Feeds:
Posts
Comments

قد لا تبدو أربع سنوات مدة زمنية طويلة
في الحقيقة هي ليست طويلة على الإطلاق
فأشجار الليمون بعودها الطري، تلك التي نصبتها بيدي قبل أربع سنوات، تحتاج لزمن أطول كي أجني منها قطافي الأول
الكرمة التي عُصِرت لتغدو نبيذاً، أربع سنوات لا تكفي لتجعل من نبيذها : نبيذ مُعتّق فاخر
تلك التي قصّت شعرها الطويل ذات جنون عابر تحتاج لزمن أطول قبل أن تعود جدائلها لتتأرجح خلفها بتيه ودلال

إن بدأت رحلة على دراجة هوائية أجوب بها العالم..فلن أكون قد عدت إلى نقطة الإنطلاق بمضي أربع سنوات..أحتاج وقت أكبر
أربع سنوات غير كافية
أربع سنوات مدة قصيرة جداً

أربع سنوات تعني أربع شتاءات فقط، أربع مواسم عنب، موسمي زيتون و مونديال واحد

أربع سنوات..زواج مازال يُطلق على طرفيه: عرسان جدد
أربع سنوات..عمر طفلة مازالت تتهجّىء الأحرف قبل دخولها المدرسة
أربع سنوات..عمر غرفة جلوس لم تهترئ بعد تحت وقع مؤخرات سمينة اعتادت أن تلقي بثقلها عليها
أربع سنوات عمر أحجية بازل لم ترتب كما ينبغي بعد
أربع سنوات مدة قصيرة في الواقع
هي حتى ليست كافية لتنمو عريشة ياسمين مازالت تتسلق بهدوء وثبات منذ نقلها الجد من علبة تنك صدئة إلى أرض الحديقة
غير كافية ليُبدي شاب خجول ورزين إعجابه بصديقته
غير كافية ليقرر زوجان أن الوقت قد حان لينجبا طفلهما الأول

أربع سنوات غير كافية لتعود أُم عن يمين كانت قد أقسمته بأنها لن تصنع “المغدوس” بعد اليوم ..مازال أثر الباذنجان بلونه البنفسجي الداكن الوقح على أرضية المطبخ

أربع سنوات غير كافية بتاتاً ليقتنع متيّم أن حبيبته هجرته للأبد… كل اكتمال بدر يرسل إليها بفيض روحه منقوشاً على حبّة أرز

أربع سنوات..أربع سنوات هي أقصر من ارتداد البصر لمريض أخبروه بأن ما تبقى له في هذه الحياة أربع سنوات
أربع سنوات ..
هي زمن تافه لا يكفي لجفاف التراب الرقيق المنثور فوق جسد عزيز رَحل قبل أربع سنوات
أربع سنوات مدة لهزالتها قد تبدو مضحكة
غير كافية لتفهم المغزى الجمالي لتمثال مشيّد على مدخل مدينة
لتستوعب عقدة مرورية تعبرها كل يوم
لتضجر من محاولة فهم هندسة ساحة وسط العاصمة أٌريد لها أن تكون جميلة وذات دلالة تاريخية
أربع سنوات مدة قصيرة لا تكفي لتسليم بيوت سكن شبابي..أو حتى الشروع ببنائه
أربع سنوات لاشيء في واقع الأمر.. أربع سنوات هي مدة قصيرة جداً
إلّا تلك اللعينة بسنواتها الضوئية الأربعة بدت لي بعمر أربعين عام، أربعمئة عام، أربعة آلاف عام

أربع سنوات طويلة ثقيلة مضنية كحشرجة، كانتظار أبدي لراحة الإغفاءة الأخيرة التي لا تأتي، كلعنة تجعل اليوم بألف سنة
أربع سنوات
أربع سنوات اضمحل، أيأس، أتأمل، انتظر، اترقب، ارثي، أودع، انتحب، أندب، أكره، أحقد، أقتل، أُقتل، أبكي، أنزف، اُستنزف، ألعن، أزوي، أدور
أربع سنوات يا إلهي.. رقم هائل من الدقائق والساعات والأيام
إن كانت كل دقيقة تعني صعود روح إلى الأعلى
أحقاً هناك حكمة تُرتجى من هذا النوسان الهائل المستمر! ألم يحن وقت تكشّفها

!ألم تخلق الحروب لتنتهي؟! ومتى أصبحت تميل لترك روايتك بنهايات مفتوحة
بالله عليك يالله اغلقها، أرنا معجزتك، تجلّى! إن كنت القوي الكبير الرحيم أظهر الآن الآن
أربع سنوات كثيرة يارب…اقلب عاليها سافلها، أين حجارة السجيل ؟! ارميها الآن الآن
أكانت الخليقة بحاجة لأن تحمل في فلك نوح من كل شيء زوجين ! ألم تفكّر في أن على هذه الأرض ما يستحق الفناء
يارب ..أربع سنوات مدة طويلة على طفلة وُلِدت دون أن تعرف ملامح وجه أبيها..دون أن يكون نداء:.. بابا، ضمن الكلمات الأولى التي تلفّظت بها
يارب..أربع سنوات مدة طويـــلة لتلك التي توسّدت الأرض قرب أربع شواهد رخامية وكأنّها منذورة للفراق.. في كل عام قدّمت ابن
أربع سنوات.. موت أسود طويل لرجل أطلق لحيته طويلاً منذ أن غاب اثر ابنه..لا هو أيوب ولا الغائب يوسف بل هم أنبياء الحرب الجديدة
أربع سنوات..تستحضر يارب من أرشيف الوجود حوادث ظننتها لا تحدث إلّا في كتب التاريخ
الحُسين في كل يوم يُدار برأسه على رماح معاوية بين عراقها وشامها
تمتلئ الأرض بحفدة يهوذا يصلبون في كل يوم مسيح جديد

أربع سنوات..كِرام تُذل ونفوس تُهان وأرذل الخلق يرثون الأرض

لا الزمن يتوقّف ولا الأيام تعود بدورتها..لا الحيّ يطلب الموت يأتيه، ولا الميّت يوارى الثرى فيرتاح

أربع سنوات  مدة طويلة…هذا كل مافي الأمر. أما اكتفيت ؟

 تفجير القزاز 10.05.2012

تفجير القزاز 10.05.2012

لاشيء يختزل ما جرى، لايجب اختزال ما جرى، الحاجة كل الحاجة لتسجيل تلك اللحظات وإن كان ذلك أقرب للمستحيل فلا الماضي استطاع أن يصل لنا كما حصل، كي نستطيع نحن أن نحفظ للمستقبل ما يجري الأن، في زمن أصبح تزييف ما تراه بأم العين أسهل من تحرّي نقله بصدق. ستمتد السنوات الأربع، نعلم ذلك علم اليقين، لا التمني ولا الدعاء سيحولون دون إكمال العرض الطويل

لكن هناك في المستقبل، إن بقي للجنس البشري استمرار، طفلة تتأمل الصورة أعلاه بكثير من الدهشة! ذُيّلت الصورة بعبارة واحد فقط: “تفجير القزاز،دمشق”. ستتأمل الصورة طويلاً كما فعلت، وستقف طويلاً عنده..ذلك الجالس في يمين الصورة بخوفه، ورعبه، وألمه، وعريّه، وقهره. ستخرج منها تنهيدة، ربّما دمعة ..ما أتمناه حقّاً أن تمتلك تلك القابعة في المستقبل حقيقة ما جرى هنا يوماً على هذهِ الأرض

كان غابو ينتظر طائرته المتوجهة إلى نيويورك من مطار شارل ديغول في باريس حين قيّض له أن يرى: أجمل امرأة في حياته

مخطوف الأنفاس، مبهوراً حتى الثمالة جلس يراقب الفتاة العشرينية ببشرتها الغضّة بلون القمح وعينيها اللوزيتين الخضراوين، وشعرها الأسود المنسدل حتّى الكتفين وقد أُحيط وجهها بهالة من سحر الشرق. حين صعد إلى الطائرة وجد جميلته تجلس في المقعد المجاور له! “إن قُدِّر لي يوماً أن أكتب هذهِ القصة، قال يحدّث نفسه، فلن يصدّقني أحد”. استقرّت الجميلة الحسناء في مقعدها كما لو أنّها ستلازمه دهراً، طلبت كوب من الماء، ابتلعت قرصين ذهبيين، وضعت الوسادة في فجوة عند نافذة الطائرة، تدثّرت حتى خصرها دون أن تخلع حذاءها لتتكوّم في وضع شبه جنيني وتنام دون تنهيدة. وفي هذا الوضع بقيت لثماني ساعات أبدية و اثنتي عشر دقيقة وهي مدة الرّحلة إلى نيويورك
“لاشيء في الوجود يفوق جمال امرأة جميلة، تمتم غابو لنفسه”

بات من المستحيل عليه أن يفلت دقيقة من سحر هذا المخلوق الخرافي الراقد إلى جواره. تفحصها عدّة مرات سنتيمتراً سنتيمتراً،  قبل كل كأس كان يتجرّعه، يرفع كأسها عالياً ليشرب نخبها:نخبكِ، جميلتي

هذه القصة هي واحدة من “أثني عشر قصة تائهة” لغابرييل غارسيا ماركيز، واسمها: “طائرة الجميلة النائمة” يستلذ فيها الحكّاء المدهش كعادته كمافي الروايات كذلك في القصص بممارسة الإبهار بخفّة ساحر يخرج من قبّعته قبيلة من الأرانب، يدفعك للابتسام، وربّما القهقهة طويلاً كما حدث معي وأنا ألتهم أحداث رحلته التي تنتهي باستيقاظ جميلته النائمة من تلقاء نفسها في نهاية الرحلة، ليتأمّلها متحسّراً وهي ترمي بالغطاء جانباً، تنفض شعرها بخفّة، تطرّي وجهها بالمساحيق…لتضيع بعدها بين الجموع قبل أن تتوارى نهائياً في مجاهيل نيويورك..و ليكمل غابو على طائرة الحسناء النائمة طريقه إلى مكسيكو مجترّاً دفعات الحنين لجمالها بعد أن نقل لنا العواصف التي اجتاحته على مدار الساعات الثمانية.

لا أدري كيف ساقتني الصدف في الآونة الأخيرة لأن أطالع هذهِ القصة في مكانين مختلفين لتأتي الثالثة قبل أسبوع من الآن حين كانت توطئة رواية ساحرة تُدعى ” بيت الجميلات النائمات” لـ ياسوناري كاواباتا هي قصة الجميلة النائمة التي يستحضرها ماركيز في مقدّمة الكتاب بعد أن ينمنم القصّة بتفاصيل الصدف التي قادته لاكتشاف ياسوناري كاوباتا
ساقتني صدف من نوع آخر إلى بيت الجميلات النائمات، أشبه بطريق بدأت مؤخراً السير به بعد اكتشافي المتأخّر أن اولئك المتشابهي الأوجه والسحنة ذو الميول الغرائبية والثقافة الجمعية الإنتحارية في بلاد الآلات والأرقام وحضارات التاو والساموراي لديهم أدب..وأيّ أدب! ذاك الذي تتنهد بعد قراءة قطعة منه وتتمتم بأنّ ما فاتك الكثير حقاً
تتوالى الروايات والكتّاب جونيتشيرو تانيزاكي، كازوو إيشيغيرو، يوكو ميشيما(اثنان منهم أنهوا حياتهم انتحاراً) لأصل إلى الروائي الأعظم في اليابان ياسوناري كاوباتا والذي أنهى حياته بسيف طقوسي بَقرَ به أمعاءه بعد سنوات على منحه جائزة نوبّل للآداب 1968 على روايته المذهلة التي علّق عليها ماركيز: إنّه الكتاب الوحيد الذي وددت لو أكون كاتبه
في رحلة غابو على متن طائرة الجميلة النائمة تتراءى له تجربة”إيغوشي” بطل رواية “بيت الجملات النائمات” ماثلة أمامه، غير أن ذلك لم يمدّه بأي متعة كحال بطل كاواباتا. كان الشيء الوحيد الذي تمنّاه خلال الساعة الأخيرة من الطيران هو أن يوقظ المضيف تلك الحسناء ليتمكن هو من استرجاع حرّيته..وربّما شبابه

house-of-the-sleeping-beauties-by-Yasunari Kawabata
لا أحداث حقيقية تدور في فضاء “بيت الجميلات النائمات” بل كون مُغرق في الغرابة، ترتدي فيه الكلمات والأشياء لبوس آخر ومعنى جديد المتعة هنا مغايرة لما قد نعرفه، الحياة، الموت، اللذة
ماتدور حوله الرواية يبدو بالغ الأسى.. رجل يهبط سلم العمر وفتاة تصعد الدرجة الأولى منه..مُسن و شابة تحت سقف منزل غريب يقع في ضواحي طوكيو، بداخله دمى حيّة من أكثر فتيات المدينة جمالاً، يرقدن عاريات تحت تأثير مخدّر ليستلقي إلى جانبهن عجائز دفعوا مبالغ طائلة ليتمتّعوا بالشكل الأخير الأكثر نقاءً للحب

العجائز لايملكون حق إيقاظ الفتيات أو لمسهن،  لايمتلكون حتّى القدرة على ذلك.. ما يملكونه حقّاً هو إمكانية الحلم وكل ما يجنوه من ارتيادهم لهذا المنزل نفحات من ذكريات الشباب

“ثمّة زبائن يقولون إنّهم رأوا أحلاماً جميلة أثناء نومهم. آخرون تذكّروا أيام الشباب”

إيغوشي هو صوت المونولوج الطويل على مدى صفحات الرواية، المُسن الذي قصد هذا النزل ليستغرق في عالمه المالح العذوبة بعيداً عن قرف العيش، الوحدة والشيخوخة
رحلة اكتشاف هول الشيخوخة لدى العجوز”إيغوشي” كانت تمر عبر استذكار حوادث ترقى للطفولة البعيدة بقيت محفوظة في ذاكرته لتُبعث بالصورة الأكثر صفاءً وحياةً أمام جسد حسنائه الغارقة في نوم سباتي المستسلمة ببراءة غافلة عن كل شي في الوجود

ربّما ليس هناك بوذا للعجائز لكي يبتهلوا إليه لكن هناك فتاة عارية جميلة يضمّونها بين أذرعهم ذارفين دموعاً باردة غارقين فى شهقات قوية منتحبين فتاة غافلة عن كل شىء ولن تستفيق مطلقاً تمنحهم حرّيتهم المطلقة فى الندم حريتهم المطلقة فى النحيب دون أن يشعروا بأي ندم أو طعن في كبريائهم.. أفلا يمكن إذاً اعتبار الجميلات النّائمات من هذه الوجهة آلهةمثل بوذا ونابضات بالحياة فوق ذلك ؟ أليست رائحة فتاة شابة وبشرتها تكفيراً للعجائز التاعسين وتعزية لهم

قدرة”إيغوشي”صوت كاوباتا الحيّ في الرواية على الوصف مذهلة (أدرك الآن رغبة ماركيز لكتابته تلك الرواية. رائحة شيخوخة مماثلة تسري في روايته:ذاكرة غانياتي الحزينات)..وصف دقيق، هادئ، ومسترسل بانسياب لكل فتاة..تكاد تشعر أن الفتاة تستلقي أمامك، لتصبح يدا إيغوشي المنسابة على ملامحها وأجزاء جسدها كاميرا حيّة

” أزاح إيغوشي الستارة ونظر إلى الفتاة النائمة كاتماً أنفاسه أمام الجمال اللامتوقع لها. لم يكن جمالها الشيء الوحيد غير المتوقّع، بل فتوّتها أيضاً. كانت مستلقية على جانبها الأيسر، وجهها مكشوف وباقي جسدها غير مرئي. على الأرجح لم تبلغ العشرين بعد…كما لو أن قلباً جديداً خفق بأجنحته في صدره. كيف تسنى لثدى الأنثى البشرية وحدها من بين جميع الكائنات أن يتخذ بعد تطور طويل هذا الشكل الرائع! أليس الجمال الذى بلغه نهد المرأة المثال الأبهى لتطور الإنسانية

كل ليلة كانت فتاة جديدة تستلقي بنضارة شبابها، باستكانتها المستفزّة، برقادها العذب وبخدرها اللامبالي في الغرفة المخصّصة له. يتأمّلها طويلاً في البداية، يعاينها ويقلّبها بين ذراعيه، يسترجع ذكرياته كشريط صور يجري أمام عينيه، تمر نساء حياته واحدة تلو الآخرى. يرى حبيبته الأولى تلك التي صعقتهُ بجمالها لدرجة أن الدموع انهمرت من عينيه، والدته التي صدمه أن يتذكّرها في ذلك المكان، زوجته، بناته الثلاث، عشيقاته…خيباته وبهجاته
النهاية تأتي صادمة كأفضل ما تكون النهايات اللامتوقّعة لكنّها مفتوحة..ولانهائية لشخص مثلي قد تؤرقه حياة الكائنات العالقة في الرّواية حتّى بعد إغلاق دفّتي الكتاب
“للعجوز الموت وللشاب الحب، نموت مرّة واحدة ونحب مرّات عديدة “

الجميلات يرقدن هنا بالنسخة العربية من ترجمة ماري طوق *

بانتظار جلنار..

يمكن تَخيُّل الله، أمام غناءٍ ساحر، وهو يتمنّى لو لم تكن الكائنات جميعها محكومةً بالموت

ويحدث أن ينبش المرء التاريخ والجغرافيا أفقياً وعامودياً مطارداً رغبة سرمدية بتذوق كل ما أنتجته البشرية من جمال لتأتي لحظة هاربة من عالم مواز، تستيقظ فيها الروح، تلتقط بكل الحواس الممكنة مقطع هارب من أغنية زيّنت صباحات طفولة غابرة لسنوات طويلة..لحظة واحدة تعادل اقيانوسات الجمال
:كانت أغنية “جلنار” للسيدة فيروز، ومقدّمة الأغنية تحديداً
يا صبح روّج..طولت ليلك”
خلّيت قلبي نار
بلكي بتجي أختك تغنيلك..بلكي بتجي جلنار.” تفتتح برنامجاً صباحياً على إذاعة دمشق. على مدار سنوات الدراسة الطويلة بأكملها سَمِعت اسم جلنار يتردّد في منزلنا كحاجة لا مفرّ منها، كشرط لاكتمال الصباح

في بادئ الأمر، بدا لي الأسم غريباً، ولسبب غامض، وجدته أخضر اللون! ..لا أدري كيف يمكن لأسم أن يكتسب لون خاص به لكن “جلنار” تحوّلت لفتاة يخضورية تقبع في الراديو طوال الليل، تتحيّن الساعة السابعة صباحاً لتقوم بحركتها السحرية فتخرج من الراديو بكل تلقائية، تجلس في النور، تضع يديها في حجرها، بهدوء كل ملائكة الأرض..و تنشد: .. يا صبح روّج

حين كبرت قليلاً، وأصبح حضور” جلنار” أكثر اعتيادية، مع احتفاظه بكل مسبّبات الدهشة . تتطوّرت علاقتي بها فظَننت “جلنار” نشيداَ وطنياً، ترتيلة شبيهة بـ”آيات من الذكر الحكّيم”، أو معزوفة آخرى لها قدسيتها كتلك التي يعزفها بُزق”محمد عبد الكريم”
كَبرت، لا رغبةً منّي بذلك، إنّما واقع الحال.. لكن “جلنار” بقيت كما هي، خضراء، غضّة، صباحية التكوين، و قابعة بهدوء في راديو المنزل. لم تتأخّر يوماً عن إعلان الصباح، تنجز مهمّتها في كل مرّة كما لو أنّها المرّة الأولى التي تقوم فيها بالغناء
هجرت مقاعد الدراسة، لِأهجر بعدها بسنوات منزل الطفولة، اختفى الترانزستور الأحمر الأثري منزل” جلنار“، واختفت هي بدورها ..إلى غير رجعة
.
.
.

بدأ الخدر اللذيذ يسري عميقاً منهياً استنفار الحواس الطويل ليتسرب في نسيج اللاوعي مُعلناً الدخول إلى بوابة الأحلام..استشعرته بإنهاك من خاض معركة أرق دامت لساعات طويلة ليدرك غبش الفجر البارد.. الشمس لم تشرق بعد أو لعلّها وراء سحب شتوية كثيفة
كنت قد استنفذت زوّادتي الموسيقية في ليلتي الطويلة، فاستسلمت للموسيقى المتدفّقة همساً من سماعة الأذنين الموصولة للراديو..على غير العادة
تكّورت على نفسي، ركلت أرض اليقظة، طَفَوت بخفّة إلى الأعلى..حُلّت عقدة شعري، وانسدلنا جميعاً متحرّرين من الجاذبية بلذّة صعوداً نحو الأعلى..نحو العمق
جاءت موسيقى خافتة من السماعة الملقاة على الوسادة..بعيدة كصوت من عالم آخر مُغرق في السحر والغموض..ناي جميل ..نغم مألوف..صوت دافئ كألف شمس مشرقة: .يا صبح روّج ..طوّلت ليلك..خليت قلبي نار..بلكي بتجي أختك تغنيلك..بلكي بتجي.. جلنار

! استيقظ
تُعيد “جلنار” نداءها :يا صبح روّج..طوّلت ليلك
أردّد خلفها: ..خليّت قلبي نار..خليت قلبي نار

كان على هذا الزمن أن يمر وعلى الأرق أن يدوم وعلى الموسيقى أن تنفذ وعلى الخدر أن يذوب لكي تتشكل هذه اللحظة المنتظرة من سنوات دون أن أدري، لأهتف ..ياربّ الصباحات المدهشة، لتصبح جداران غرفتي الكتيمة خضراء، ولينبت لخشب السرير ألف غصن مورق يلتف حول قوائمه يعلو به في أثير المكان الذي فقد أبعاده فلا نهاية له أو بداية وليطلّ وجه محبوبتي من وراء الحجب من رحم الروح حيث ظلّت قابعة هناك لدهر تنهمر على وجه ارتعاشاتي، بسطوة، برقة، بجبروت

راعي بكي ومنجيرتو متلو ..بكيت تـيتسلى” :
شو قولكن عالسكت قالتلو..وشو قولكن قلّا
خلّيك حدّي تـ يروق الجو ورندح وسمّعني
“ولمّا بيطلعلك يا راعي الضّو..تبقى تودّعني

أين كنت من هذهِ التكملة يا “جلنار“! كيف ابتكرتِ بلاغتك المتقشّفة بهذا الزهد! بهذه الروعة! بِـدفا ألف نهار
أُنهَك لفرط الجمال، أهذي بكلماتِها ..راعي بكي ؟! بيظهر حبيبو غاب ! يا صبح روّج..خليت قلبي نار..شو قولكن..تبقى تودّعني
أكان يجدر بي أن أمسح على جدران القمقم لتخرج جنّيتي الساحرة!؟ على الذاكرة لتتصدع، تتشقق، ليظهر ما لايفنى ولا يزول ولأدرك أنّني كنت في انتظارها منذ الأزل

! و وعيت الشّمس، وزقزق العصفور..وما أجت جلنار


ميشيل طرّاد هو من فاض بروحه فخلق”جلنار” كلماتاً، الأخوين الرحباني ألحاناً ..ومعذّبتي غناءاً * 

الاقتباس في المقدّمة لعبقريّ الجمال: أنسي الحاج *

تمَ العثورُ خلال حملاتِ التنقيب التي بدأت منذ عقود في منطقةِ شرق حوض المتوسط، وتحديداً في المنطقة الّتي كانت تُدعى “سوريّا”، على قطعةٍ الكترونيةٍ “هارد ديسك” تضمُّ محتوى يعود لعصورِ “ما قبل التلاشي”، تحديداً حقبة ما قبل اندثار الديار السورية، الفترة الواقعة ما بين 2011 و 2022
تبيّن لاحقاً بعد معالجةِ اللّقية الأثرية والتي كانت بحالة جيّدة نسبةً للطريقةِ التي حُفِظت بها، احتوائها على ملفّات من نوع وورد (برنامج “أوفيس” يعود لنظام حاسوبي يُدعى ويندوز ) تحتوي تلك الملفّات على كِتابات أشبه بالمذكّرات أو اليوميات دوّنت باللغة العربية
ما يميّز هذا الاكتشاف المثير عن غيره من الاكتشافات بأنّ محتواه قد يساعد الباحثين على ملء فراغات مهمة في رحلة الجنس البشري عبر التاريخ ولعلّه الأقدر حتى اللحظة على تقديم شروح قد تبدو مبهمة، لكن قد تلهم العلماء لمعرفة ما حلّ بحضارة عُرفت على أنّها الأقدم منذ بدء الخليقة، وفهم السبب وراء انقراض التجمّعات البشرية الكثيفة التي سكنت في تلك البقعة. ليصبح هذا” الهارد المخزّن” بمثابة كبسولة تختصر حقائق شعوب اندثرت، أحلام كائنات غرقت في ثقب أسود لا نعرف عنه شيئاً ولا تستطيع العلوم الاجتماعية والإنسانية الحدس به

***

بتاريخ 2021
القاتل رقم 654
وحين كان “ناكاتا” بطل رواية “كافكا على الشاطئ” لديه من المقدرات ما يجعل من سماء المدينة تُمطر عَلقاً وسمكاً..كان “ناكاتا” بطل الرّواية السورية الطوّيلة والمُملة جداً..يُمطر سماء مدينته بشتاء من الهاون
لم يكن شريراً في واقع الأمر، فهو لم يسن عنق واحدة رغم استهزاء الجميع به ومحاولاتهم الحثيثة لتشجيعه على فعل ذلك. كل مافي الأمر أن مشهد الدماء كان يصيبهُ بالغثيان. أما الهاون ..جميل، عملية تلقيمه لا تحتاج إلّا إلى إبريق شاي خمير مُعد بعناية بعد فطور دسم، ليبدأ بعدها رشقاته اليومية

.مؤخّراً لم يعد يعنيه أين تذهب حبيبته وعلى من سيقع اختيارها، مهمته تتجلّى في أن يشعل فيها الرغبة، و مهمتها أن تتوهج..وتقتل
في السابق كان يحدّد السمت، يدرسهُ بعناية، ينتظر قليلاً من الوقت ليوّجه مرّة أخرى إلى هدفه، ومن ثم يترقّب حلول المساء بفارغ الصبر ممارساً متعته الأكبر في تقصي ضحاياه، معرفتهم عن قرب، أعمارهم، أشكالهم، عائلاتهم. كان يبحث بتلذّذ غريب رغم يقينه من أن حصيلة ضحاياه أكثر من أن تحصى
في منتصف عام 2016 حدث أمر رهيب له.

ظهيرة يوم نيساني بديع شعر بحاجة ماسة لالقاء رشقة أو اثنتين رغم أنّه كان قد عمِل بجد في ذلك الصباح وأمطر منطقتين مزدحمتين بخمسة عشر قذيفة، لكن ما باليد حيلة..القلب وما يهوى
أمسك محبوبته، قبّلها ووضعها في الفوهة….و بووووم

مازال الطبق النحاسي الضخم يُقرع بمؤخرة رأسه باستمرار حتى بعد مرور سنوات على تلك الواقعة. أُصيب بالصمم الكلّي، وفقد بصره

يتلمّس طريقه إلى الخارج، يفترش الأرض أمام باب منزله،  ويرفع عينين أُسدِل عليهما جفنين ثقيلين إلى الأعلى

كانوا قد أخبروه أن الشمس أُصيبت بالعمى! ظلام مُطبق بدأ منذ أيّام طويلة دون أن يدري أحد سبباً لذلك! في البداية ظنّهم يسخرون منه..لكن جرت العادة عند استيقاظه أن يتلمس طريقه للخارج ليمتّع بشرة وجهِه المشوّه بحرارة الشمس
!بدا له أن السماء مظلمة، استشعر ذلك بانقباض مخيف. لقد أصيبت الشمس بالعمى حقّاً

أغمض على ظلامه الخاص الذي ليس كمثله ظلام
ظهر الجميع ككتل مضيئة في السواد المخيّم أمامه، المشهد ذاته يتكرّر. انتثرت الأشلاء حوله وبدت مسترخية بتثاقل

اليوم كان الدور قد وقع على ساعد ضخمة مبتورة من الكتف، و إبهام قدم

: كان الساعد مفتول، يغزوه شعر كثيف، وفي نهايته كف بأصابع ضخمة

حسناً، أدعى أبو علاء، العمر 54 عام، موظف في مبنى المحافظة، بتاريخ 3\11\2013 قمت بأخذ إجازة ساعية للحصول على اسطوانة غاز بعد أن سمعت بتوفر المادة المذكورة آنفاً، أثناء مروري بتقاطع شارع الحرية مع شارع الثورة، سمعت أزيزاً، ربّماً كان صفيراً لا أذكر
لم يتسنى لي الوقت لكي أتفادى ما لامفر من حدوثه، لكن بعد أن صعدت إلى الأعلى استطعت رؤية جسدي في بركة دماء حارة

:يزفر الساعد، ليتلاشى في الظلمة، يتقدم الإبهام، تبدو آثار طلاء أحمر على الظفر

هديل، العمر 23 عام، طالبة في كلّية الحقوق، صبيحة 5\9\2014 ذهبت مع والدتي لإكمال ما تبقى من تجهيزات زفافي، كان صباحاً يوحي بالطمأنينة وبأنّ الحياة على مايرام. في الساعة االحادية عشر والنصف سمعنا دوياً هائلاً، شعرنا بهلع دفعنا للركض حالنا حال الجميع، وفي المكان الذي احتميت به، أبصرتها تقترب منّي بتوهج
تأخرت قليلاً قبل أن أصعد، وحينما أبصرتُ المشهد من الأعلى، وجدتُ أمّي تنوح بعويل مؤلم فوق كتل من لحمي المدمى

تعود الإبهام إلى الخلف لتتلاشى في الظلام

يصيح بصوت زاعق أشبه بزئير حيوان مفترس، يغطي عينيه المشوهتين بكلتا يديه ويزفر
لقد اختمر غضب السماء

***

بتاريخ:2022
القاتل رقم: 1250
مضحك كيف تلتمع فكرة تبدو لوهلة مفرطة في بديهيتها، هكذا فجأة تنبثق لتلغي اشمئزازاً دام شهوراً من ديدان بيضاء استباحت أكياس الأرز الثمينة، في كل مرة يفرد ساعات فراغه لوضع حد لها، تعود لتمدّ لسانها بوقاحة في وجهه
جلس إلى مائدة الطعام، عبارة عن مقعد مدرسة خشبي مهترء كان قد عدّله بنفسه وزينه بنقوش وتواريخ، بعد أن وجده ملقى أمام محل تعفيش متواضع

 تناول وجبته المدعّمة بالبروتين واللحم، وشرد ساهماً في تأمّل روزنامة على الحائط! كانت تعود للعام 2018

حين جاء المنزل للمرة الأولى وجدها مُثبّته بشريط لاصق في منتصف الحائط تماماً وكأنّما وُجدت هناك منذ الأزل

أوراقها لم تُثنى أو تمزق رغم أنّ أطرافها ذُيّلت بملاحظات وإشارات لمواعيد انتهاء اسطوانة الغاز، أوقات تقنين الكهرباء، إشارات لتواريخ ميلاد و وفاة، الحواشي فُردت لكتابات غير مفهومة
يحاول تذكر ملامح ذلك العام ! كانت البلاد حينها تُشِع بالكهرباء، فالروزنامة تشير إلى أوقات تقنين، غاز، وماء..! كم يبدو هذا ترفاً مثيراً للاشمئزاز
بحلول ذلك العام كان في أوج نجاحهِ المهني..يقايض الأرواح بالمال، يقايض الصحّة بالمال، يقايض أولاده بالمال
ولولا أن حصل ما حصل في نهاية ذلك العام ..لكان قد أكمل على من أكمل

..

بلعق الصحن للتأكد من انهاء وجبته. يخلع قدمه الصناعية، يُسدل الستارة على كتلة اللهب المضيئة في أفق المدينة الغارقة بظلام غريب منذ شهور طويلة ليغرق بعدها بظلمته الخاصة

يحاول الدخول في بوابة الحلم، لكن سرعان ما تبدء حفلة عذاباته اليومية
يطفو الجميع إلى سطح الذاكرة، تُضاء خشبة المسرح لتبدو رؤوس حليقة مجتمعة وسط دائرة النور، الترتيب نفسه، جميعهم كانوا هناك
يبصر نفسه جالساً على دكّة عالية في الوسط تتدلى فوقه دائرة ضوء تتحرك جيئة وذهاباً

اليوم دوري أنا، ألا تتذكرني ! ألا توحي لك ندوب وجهي بشيء؟

يتقدم الرأس من الدكّة، يمسك وجهه المشوّه بكلتا يديه، يهزّه بشدة حتى يكاد أن يسقط. يظهر صاحب الرأس  تحت بقعة الضوء أكثر وضوحاً. مسخ بشري أُطفِئت به أعقاب عشرات السجائر

يحاول جاهداً الاستيقاظ،، يزفر بقوة

ماشاء الله السيد منزعج، لقد أقلقنا رقاده..يريد أن ينهي اللقاء في بدايته
(يقهقه الجميع، تتشابك أيديهم في حلقة دائرية تحيط به)

هل كنت تظن أن لن نلتقي مرة ثانية؟ لم تفارقني لحظة واحدة في الليل والنهار، كان صوتك يتشرّب ما تبقى من عافية في جسمي العليل. ويأتي على بقايا الحياة التي سلبتها منّي بتلذذ
في يقظتي ونومي كنت هناك، منتصب كوحش كاسر، تبصق في كل حساء أتذوقه، تمزق بحزامك كل ما ألبسه وتجعل من جلدي وجبة لسوطك الذي يدمي ظهري وصدري..انظر

(يكشف عن ظهره، تجتمع الرؤوس الحليقة، تبدو بلا ملامح لكنّها تقترب بفضول)

أحاول أن أصرخ فتخرج منّي أنّات بكماء، تضيق الدائرة حولي وتقترب الرؤوس شيئاً فشيئاً لتصبح ملامحها أكثر وضوحاً. يكشف الجميع عن ظهره، يصيحون بصوت واحد

انظر..انظر..انظر
يقتربون من الدكة الخشبية، يركلونها بأقدام غاضبة
انظر..انظر..انظر.
يستطيع فتح عينيه في النهاية، يستيقظ بعينين دامعتين، أنفاس منقطعة. وينخرط في بكاء طويل
لقد اختمر غضب السماء

***

(بدون تاريخ)
شاهد
.
.
في أزمنة لا ترتقي لها الذاكرة..كان الجميع على قيد الحياة
عرفنا الفرح، والسعادة، كان لنا أباء وأمهات، حبيبات وأبناء، وكان الرضا شهي جداً
في هذه البقعة حيث أقف، انتصبت شجرة زنزلخت ضخمة ومرعبة كفزّاعة الحقول..خيّمت بظلّها على منزل العائلة بعمر المئة سنة
إن بقيت الشموس تشرق، وبقيت الحياة تجري في دورتها،سيعتقدون أن هذا المكان لم يكن يوماً مأهولاً بالسكّان! مجرد أرض بلا ذاكرة
أقول لكم..
هنا ..
في هذه البقعة حيث أقف، وُلِدت أنا وأخوتي، في هذا المنزل ولد أبي، جدي الأكبر رفع سقفه الخشبي بيديه حين لم يكن في هذه القفار إلّا الضباع الشاردة، وفي أعمدة المنزل الخشبية عُلقت أراجيح نومنا حين كنّا أطفالاً وعليها نقشنا أسماء الحبيبات
هنا ..
سوّيت الأرض مرّات عدّة لتستر هياكل نثرتها مجازر ارتكبت على مدى سنوات الحرب الطويلة لم يعرف لها اسم، ولا شاهدة. حتّى حلول تلك الساعة المشؤومة حين حلّ الظلام الدامس. ليل طويل مستمر بلا انقطاع بدت معه الشمس في كسوف دائم، الأيام طالت واستطالت لتتحول إلى شهور..
ربّما الآن قد اختمر غضب السماء

توّج الظلام بالكارثة العظمى في إحدى الأيام بما بدا أشبه بالنهاية الأخيرة
زأرت الأرض واهتزت مرات عدّة، وبدأت بلفظ ما بأحشائها على وقع أصوات أشبه بقرع طبول إفريقية ضخمة. ظننا أنها الساعة الأخيرة التي أُخبِرنا بها وقد زُفّت إلينا لا ريب فيها هذه المرّة، لتجعل من كل ما سبقها أشبه بمزحة مقارنةً بذلك المشهد
برقت السماء وزمجرت كما لو أنها انشقت على نقسها لتبدأ أمطار صفراء لزجة بالتساقط سرعان ما تحول هطولها إلى سيل عارم غمر وجه المعمورة..وجرف إلى داخل الأرض ما تبقى من أحياء
تراقصت الهياكل في أسرّتها الترابية ودبّت على أرضٍ ابتلعت كل شيء، الناجي من غضب ذلك اليوم..مات من هول الرعب

.
.
في أزمنة غابرة..كان الجميع على قيد الحياة
وكان للرضا طعمٌ شهيٌ جداً

!من أحاجج ؟

و شعرت أني مثل أيوب  ..

وتباهى الرّب بعبده أيوب. باستقامته وتقاه، فسأله الشيطان: أمجاناً يتّقيك ؟

فأطلق الله يد الشيطان، كي يضربه في أهله وأملاكه. ففقد أولاده العشرة وكل ما يملك، لكنّه لم يخطئ بحق الله. فازداد الله تباهياً بعبده أيوب. فطلب الشيطان أن يصيبه بلحمه ودمه.أطلق الرب يده فأصاب الشيطان أيوب بقرح من أخمص القدم إلى قمة الرأس، فاشتدت آلامه، وأنكرته زوجته، وانفضّ عنه غلمانه وعبيده .. لم يكن لأيوب أن يعرف أنّه ضحية رهان متبجّح بين الله والشيطان. ولأنه كان عميق الإيمان وحسن النية، لم يخطر بباله  أنه يمكن أن تجري في السماء التي يشعشع فيها الرب، ألعاب ومراهنات دامية إلى هذا الحد. ولهذا دفعه قلبه البريء، وآلامه التي لا تحتمل إلى محاججة الله : لكنّي إنما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجج الله . . . ما الذي لي من الآثام والخطايا. أعلمني معصيتي و خطيئتي. لِما تواري وجهك وتعتدّني عدواً لك! لِما تكتب علي معاملات عنيفة وتُلحق بي آثام صباي!؟.. قد اكتسى لحمي دوداً وجلدي تقلص وتمزق. ما الإنسان حتى تستعظمه  وتميل إليه قلبك وتتعاهده كل صباح، وتبتليه كل لحظة. إلى متى لا تصرف طرفك عني ولا تمهلني ريثما أبلع ريقي . أقول لله لا تؤثمني. أعلمني على أي شيء تحاكمني . . . إنّما أخاطب القدير وأودّ أن أحاجّ الله

 

كان عزاءً كبيراً لأيوب، الذي يتفسخ، أن يحاجج الله، وأن يلومه من طرف خفي، لأن النعيم في هذه الدنيا مقسوم للمنافقين والأشرار، في حين تضرب يد الله الأبرار، وتبتليهم بأقسى أنواع المصائب. والغريب أن اله الذي كان يعرف أن أيوب لا يستحق أيّاً من المصائب التي توالت عليه. وأن كل ما أحاق به نتيجة رهان متبجّح بينه وبين الشيطان، فقد أغضبه أن يحاججه إنسان، حتى ولو كان صادق الطاعة والإيمان. ولهذا كلّم الرب أيوب وقال :  ” اشدد حقويك وكن رجلاً “ .ثم بدأ يعدد متباهياً ما خلق من أرض وسماوات ونجوم وجبال ووديان وحيوانات وطيور وبحار ورياح. ليختم كلامه لأيوب : ” اشدد حقويك وكن رجلاً. إني سائلك فأخبرني ألعلك تنقض قضائي. أتؤثمني لتبرر نفسك. ألك مثل ذراع الله. أترعد بمثل صوتي. إذن فتزيّن بالعظمة والسمو، والبس المجد والبهاء ” . ويواصل الله تأنيبه حتى يتضاءل أيوب.  ويتلاشى صوته منكراً مقالته، ونادماَ على محاججته

 

يعوّض الله أيوب أضعاف ما خسره من صحة وولد ورزق. ولكن بعد أن عطّل عقله، واعتذر عن المحاججة، وتحوّل كائناً صغيراً، يضع برضى وتسليم حياته ومصيره وكل ما يصيبه بيد القادر الذي خلقه ولم يترك له إلّا حرية العبادة والطاعة والرضا مهما اشتدت عليه ألوان الظلم والعذاب

لقد حاجج أيوب ربّه، أما أنا فمن أحاجج ! وليس لدي إلّا هذا اليقين البسيط و الموحش

.من الظلام جئت وإلى الظلام أعود

رحلة في مجاهل موت عابر

سعد الله ونوس

أغارُ عليكِ من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي

من المرآة التي ترسل لكِ تهديدكِ بجمالكِ

من شُعوري بالنقص أمامكِ

من حُبّكِ لي

من فنائيَ فيكِ

ممّا أكتب عنكِ كأنّني أرتكب فضيحة ..من العذاب الذي أُعانيه فيكِ

من العذاب الأكثر بلاغةً من المتعذبين

من صوتكِ ..من نومكِ ..من وضع يدكِ في يدي..من لفظ اسمكِ

من جهل الآخرين أنّي أحبّـكِ.. من معرفة الآخرين أنّي أُحبّــكِ

من جهل الآخرين أنّي أغارعليكِ،من معرفة الآخرين أنّي أغار عليكِ

من سعادتي بكِ، من سعادتكِ بأيّ شيء، من وجودكِ حُرّةً

من وجودكِ عَبْدَة ، من وجودكِ لحظةً

أغار عليكِ من غَيْرتي عليكِ

من عطائكِ لي..من تعلُّقي بكِ أشَدّ أشَدّ

أغار عليكِ لأنّك تقرأينني وأنا أريد أن تحفظيني.لأنّكِ قد تحفظينني وتحفظين سواي

لأنّي لا أرى غيرَ حَمْقى،لأنّي لا أرى غيرَ أذكياء

لأنّي أُحاصركِ وأتعهّدكِ كالوحش.لأنّ حُبّي يخنقكِ

أغار عليكِ ممّا أشتهيكِ أنْ تكوني، وممّا تشتهين أنْ تكوني، وممّا لا تقدرين أن تكوني

من المرأة لأنّكِ امرأةٌ ومن الرجل لأنّه يراكِ.من الجنس لأنّه حتّى يعود يجب أن يتوقّف

من كُلّ ما سيكسره نظركِ

أغار عليكِ لأنّي خَطَبْتكِ جاهلاً عددَكِ

لأني أخنقكِ بحُبّي وأنت لا تقدرين أنْ تُحبّيني وأنتِ مخنوقةٌ بحُبّي

لأنّي ساخطٌ لأنّكِ أجملُ النســـاء

لأنّي أمدحكِ فأخاف أنْ تسمعي في مديحي أصواتَ آخرين

أغار عليكِ من الأشياء التي يكبر فرحكِ بها لأنّكِ تُحبّينني..من نبوغ جسدكِ

من عابري السبيل ومن الذين جاؤوا ليبقوا ومن الأبطال والشهداء والفنّانين

من إخوتي وأولادي وأصدقائي

من الأقوياء لأنّهم يأخذون الإعجاب  ، ومن الضعفاء لأنّهم يبدأون بأخذ الشفقة

من لبوءة الرجاء النائمة.من الأنغام والأزهار والأقمشة

من انتظار النهار لكِ، ومن انتظاركِ اللّيل.من أقصـى الماضي الى أقصـى الماضي

من الكُتب والهدايا ومن لسانكِ في فمي.من إخلاصي لكِ فُرادى وجماعات

 !من الموت

أغـــار عليكِ .. أجَنَّ أجَنَّ  كلّما تضايقتِ من غَيْرتي عليكِ

أغـــار عليكِ من جميع الأعداء ومن جميع الحلفاء

من الحياة الرائعة التي نقدر أنْ  نعيش

من ورق الخريف الذي قد يسقط عليكِ

من الماء الذي يَتوقّع أنْ تشربيه

من الصيف الذي تخترعينه بعُرْيكِ

من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي

..من الطفل الذي لن تلديه أبداً

أُنسي الحاج 1937 -2014

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 95 other followers

%d bloggers like this: