمال
:كانت أغنية “جلنار” للسيدة فيروز، ومقدّمة الأغنية تحديداً
يا صبح روّج..طولت ليلك”
خلّيت قلبي نار
بلكي بتجي أختك تغنيلك..بلكي بتجي جلنار.” تفتتح برنامجاً صباحياً على إذاعة دمشق. على مدار سنوات الدراسة الطويلة بأكملها سَمِعت اسم جلنار يتردّد في منزلنا كحاجة لا مفرّ منها، كشرط لاكتمال الصباح

في بادئ الأمر، بدا لي الأسم غريباً، ولسبب غامض، وجدته أخضر اللون! ..لا أدري كيف يمكن لأسم أن يكتسب لون خاص به لكن “جلنار” تحوّلت لفتاة يخضورية تقبع في الراديو طوال الليل، تتحيّن الساعة السابعة صباحاً لتقوم بحركتها السحرية فتخرج من الراديو بكل تلقائية، تجلس في النور، تضع يديها في حجرها، بهدوء كل ملائكة الأرض..و تنشد: .. يا صبح روّج

حين كبرت قليلاً، وأصبح حضور” جلنار” أكثر اعتيادية، مع احتفاظه بكل مسبّبات الدهشة . تتطوّرت علاقتي بها فظَننت “جلنار” نشيداَ وطنياً، ترتيلة شبيهة بـ”آيات من الذكر الحكّيم”، أو معزوفة آخرى لها قدسيتها كتلك التي يعزفها بُزق”محمد عبد الكريم”
كَبرت، لا رغبةً منّي بذلك، إنّما واقع الحال.. لكن “جلنار” بقيت كما هي، خضراء، غضّة، صباحية التكوين، و قابعة بهدوء في راديو المنزل. لم تتأخّر يوماً عن إعلان الصباح، تنجز مهمّتها في كل مرّة كما لو أنّها المرّة الأولى التي تقوم فيها بالغناء
هجرت مقاعد الدراسة، لِأهجر بعدها بسنوات منزل الطفولة، اختفى الترانزستور الأحمر الأثري منزل” جلنار“، واختفت هي بدورها ..إلى غير رجعة
.
.
.

بدأ الخدر اللذيذ يسري عميقاً منهياً استنفار الحواس الطويل ليتسرب في نسيج اللاوعي مُعلناً الدخول إلى بوابة الأحلام..استشعرته بإنهاك من خاض معركة أرق دامت لساعات طويلة ليدرك غبش الفجر البارد.. الشمس لم تشرق بعد أو لعلّها وراء سحب شتوية كثيفة
كنت قد استنفذت زوّادتي الموسيقية في ليلتي الطويلة، فاستسلمت للموسيقى المتدفّقة همساً من سماعة الأذنين الموصولة للراديو..على غير العادة
تكّورت على نفسي، ركلت أرض اليقظة، طَفَوت بخفّة إلى الأعلى..حُلّت عقدة شعري، وانسدلنا جميعاً متحرّرين من الجاذبية بلذّة صعوداً نحو الأعلى..نحو العمق
جاءت موسيقى خافتة من السماعة الملقاة على الوسادة..بعيدة كصوت من عالم آخر مُغرق في السحر والغموض..ناي جميل ..نغم مألوف..صوت دافئ كألف شمس مشرقة: .يا صبح روّج ..طوّلت ليلك..خليت قلبي نار..بلكي بتجي أختك تغنيلك..بلكي بتجي.. جلنار

! استيقظ
تُعيد “جلنار” نداءها :يا صبح روّج..طوّلت ليلك
أردّد خلفها: ..خليّت قلبي نار..خليت قلبي نار

كان على هذا الزمن أن يمر وعلى الأرق أن يدوم وعلى الموسيقى أن تنفذ وعلى الخدر أن يذوب لكي تتشكل هذه اللحظة المنتظرة من سنوات دون أن أدري، لأهتف ..ياربّ الصباحات المدهشة، لتصبح جداران غرفتي الكتيمة خضراء، ولينبت لخشب السرير ألف غصن مورق يلتف حول قوائمه يعلو به في أثير المكان الذي فقد أبعاده فلا نهاية له أو بداية وليطلّ وجه محبوبتي من وراء الحجب من رحم الروح حيث ظلّت قابعة هناك لدهر تنهمر على وجه ارتعاشاتي، بسطوة، برقة، بجبروت

راعي بكي ومنجيرتو متلو ..بكيت تـيتسلى” :
شو قولكن عالسكت قالتلو..وشو قولكن قلّا
خلّيك حدّي تـ يروق الجو ورندح وسمّعني
“ولمّا بيطلعلك يا راعي الضّو..تبقى تودّعني

أين كنت من هذهِ التكملة يا “جلنار“! كيف ابتكرتِ بلاغتك المتقشّفة بهذا الزهد! بهذه الروعة! بِـدفا ألف نهار
أُنهَك لفرط الجمال، أهذي بكلماتِها ..راعي بكي ؟! بيظهر حبيبو غاب ! يا صبح روّج..خليت قلبي نار..شو قولكن..تبقى تودّعني
أكان يجدر بي أن أمسح على جدران القمقم لتخرج جنّيتي الساحرة!؟ على الذاكرة لتتصدع، تتشقق، ليظهر ما لايفنى ولا يزول ولأدرك أنّني كنت في انتظارها منذ الأزل

! و وعيت الشّمس، وزقزق العصفور..وما أجت جلنار


ميشيل طرّاد هو من فاض بروحه فخلق”جلنار” كلماتاً، الأخوين الرحباني ألحاناً ..ومعذّبتي غناءاً * 

الاقتباس في المقدّمة لعبقريّ الجمال: أنسي الحاج *

تمَ العثورُ خلال حملاتِ التنقيب التي بدأت منذ عقود في منطقةِ شرق حوض المتوسط، وتحديداً في المنطقة الّتي كانت تُدعى “سوريّا”، على قطعةٍ الكترونيةٍ “هارد ديسك” تضمُّ محتوى يعود لعصورِ “ما قبل التلاشي”، تحديداً حقبة ما قبل اندثار الديار السورية، الفترة الواقعة ما بين 2011 و 2022
تبيّن لاحقاً بعد معالجةِ اللّقية الأثرية والتي كانت بحالة جيّدة نسبةً للطريقةِ التي حُفِظت بها، احتوائها على ملفّات من نوع وورد (برنامج “أوفيس” يعود لنظام حاسوبي يُدعى ويندوز ) تحتوي تلك الملفّات على كِتابات أشبه بالمذكّرات أو اليوميات دوّنت باللغة العربية
ما يميّز هذا الاكتشاف المثير عن غيره من الاكتشافات بأنّ محتواه قد يساعد الباحثين على ملء فراغات مهمة في رحلة الجنس البشري عبر التاريخ ولعلّه الأقدر حتى اللحظة على تقديم شروح قد تبدو مبهمة، لكن قد تلهم العلماء لمعرفة ما حلّ بحضارة عُرفت على أنّها الأقدم منذ بدء الخليقة، وفهم السبب وراء انقراض التجمّعات البشرية الكثيفة التي سكنت في تلك البقعة. ليصبح هذا” الهارد المخزّن” بمثابة كبسولة تختصر حقائق شعوب اندثرت، أحلام كائنات غرقت في ثقب أسود لا نعرف عنه شيئاً ولا تستطيع العلوم الاجتماعية والإنسانية الحدس به

***

بتاريخ 2021
القاتل رقم 654
وحين كان “ناكاتا” بطل رواية “كافكا على الشاطئ” لديه من المقدرات ما يجعل من سماء المدينة تُمطر عَلقاً وسمكاً..كان “ناكاتا” بطل الرّواية السورية الطوّيلة والمُملة جداً..يُمطر سماء مدينته بشتاء من الهاون
لم يكن شريراً في واقع الأمر، فهو لم يسن عنق واحدة رغم استهزاء الجميع به ومحاولاتهم الحثيثة لتشجيعه على فعل ذلك. كل مافي الأمر أن مشهد الدماء كان يصيبهُ بالغثيان. أما الهاون ..جميل، عملية تلقيمه لا تحتاج إلّا إلى إبريق شاي خمير مُعد بعناية بعد فطور دسم، ليبدأ بعدها رشقاته اليومية

.مؤخّراً لم يعد يعنيه أين تذهب حبيبته وعلى من سيقع اختيارها، مهمته تتجلّى في أن يشعل فيها الرغبة، و مهمتها أن تتوهج..وتقتل
في السابق كان يحدّد السمت، يدرسهُ بعناية، ينتظر قليلاً من الوقت ليوّجه مرّة أخرى إلى هدفه، ومن ثم يترقّب حلول المساء بفارغ الصبر ممارساً متعته الأكبر في تقصي ضحاياه، معرفتهم عن قرب، أعمارهم، أشكالهم، عائلاتهم. كان يبحث بتلذّذ غريب رغم يقينه من أن حصيلة ضحاياه أكثر من أن تحصى
في منتصف عام 2016 حدث أمر رهيب له.

ظهيرة يوم نيساني بديع شعر بحاجة ماسة لالقاء رشقة أو اثنتين رغم أنّه كان قد عمِل بجد في ذلك الصباح وأمطر منطقتين مزدحمتين بخمسة عشر قذيفة، لكن ما باليد حيلة..القلب وما يهوى
أمسك محبوبته، قبّلها ووضعها في الفوهة….و بووووم

مازال الطبق النحاسي الضخم يُقرع بمؤخرة رأسه باستمرار حتى بعد مرور سنوات على تلك الواقعة. أُصيب بالصمم الكلّي، وفقد بصره

يتلمّس طريقه إلى الخارج، يفترش الأرض أمام باب منزله،  ويرفع عينين أُسدِل عليهما جفنين ثقيلين إلى الأعلى

كانوا قد أخبروه أن الشمس أُصيبت بالعمى! ظلام مُطبق بدأ منذ أيّام طويلة دون أن يدري أحد سبباً لذلك! في البداية ظنّهم يسخرون منه..لكن جرت العادة عند استيقاظه أن يتلمس طريقه للخارج ليمتّع بشرة وجهِه المشوّه بحرارة الشمس
!بدا له أن السماء مظلمة، استشعر ذلك بانقباض مخيف. لقد أصيبت الشمس بالعمى حقّاً

أغمض على ظلامه الخاص الذي ليس كمثله ظلام
ظهر الجميع ككتل مضيئة في السواد المخيّم أمامه، المشهد ذاته يتكرّر. انتثرت الأشلاء حوله وبدت مسترخية بتثاقل

اليوم كان الدور قد وقع على ساعد ضخمة مبتورة من الكتف، و إبهام قدم

: كان الساعد مفتول، يغزوه شعر كثيف، وفي نهايته كف بأصابع ضخمة

حسناً، أدعى أبو علاء، العمر 54 عام، موظف في مبنى المحافظة، بتاريخ 3\11\2013 قمت بأخذ إجازة ساعية للحصول على اسطوانة غاز بعد أن سمعت بتوفر المادة المذكورة آنفاً، أثناء مروري بتقاطع شارع الحرية مع شارع الثورة، سمعت أزيزاً، ربّماً كان صفيراً لا أذكر
لم يتسنى لي الوقت لكي أتفادى ما لامفر من حدوثه، لكن بعد أن صعدت إلى الأعلى استطعت رؤية جسدي في بركة دماء حارة

:يزفر الساعد، ليتلاشى في الظلمة، يتقدم الإبهام، تبدو آثار طلاء أحمر على الظفر

هديل، العمر 23 عام، طالبة في كلّية الحقوق، صبيحة 5\9\2014 ذهبت مع والدتي لإكمال ما تبقى من تجهيزات زفافي، كان صباحاً يوحي بالطمأنينة وبأنّ الحياة على مايرام. في الساعة االحادية عشر والنصف سمعنا دوياً هائلاً، شعرنا بهلع دفعنا للركض حالنا حال الجميع، وفي المكان الذي احتميت به، أبصرتها تقترب منّي بتوهج
تأخرت قليلاً قبل أن أصعد، وحينما أبصرتُ المشهد من الأعلى، وجدتُ أمّي تنوح بعويل مؤلم فوق كتل من لحمي المدمى

تعود الإبهام إلى الخلف لتتلاشى في الظلام

يصيح بصوت زاعق أشبه بزئير حيوان مفترس، يغطي عينيه المشوهتين بكلتا يديه ويزفر
لقد اختمر غضب السماء

***

بتاريخ:2022
القاتل رقم: 1250
مضحك كيف تلتمع فكرة تبدو لوهلة مفرطة في بديهيتها، هكذا فجأة تنبثق لتلغي اشمئزازاً دام شهوراً من ديدان بيضاء استباحت أكياس الأرز الثمينة، في كل مرة يفرد ساعات فراغه لوضع حد لها، تعود لتمدّ لسانها بوقاحة في وجهه
جلس إلى مائدة الطعام، عبارة عن مقعد مدرسة خشبي مهترء كان قد عدّله بنفسه وزينه بنقوش وتواريخ، بعد أن وجده ملقى أمام محل تعفيش متواضع

 تناول وجبته المدعّمة بالبروتين واللحم، وشرد ساهماً في تأمّل روزنامة على الحائط! كانت تعود للعام 2018

حين جاء المنزل للمرة الأولى وجدها مُثبّته بشريط لاصق في منتصف الحائط تماماً وكأنّما وُجدت هناك منذ الأزل

أوراقها لم تُثنى أو تمزق رغم أنّ أطرافها ذُيّلت بملاحظات وإشارات لمواعيد انتهاء اسطوانة الغاز، أوقات تقنين الكهرباء، إشارات لتواريخ ميلاد و وفاة، الحواشي فُردت لكتابات غير مفهومة
يحاول تذكر ملامح ذلك العام ! كانت البلاد حينها تُشِع بالكهرباء، فالروزنامة تشير إلى أوقات تقنين، غاز، وماء..! كم يبدو هذا ترفاً مثيراً للاشمئزاز
بحلول ذلك العام كان في أوج نجاحهِ المهني..يقايض الأرواح بالمال، يقايض الصحّة بالمال، يقايض أولاده بالمال
ولولا أن حصل ما حصل في نهاية ذلك العام ..لكان قد أكمل على من أكمل

..

بلعق الصحن للتأكد من انهاء وجبته. يخلع قدمه الصناعية، يُسدل الستارة على كتلة اللهب المضيئة في أفق المدينة الغارقة بظلام غريب منذ شهور طويلة ليغرق بعدها بظلمته الخاصة

يحاول الدخول في بوابة الحلم، لكن سرعان ما تبدء حفلة عذاباته اليومية
يطفو الجميع إلى سطح الذاكرة، تُضاء خشبة المسرح لتبدو رؤوس حليقة مجتمعة وسط دائرة النور، الترتيب نفسه، جميعهم كانوا هناك
يبصر نفسه جالساً على دكّة عالية في الوسط تتدلى فوقه دائرة ضوء تتحرك جيئة وذهاباً

اليوم دوري أنا، ألا تتذكرني ! ألا توحي لك ندوب وجهي بشيء؟

يتقدم الرأس من الدكّة، يمسك وجهه المشوّه بكلتا يديه، يهزّه بشدة حتى يكاد أن يسقط. يظهر صاحب الرأس  تحت بقعة الضوء أكثر وضوحاً. مسخ بشري أُطفِئت به أعقاب عشرات السجائر

يحاول جاهداً الاستيقاظ،، يزفر بقوة

ماشاء الله السيد منزعج، لقد أقلقنا رقاده..يريد أن ينهي اللقاء في بدايته
(يقهقه الجميع، تتشابك أيديهم في حلقة دائرية تحيط به)

هل كنت تظن أن لن نلتقي مرة ثانية؟ لم تفارقني لحظة واحدة في الليل والنهار، كان صوتك يتشرّب ما تبقى من عافية في جسمي العليل. ويأتي على بقايا الحياة التي سلبتها منّي بتلذذ
في يقظتي ونومي كنت هناك، منتصب كوحش كاسر، تبصق في كل حساء أتذوقه، تمزق بحزامك كل ما ألبسه وتجعل من جلدي وجبة لسوطك الذي يدمي ظهري وصدري..انظر

(يكشف عن ظهره، تجتمع الرؤوس الحليقة، تبدو بلا ملامح لكنّها تقترب بفضول)

أحاول أن أصرخ فتخرج منّي أنّات بكماء، تضيق الدائرة حولي وتقترب الرؤوس شيئاً فشيئاً لتصبح ملامحها أكثر وضوحاً. يكشف الجميع عن ظهره، يصيحون بصوت واحد

انظر..انظر..انظر
يقتربون من الدكة الخشبية، يركلونها بأقدام غاضبة
انظر..انظر..انظر.
يستطيع فتح عينيه في النهاية، يستيقظ بعينين دامعتين، أنفاس منقطعة. وينخرط في بكاء طويل
لقد اختمر غضب السماء

***

(بدون تاريخ)
شاهد
.
.
في أزمنة لا ترتقي لها الذاكرة..كان الجميع على قيد الحياة
عرفنا الفرح، والسعادة، كان لنا أباء وأمهات، حبيبات وأبناء، وكان الرضا شهي جداً
في هذه البقعة حيث أقف، انتصبت شجرة زنزلخت ضخمة ومرعبة كفزّاعة الحقول..خيّمت بظلّها على منزل العائلة بعمر المئة سنة
إن بقيت الشموس تشرق، وبقيت الحياة تجري في دورتها،سيعتقدون أن هذا المكان لم يكن يوماً مأهولاً بالسكّان! مجرد أرض بلا ذاكرة
أقول لكم..
هنا ..
في هذه البقعة حيث أقف، وُلِدت أنا وأخوتي، في هذا المنزل ولد أبي، جدي الأكبر رفع سقفه الخشبي بيديه حين لم يكن في هذه القفار إلّا الضباع الشاردة، وفي أعمدة المنزل الخشبية عُلقت أراجيح نومنا حين كنّا أطفالاً وعليها نقشنا أسماء الحبيبات
هنا ..
سوّيت الأرض مرّات عدّة لتستر هياكل نثرتها مجازر ارتكبت على مدى سنوات الحرب الطويلة لم يعرف لها اسم، ولا شاهدة. حتّى حلول تلك الساعة المشؤومة حين حلّ الظلام الدامس. ليل طويل مستمر بلا انقطاع بدت معه الشمس في كسوف دائم، الأيام طالت واستطالت لتتحول إلى شهور..
ربّما الآن قد اختمر غضب السماء

توّج الظلام بالكارثة العظمى في إحدى الأيام بما بدا أشبه بالنهاية الأخيرة
زأرت الأرض واهتزت مرات عدّة، وبدأت بلفظ ما بأحشائها على وقع أصوات أشبه بقرع طبول إفريقية ضخمة. ظننا أنها الساعة الأخيرة التي أُخبِرنا بها وقد زُفّت إلينا لا ريب فيها هذه المرّة، لتجعل من كل ما سبقها أشبه بمزحة مقارنةً بذلك المشهد
برقت السماء وزمجرت كما لو أنها انشقت على نقسها لتبدأ أمطار صفراء لزجة بالتساقط سرعان ما تحول هطولها إلى سيل عارم غمر وجه المعمورة..وجرف إلى داخل الأرض ما تبقى من أحياء
تراقصت الهياكل في أسرّتها الترابية ودبّت على أرضٍ ابتلعت كل شيء، الناجي من غضب ذلك اليوم..مات من هول الرعب

.
.
في أزمنة غابرة..كان الجميع على قيد الحياة
وكان للرضا طعمٌ شهيٌ جداً

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 95 other followers

%d bloggers like this: