Feeds:
Posts
Comments

! أنا سعيد جداً

عن رياض ..السعيد جداً

Advertisements

في المرة الأخيرة التي التقيتُ بها أخبرتني عن أكبر مخاوفها! حزنت في سرّي ظنّاً منّي أن ما تخشاه هو النهاية. ما الذي يخيف من تجاوز عتبة التسعين من عمره سوى موت يتربّص به! ضَحِكت بهستيرية ثم مالت وهمست لي بسرّها.. كانت تخشى نسيان مخزونها القصصي الضخم المكدّس في صناديق ذاكرتها

كنّا عائلةً صموتة، تستنفذ الأحاديث الطويلة طاقتها، نجيد الإجابات المقتضبة و الاستماع بأكثر ما نتكلم. أما جدّتي لأمّي فكانت حكايةً أخرى. لم ترسل جيناتها إلى أيٍّ من بناتها وبالتالي إلينا نحن الأحفاد. لطالما كنّا جمهوراً بائساً بالنسبة إليها، كائناتٍ هزيلة أمام  ربّة الشعر المخضّب بالحناء الممتلئةِ حياةً وفتوة

في جلستها الأثيرية تلك التي تنتقي بها أفضل الأماكن وأوثرها وأكثرها عرضةً للنور لتفرش بعدها رحالها المكوّن من سبحتها الطويلة، مناديلها القماشية الكثيرة، عكّازها الخشبي، والراديو المتعدّد الاستعمالات. تمسح  وجهها بإحدى المناديل، وتفرك عينيها بآخر، وتتمخط بثالث. تسألني عن الوقت، أجيبها بسرعة درءاً لاحتمالِ خوضِ حديثٍ مطوّل. تستشعر ذلك لكن لا يعنيها الأمر إطلاقاً، تعيد الكرّة مجدّداً: هل أنتِ مشغولة؟ أجيبها بحزم: قليلاً.  تستدرك بسرعة: حسناً إذاً سأروي لك سريعاً هذه القصة. تضحك بنشوة ثم تقصّ لي بهدوءٍ وتأنٍّ للمرة الألف حكايتها عن كيف أمسكت “جقلة” حاولت أن تخطف إحدى دجاجتها وكيف ركضت خلفها منتزعةً الدجاجة من فمّها

بالطبع الحكاية ليست بهذا الاختصار الذي أوجزته. الحكاية هي حكاية، هي مقدّمة وخاتمة وحبكة. هيّ أحداث تدور بين الضفتين وحكمة هنا وطرفة هناك. والحكاية المكتوبة ليست نفسها تلك المحكية، فالأخيرة سرّها يكمن في فنِّ روايتها، الأمر الذي تبرع به جدّتي. تلك النغمة الهادئة المتصاعدة مع تصاعد الحدث، التوقّف قبل الذروة، حسّ التشويق، انتقاء الكلمات والتلاعب بالألفاظ والأصوات، حركات الجسد، تعابير الوجه، والتماع عينين تكاد تظنّ أنهما يختبران الأمر مجدداً.. انتزاع دجاجة من فمّ ..جقلة

هل كانت تعاني ضعفاً في البصر أو السمع!  لا ندري حقّاً. لكنّها يقيناً قد رأت وسمعت –حين أرادت هيّ ذلك- ما عجز سمعي وبصري عن إدراكه. أمّا أولئك الأشخاص الذين تكرههم فقد تنظر مطولاً في وجوههم كأنها تنظر إلى العدم، يمتص نظرها ثقبٌ أسود، ويغور سمعها في الرمل. أصيح بصوتٍ أقرب للصراخ: جدّتي إنها أم أحمد! هذه أم أحمد.. تمسك رأسها بيديها وتغمضُ عينيها مغمغمه: صداع .. صداع. تلملم حاجياتها وتبتعد مسرعةً ما أمكنها عكازها الخشبي

ربّة الشعر المخضّب بالحنّاء، الممتلئة حياةً وفتوة، تذرع خصال شعرها الأحمر بأسنان مشطها مراتٍ في اليوم ثم تودعه جيب جلبابها الطويل، تمضغ الثوم بتؤدة غير عابئةٍ بالرائحة النفّاذة، طمعاً في خواصه الوقائية. تمرّن أذرعها النحيلة الواهنة بحركاتٍ رياضية مدروسة، وتقطع شرفتنا مراتٍ عدة في الصباح، لتنتقي بقعة مشمسة تتمدّد بها مقلّبةً سبحتها الطويلة مئات المرات دون كلل أو ملل

لم يعرف النوم سبيلاً لها في السنوات الأخيرة.  كانت تسهر في سريرها طويلاً تتنقّل بين الإذاعات، تطلب من أخي أن يضبط لها تحديداً “مونت كارلو”و “البي بي سي”، وحتى ساعات الصباح الأولى يدوي صوت الضجيج المشوّش لمذياعها في أنحاء المنزل مرفقاً بصوتها المعلّق على الأخبار لتشتم الأعداء وترفع صوتها بالدعاء للوطن

في ليالٍ كثيرة كانت تبكي وتتمتم أدعية وأذكار.. تتلو آيات وتسأل: متى ؟  سؤال يدوي دون إجابة. تبحث عن أغنياتها المفضّلة لتعود إلى أيام الصبا  وتنتشي طرباً مردّدةً بصوتٍ عذب..  عذب للغاية: رقّة حسنك وســمارك

كان لها رحلة الصيف والشتاء تتنقّل فيها بين منزلي ابنتيها: أمّي وخالتي. حين زار زوجي منزل عائلتي للمرة الأولى كانت تقطن بيننا حينها. تزيّنت وتعطّرت، واستقبلته بابتسامةٍ خاليةٍ من الأسنان.. وغنت له وسط دهشتنا جميعاً أغنيةً مرتجلة! أغمضت عيناها وغنّت بصوت عذب موالاً لا أدري مصدره! لربّما ألّفته في ليالي سهرها الطويل.. جلست بعدها بالقرب منه لتتأمّله مليّاً وتروي له بعدها نبذة مقتضبة عن حياتها مطرّزةً بضحكتها المجلجلة ذلك اليوم

يا لله.. ربّة الشعر المحنّى بالأحمر كانت جميلة كإحدى عجائز روايات ماركيز، كان يجب أن تولد في أمريكا اللاتينية، كان يجب أن تنجب أطفالاً كثر يرثون طاقتها وفرحها، كان حرّي بسيناريو حياتها أن يتضمّن جمهوراً عريضاً، يتقن الاستماع والتفاعل

قبل حلول السنة الجديدة ،شَعَرت بالضجر الشديد فقررت أن ترحل دون مقدّمات طويلة..وهكذا ذوت خلال أيام ثم غطت في سبات لا استيقاظ بعده لتطوي سبعة وتسعين عاماً تاركةً إيّاي أبكي تفاصيل حكايات لم اتقن سماعها يوماً

.

.

30/12/2016

في ذكرى جدّتي

!غمازة الـ عالخد

غمازة ال عالخد

متل الفرس ..مشنشلي مشنشلي

شارع مزدحم بمارته، حدّ التخمة، كحياةٍ أُفرغت للتو من علبتها البرّاقة الجديدة
رصيفان ضيّقان متوازيان أحدهما للمارة والمتّسكّعين، والآخر احتلّت مساحته الصغيرة مقاهٍ عصرية الطابع يتخلّلهما شارع بالكاد يتّسع لسيارتين أفقياً
الخطوط الثلاثة المتوازية  تُشكّل مهرجاناً للحواس بالكاد يمكن للمرء أن يفلت منه..لكن في الوقت ذاته من الصعب أن يتوقف طويلاً أمامه
إنه من ذاك النوع السريع الامتصاص، سريع الزوال..كفتاة جميلة تتهادى أمامك لتأسر نظرك ، من ثم يتلاشى كل شيء عند ناصية الشارع حيث غابت..وتنسى وكأنها لم تكن

كان الوقت مساءاً و الازدحام في ذروته. أفلحت أخيراً في  إيجاد طريقٍ لي  وسط الجموع للدخول إلى المبنى. وسط أضواء السيارات والموسيقى الصاخبة ، الأحاديث والضحكات المتفرقة  ينبثق فجأةً “مخول قاصوف”  من بين الجموع!

كان الأمر كقبلة خاطفة على العين:التقطتت أنفاسي، صممت أذنيّ عن الصخب لالتقط

!غمازة ال عالخد، ما الها اسم

والخد قدامي

ومكحلة والكحل راسمها رسم
مين البرا قلامي

حسناً الصوت يصدر من سيارة وليس من المقهى القريب.. بقي أن أعرف أينها، تجاوزت البناء، أينها ؟! يجب أن أعرف من هو

ومشنشلي متل الفرس

كانت قد تجاوزتني، لم يكن الصوت مرتفعاً، إنه يستمتع مع أناه بمفرده، غاب عن النظر لكن لم يتجاوز الحواس

ألمّت بي رغبة جارفة أن ألقي عليه تحية..أن أقول له: أسعد الله مساؤكم..أو أبتسم ملوحةً له فقط
لا أعرف سبب الدهشة في النهاية، هي مجرد أغنية أستطيع سماعها متى أشاء، بل واستحضارها ساعة أريد، لكن الأمر أشبه بسماع لغتك الأم في غربة لك، لتشعر فجأة بحنين إلى نفسك
وحنين إلى أبناء جلدتك أينما كانوا .. الدهشة ليس من “المتوحّدين” في عوالمهم فهم كُثر، الدهشة كانت مِما خلّفه هذا الصوت العابر للحظات لا تطول عن الدقيقة في نفسي
الدهشة من دهشتي، وسعادتي، ومن بقايا زجاجة العطر التي انسكبت بما فيها من ذكريات لزمن كان هناك به متّسع من الوقت ومن الروح لأن تستوقفنا التفاصيل في أغنية

.

.

.

استغرق الأمر عشر سنوات لأكتشف أن نسخة ركوة عرب بصوت مخوّل أجمل بمليون مرة من تلك التي بصوت مارسيل.. الأمر ليس له علاقة بكرهي لشخص الأخير، إنّها أجمل ببساطة

A nuclear war, will not be won by the Americans, Russians or the Chinese. The winner of World War III will be the cockroach.

قابعاً في جحرهِ منتظراً ريثما تخفتُ الأنوار، حالهُ حال معظم بني جنسه القابعين في مختلف الجحور والثقوب على سطح هذا الكوكب. انتابه احساسٌ هائلٌ بالقرف جراء الدبيب المستمر للأرجل العملاقة المتجوّلة فوق منزله الذي لم يكن سوى فسحة صغيرة محشورة أسفل قطعةٍ خشبيةٍ عفنة، مهترئة، تشكّلُ سطح أرضيةِ منزلٍ ما

تململَ في جلسته متبرّماً.. كان قد سيطرَ عليه مزاجٌ كالح لم تنفع معهُ كل ضروبِ التسلية المتعارف عليها.  منذ أيام وصوتُ جدّه يدوي في نومه ويقظته. كان يُسعده أن يسترجعَ صوتَ صرصرته المميز كل ما داهمه هذا الشعور الغامر بالاختناق

يستذكرُ نبرتهُ الحادة الرزينة تتلو حقائق يغفلها الكثيرون من أجيال الصراصير، عن كيف أنّهم يفوقون البشر عدداً! يسترجعُ صوت جدّه في لحظاته الأخيرة قبل أن يدهسهُ حذاءٌ عابر

 نحن الأقدم على سطح هذا الكوكب، وسوف نرثه في النهاية.. نهاية العالم

:كحّ بشدّة محرّكاً قرني الاستشعار خاصّته

نحن هنا منذ الأزل. قالها بصوتٍ عالٍ وكأنما يريد أن يؤكّد لنفسه تلك الحقيقة

:عدّل جلسته وبدأَ يغمغمُ عباراتٍ غريبة

 الكروزومات في جيناتي الوراثية تحولُ بيني وبين الهلاك، أنى لنا أن نهلك بتلك البساطة

 قطع انسياب أفكاره وقعُ ارتطامٍ عنيف على سطح منزله. عاوده القرف وبصق أرضاً مراتٍ عدة

 تلك الكائنات البشرية التي تدّعي الاشمئزاز من مظهره البني الأشقر وتسارع هلعاً إلى قتله. رّباه كم هي منافقة!  أصابتهُ قشعريرة، تذكّر تلك الفتاة التي كادت بالأمس أن تودي به تحت وطأة كعبها المستدق لولا أنها-الحمقاء الغبية- لا تحسن التصويب

***

بحكم سكنه مع عائلته لعقودٍ طويلة تحت أرضيةِ المنزلِ الخشبية الذي يعود بعمره إلى ما يزيد على مائة عام فقد تعايش مع أصحاب المنزل وحفظ عاداتهم وأطباعهم، وبات يعرف مواعيد تحرّكاتهم

 تناوب على المنزل أجيالٌ ثلاثة من البشر. أشهدُ أن الجدّ الأكبر لهم كان إنساناً محترماً، حتّى أنّي ودَدتُ صادقاً لو أنه كان صرصاراً مثلنا. كان يمشي متمهّلاً على أرضية المنزل، ينجزُ أعمالهُ بتؤدة ورفق. في البداية ظننا أنه مجردُ طبعٍ رزين في المشي. لكن تبيّن لنا ما الأمر لاحقاً

لقد كان يخشى أن يطئَ بقدمهِ كائناً ما يدبُّ على الأرض، نملة، صرصار، أو أيّ كائنٍ حيٍّ ما يمشي على أربعة أو أربعين ..لا فرق. لكنّ على عكس هذا السيّد النبيل فإنّ سلالتهُ من البشر جاءت على عكسهِ تماماً

وحوشٌ بشرية كاسرة سقَطت عنها كل صفاتِ النبالة

المدهش أنهُ كصرصار بلغَ من العمر عتياً، كان جلُّ ما يمقتهُ في تلك الكائنات البشرية أمراً لا يمتّ إلى وحشيتهم بصِلة. لقد كان يمقتُ نفاقهم.  تلك الملامح التي ترتسم على الوجه. تكشيرة الاشمئزاز ما أن يُرى صرصار يمشي في حال سبيله من أو إلى منزله

بعض البشر يصرخون.  تخرج “آه” طويلة كزعقة مدوية ثمّ يتجمّدون في زاوية، مدّعيين الخوف والقرف. في حين نُصاب نحنُ “الصراصير” برعبٍ هائل يجعلنا نتسمّرُ بدورنا دون أن نأتي بحركة. يحملق الآخر عينيه ثم يشيح بوجهه كالمتألّم، كالمفجوع

هنا يجتاحُنا قرفٌ غريب! نعم، نعم نحن الصراصير يحلُّ بنا قرفٌ هائل من تلك التعابير

الزوجة تصيح لزوجها، الابنة تصرخُ طلباً للمساعدة

 صرخات، صرخات  في كلّ مكان

 !صرصار.. صرصار

 كل تلك الزلازل والبراكين ونحن لم نأت بحركةٍ واحدة لبرهةٍ من الزمن تمتدُ لتبدو بالنسبة لنا سنواتٍ طوال. ونحنُ صامتين، متأمّلين في كل تلك المسرحية الهزلية التي تجري أمامنا

الكائنُ الضخم-نسبةً إلى حجمنا- ذاك الذي قيل أن خالق المخلوقات خصّهُ دوناً عن غيره بما يُدعى “العقل”، يتلوّى على بعد أمتارٍ منّا، ناسياً كل مآسي البشرية التي تُنسبُ إليه ولأجداده مستذكراً شيئاً واحداً فقط.. خوفهُ من الصرصار

 أذكُرُ جيّداً في إحدى المرات لدى عودتي إلى جحري بعد جولةٍ ليلية متأّخّرة، أنّي صدفتُ الابنة الكبرى للعائلة  تنسلُّ إلى المنزل على رؤوس أصابعها

كان الأوان قد فات على حسن التصرّف ولم أجد بدّاً من العبور سريعاً أمامها على أمل أن لا تلحظ مروري

آه.. تلك الحمقاء زعقت زعقةً مدوية ارتجّ لها المكان. كان بإمكاني الإسراعُ للاختباء، لكن دهشتي كانت طازجة، ورغبة جارفة في تأمّل وجه الفتاة لم استطع كبحها أو مقاومتها

 كانت قد وقفت على قدمٍ واحدة، ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها، وتلهث كفيل

وسط تلك النوبة الهستيرية، فعلت ما لم أتوقّعه على الإطلاق

!لقد صرخت بي: متْ ..متْ

 أصغيت السمع.. هل حقّاً ما تقول! ردّدتها مرّة أخرى بنغمة حادة يائسة وبطريقة ممطوطة: مُــتْ

لم أملك نفسي من الضحك. الحمقاء الغبية!  انصرفتُ سريعاً تاركاً إياها تنتحب وتبكي. سحقاً  أكلُّ البشر منافقون! تلك الفتاةُ بأظافرها المدبّبة المطلية بالأحمر القاني، وشعرها البُنّي المتموّج طويلاً على ظهرها، كانت تبدو جميلة، في الحقيقة إنّها جميلة

 .لكنّها بشعة للغاية

***

تنهّد بقوة، كان يشعرُ بتعبٍ هائل جعل من أرجلهُ الستّ خيوطَاً واهنة، فطار بجناحيه الشفّافين إلى نتوءٍ عالٍ يستطيعُ معهُ رؤية الجحر من الأعلى

 اعتادت شريكتهُ أن تجلس هنا حيث كان بإمكانها مراقبةُ العائلة وهي تتناول طعامها في حجرة المائدة، لا لكي تلتقط فتاتهم من الطعام، بل لتستزيد قرفاً من تلك الكائنات الهمجية التي تتعامل حتى مع الطعام بتلك الطريقة المقرفة، الخالية من متعة التذوق

.كانت تكبرهُ بالعمر مئات السنوات. جاءت من بلادٍ بعيدة، حارة صحراوية

 روت لهُ قصصاً عن المكان الذي جاءت منه تقشعرُ لها أبدان الصراصير. كيف أن أهلها يقتلون بعضهم البعض بلذة لا تخبو، مبتكرين أساليباً شائنة لزهق الأرواح. لكنّهم هم أنفسهم ينتابهم القرف لرؤية صرصار، وقد لا يجرؤون على قتله خوفاً من منظره! بل أنّهم يتمتمون بتعويذات ويتحاشون النظر إليه

خرجت حبيبتي ذات يومٍ ولم تعد. قيل أنّها قُتِلت. لكنّ قرون استشعاري تَتحسّس وجودها في مكانٍ ما على سطحِ هذا الكوكب. إنّها صرصاره حرّة ولعلّ هذا الوكر حدّ من وجودها

 في ليالي الشتاء حين أدخل في سُبات شهي منقطعاً عن الخروج لشهورٍ طويلة، استشعرُ روحها، وتغذّي رائحتها مخيلتي فأراها تقطعُ المدى دون توقّف، تستمتعُ بملمسِ الرياح على بشرتِها الشقراء. تبني ذاكرة جديدة ترويها للأجيال القادمة عن كيف أنّ الصراصير، المخلوقات النبيلة، سترث هذه الأرض يوماً ما

 

2016

 

مفتاحُ المنزل اليتيم، تيتّم بعد أن ضاع شقيقهُ(نسختي الخاصة من المفتاح) إلى غير رجعة

كنت أرمي به من علو أمتار لكل من يأتي إلينا في موعد انقطاع الكهربا، لكي يتسنى له فتح باب مدخل البناء دون أن أتكلف عناء النزول لفتحه
بدأت القصة حين قرر المفتاح أن يضع حدّاً لحياة السقوط والذل التي يحياها. في إحدى المرات التي رميت بها المفتاح، انكسرت سلسلة المفاتيح وفرّ مفتاح المنزل دوناً عن غيره من بقية المفاتيح

لم يكن قد مرّ على علاقتنا سويةً سوى أشهر، شعرت بأنه هرب من الظلم خصوصاً أنه في الاسبوع الأخير تعرّض لانحناء طفيف جراء رميه المتكرّر. احتفظت بنسخة زوجي على أمل تغيير قفل المنزل قريباً، وليس نسخ مفتاح آخر، خوفاً من إن تكون النسخة الضائعة قد وقعت بيد شريرة كوننا لم نجدها

في بادئ الأمر أرّقني الموضوع، وهجست طويلاً لدرجةٍ لازمت معها المنزل كي أكون لسارق المفتاح بالمرصاد. لكن لم نفعل شيئاً لحل المشكلة. بل حتى سافرنا..هكذا بكل بساطة آملين أن لا يكون المفتاح بحوزة أحد

سافرنا مرة ثانية وثالثة ورابعة…ولم نغير القفل، بل حتى لم نصنع نسخة أخرى، فبقي المنزل بمفتاح واحد يتيم. إن عاد زوجي للمنزل مساءاً فتحتُ له الباب، وإن لم أكن موجودة يدخل من باب آخر للشقة، باب يودي إلى المطبخ مباشرة يوجد أمامه اسطوانة غاز و نبتة تعيق فتحه لكنه بعد مرور شهر، قام بإبعاد الاسطوانة من ذلك المكان كأنه يعلم أن الأمر سيطول ويمتد ويعربش على أيام السنة

حصل هذا قبل سنة..تقريباً
مرت أيام كان تبديل المفتاح فيه أمراً ضرورياً، لأني أهملت مجدّداً نسختي اليتمية الوحيدة ونسيتها في الباب خارج المنزل..لليلة كاملة

كنت أتخيل ذلك الشخص الذي سيقرر الاستيلاء على المنزل كيف أن لا حاجة له لأن يقتحم المكان
كل ما عليه فعله هو أن يتحيّن أحد مواعيد سفرنا المتكررة ليدخل بنسخته الخاصة

أعتقد أنه شاب في مقتبل العمر، ظريف، مثلنا طبعاً، فاللصوص الظريفون للحمقى الظرفاء. يضعُ نسخته ويدير المفتاح ويدخل. يتّجه إلى المطبخ، يفتح البراد و يصنع سندويشاً له. ربّما يُعد الشاي أيضاً، لا يجد صعوبة في إيجاد الأشياء. يشرب كاسه فيما يتمشّى الهوينى في أنحاء المنزل متأملاً أياه
قد يبدي إعجابه بلوحات غرفة الجلوس، وربما يتمدد على الكنبة دون أن يخلع حذائه ويشاهد فلماً قصيراً عن أسرى الحروب. يأخذ اغفاءة قصيرة على الأريكة الوثيرة المغرية للنوم وحين يستيقظ يحمل كل ما خف وزنه ويخرج
!قد يوصد الباب جيداً قبل أن يخرج..فهو يشعر أن البيت..بيته

البارحة تم بعون الله تغيير القفل لنحصل مجدداً على نسختين جديدتين
دون أن يكون هنالك سببٌ محدد لهذا القرار المفاجئ. بدا الأمر إيذاناً بالعمل على قائمة الأشياء المعلقة لسنة كاملة

أشياء أخرى مؤجلة وكثيرة أرجأتها على أمل أن تقرع باب فضولي من تلقاء نفسه

.الكتب النائمة في العلب الكرتونية القابعة بصمت في حجرة “الكراكيب”أدخل الغرفة لأتأمل أغلفتها، أطفىء الضوء وأخرج

.الوسادات الكثيرة التي تنتظر قماشاً مناسباً لها لتخرج من أكياسها

.ألبومات الصور الشخصية التي تنتظر أن تؤطّر في إطاراتٍ خشبيةٍ مزينةٍ طالما تخيّلت تصميمها

.الأصدقاء الطيبون ينتظرون وعداً لا يتحقّق بجلسات تطيل العمر وتمد في نضارة الروح

الثقلاء المزعجين الرابضين على أنفاسنا نبتسم طويلاً لهم دون أن نأخذ القرار الحاسم بإخبارهم الحقيقة: أنتم تلوثون الهواء من حولنا

أصبح عندي الآن مفتاح جديد خاص، إنّها البداية فقط

موسيقى

الموسيقى التي تأتي وحيدة دون أن يُمسك أحدٌ بيدها إلينا ، وحيدة دون أن تصحبها ذكرى أو إشادة أو توصية. المجهولة كطفل رضيع وُضِعَ أمام باب منزلنا في جنح الظلام. الجديدة كحواء خُلقت للتو نقية، رقيقة وخفيفة كالمطر. حالها حال *الألبوم المنسي لسنوات في مجلّد الموسيقى خاصتي. أُعجبت بغلافه الأحمر فتركتهُ يداعب نظري دهراً دون أن امتلك الجرأة على فضّه والاستماع إليه
…وحين فعلت
والموسيقى الجميلة خجولةٌ بطبعها، لا تتبختر بمشيتها الواثقة أمام شبان الحي بل تختار الطرق الطويلة إلى مرآة النهر لتستعرض عليها انعكاس قسمات وجهها المليح.
لا تدركها العين والأذن إن جلست وسط أترابها، رغم كونها أوفرهنّ حسناً ودلالاً
غامضة وسرّية، ومتلثّمة إلّا لمن كان بها خبيرا. ما أن تداعب مفرق شعرها حتى ينسدل شلالاً من نور ونار، كمارد نفَض غبار قمقمه ولفحَ أنفاسك.
وتُحار في أمرك وأمرها! كيف احتجبت عنك تلك الجميلة لسنوات و باب منزلها مجاور ونافذة غرفتها ملاصقة!
وتأخذك الدهشة مراراً متفكّراً في كلّ تلك العبارات: ” الأذن تعشق قبل العين أحياناً ”، “الحبّ من النظرة الأولى” وتدرك أين قيلت وفيما قيلت ولما قيلت
وتسمع المرة تلو المرة، لا استزادة في العشق، بل محاولة للفهم وإدراك سرّ التجلّي وسبر العوالم والحيوات والأرواح
وتدرك أخيراً ومتأخّراً وأنت على فراش الموت أن الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة كانت الموسيقى وما الحياة إلّا رحلة أصوات. صرخة ولادة، شهيق وزفير، آهات الألم والسعادة والنشوة والبكاء.. وفي النهاية شهقة الموت.
والموسيقى الجميلة لا يُباح بها للغرباء، وعابري السبيل، وتفقدُ شيئاً من جذوتها أمام الحمقى، وتنقم على من يفرّط بها
ألم تسمع بموسيقى خَنقت أصحابها؟
ومن يسلّم بنفسه إلى الموسيقى كمن أسلم روحه إلى الله، ترتفع به خفيفاً واثقاً إلى الأعلى ومنّ أحبّه الله يهبهُ من الموسيقى لدناً وشريكاً يسكن إليه. ويخلق له كوناً موازياً يضاهي جنّته الموعودة
وترف الموسيقى أنها قد تأتي في صوت! صوت واحد فقط. صوت سنونو الصيف مثلاً. هذا الصوت الواحد كفيلٌ بأن يسحب وراءهُ كرنفالاً من الحواس.. صوت والدتك المتذمرة من أعشاش السنونو في بيت النافذة، رائحة الصيف الباكر هذا العام، ضوء العصر الجميل، الإجازات المنتظرة، الثياب الخفيفة، ونداء: “يـا شام عاد الصيف”.
وترف الموسيقى أنها قد تأتي في صوت. صوت واحد فقط، ضحكتك مثلاً!

* The Musical Silk Road  -Le route musicale de la soie  ألبوم

والأغنية تعود إلى عليّ رضا غورباني

نُشِرت في دحنون

أجمل ريفيو

IMG-20150119-WA0000

%d bloggers like this: