Feeds:
Posts
Comments

هذا النص مأخوذ من قُصصات متعدّدة،كُتبت على مدى عام“رسائل إلى تيم”.جُمعت وتمَّ نشرُها في موقع الجمهورية تحت عنوان: عن وحش يُدعى الكآبة

.

سيمضي وقت طويل قبل أن أتلمّس مرّة أخرى تلك الابتسامة التي طالعتُها ذات حلم

يومها، رأيتُ في ما يرى النائم صبيّاً يوسُفيّ الحُسن، تنقط قسماتُ وجهِه طيبةً ورقّة، يتكلّم بعينيه الباسمتين ويُومئ لي برأسه حتى كاد قلبي يذوب لفرط حلاوته
حينها استيقظت دامعةً لشدّة تأثّري، وخاصمني النوم ما تبقى من الليل
كان يؤلمني مجرّد التفكير بأني لن أرى ذلك الوجه مرّة أخرى. أغمض عينيّ لأقبض على ملامحه، وتتلمس أصابعي في الفراغ قَسَماته المليحة، لعلّي ألقاه يوماً ما حتى في المنام

تمرُّ الأيّام دون أن يزورني ملاكي الجميل. في الحقيقة، زواري كانوا كُثر: الأرق، الحَرقة، ضيق التنفّس… ومنّ لفّ لفيفهم من زوّار الحوامل في الأشهر الأخيرة. ومع مرور الوقت، غابت ملامحه الجميلة في طيّ النسيان، وباتت الرؤيا كذكرى ضبابية تداعب القلب وتقنعه بابتسامة لا يجد لها مردّاً أو سبباً

***

كان ينبغي على الأمور أن تسير بطريقة مختلفة. أعددت لها لتكون كذلك. لكنّ يداً ما خلطت الأوراق وجعلت عاليَها سافلها. كأن يحلم المرء طويلاً بشيء منتظَر فيغدو كابوسَه الذي لا استيقاظ بعده

بين ضفّتي العمر؛ 1987 ولادتي أنا، و2017 ولادة الرّوح، ثلاثون عاماً. أعتقدُ الآن جازمةً أنّها كانت بمثابةِ رحلةِ انتظار لذلك التاريخ: 6/6/2017

أنا هنا، «ميّ»… أزرق اللون، جراء الحبل السرّي الذي التفّ كعِقد حول عنقي..
أنا هنا، لا رغبة لي بالبكاء! فلِمَ تبكين أنتِ؟! انخرطت في بكاء طويل عميق. أنا التي دخلت برداء العمليات الأخضر قبل دقائق. تدندن ألحان أغنية مع طبيب التخدير. تخبرُ طبيبتها بحديث أشبه ببوحِ عاشقة عن كمية الحب الذي تُكنّهُ لها. تشعر بفضاء غرفة العمليات الشاسعةِ الأرجاء، القاتمةِ البرودة؛ جزيرة ساحرة اكتشفتها للتو… وتحذوها رغبتُها في الرقص لاعتلاء المنصّة، لولا أنّ وزنها الذي قارب وزن مصارعي الساموراي يحول دون ذلك
سُعالٌ خافت. لا بكاء أو صراخ. في تمام التاسعة والربع، صباح السادس من حزيران سُعالٌ خافت ارتجف لهُ القلب، ومن وراء الحُجُب القماشية التي أحاطت بي، أَطلّ النور؛ نورٌ على نور؛ ليس كمثله نور
كان على التجاربِ أن تتراكم، وعلى الخيبات أن تأتي وتزول ليأتي غيرها، وعلى الأفراح أن تنفجر كألعاب نارية خاطفة لتَحين تلك اللحظة وتُسِرَّ لي الحياة بأقدس أسرارها؛ لأدرك أن ولادتي كانت في تلك اللحظة الذي سمعتُ فيه سعالاً خافتاً أشبهَ باستئذان دخول. لا بكاء ولا صراخ، وكأنما نحن على موعد

!عن الفرح حين يصادق الكآبة

توقّفت عن الكتابة منذ زمن طويل..
الوقت عدّاء سريع، ماكر وخبيث. اليوم لفتني هاتفي بشحن 1% شعرت أني لست سوى هاتف غَفَلَ أصحابه عن شحنه. أنام ببطارية فارغة تماماً، تعمل حتى الرمق الأخير، وأستيقظ بشحن بسيط لا يتجاوز 10%. ويتعيّن على هذا الرقم الضئيل أن يُعين صاحبته حتى نهاية اليوم غيرِ الواضح البداية أو النهاية
أخجل أن أعود للكتابة إليك بهذا النفس المتذمّر، إلا أنه يتوجب عليّ أن أكون صادقة تماماً
في يدِ طفلي الصغير مفاتيحُ الليل والنهار، وتحت قدمه المحبّبة تُطحن مشاريعُ وأفكار، ليعود ويشكّلها بمزاجه الخاص ورغباته البهلوانية
متعَبة جداً، مرهَقة جداً، وغضوبة جداً جداً. أكاد أحطّم الأشياء بقبضتي، وأهوي للأسفل، أما هو فهناك، جميل للغاية، ومُضيء كشجرة ميلاد
لا أحد في الجوار؛ وحيدة تماماً. حتى الموسيقى تخلّت عني إلا من بضع أغانٍ للأطفال تدور باستمرار

!لكن من أطفأ النور

!«كآبة»

!كانت الكلمة تُنطق بدهشةٍ يشوبها استنكار

«عيب! شو هالحكي. شوفي هالوجه: متل البدر»

كان الأمر أشبه بأفعوان يجري بسرعة خيالية من ذروة شاهقة نحو الأسفل. يومي الأول معه قَضَيتُه متيقّظة بأقصى ما يمكن للمرء أن يتيقّظ، رغم أنه لم يكن بقربي معظمَ الوقت. الإندورفين يرقص الدبكة جنباً إلى جنب مع الدوبامين، والأدرينالين يقف على الأول
أسترجع ذكريات الولادة، اللحظة الأولى، وجهَه الحبيب الذي أُبعد عنّي لأنال الراحة. أترقّب الصباح لأحتضنه بألف ذراع؛ اللحظة التي انتظرتها طويلاً. لكن تسعة شهور وليلة من الانتظار كانت هي سكّة الأفعوان الصاعد، ومع طلوع الصباح كانت المركبة تستعد لهبوطٍ هادر نحو الأسفل
عشرات المجلّدات عن تربية الطفل، وتغذيته، وسيكولوجيته. الكتب التي تروي رحلة انتظار المولود، والإعداد والتحضير لقدومه… جميعها تبخّرت عند المواجهة الأولى حين
غيّرتُ حفّاضه المتّسخ أوّل مرة
أيّ عجز ألمّ بي أمام الجسد الوردي البالغِ الرّقة! العنق الطّري غير القادر على الاستقامة، الأطراف الغضّة، والأصابع المُغرِقة في الصِغَر والظرافة في آن معاً. كيف لي أن أحمل هذا المخلوق الملائكي الهشّ دون أن أخدش الهواء المحيط به

يرنّ صوت صديقتي الخبيرة، أم الثلاثة أطفال، في رأسي: «المولود الجديد لا يفعل شيئاً سوى الأكل والنوم». كانت الجملة من حيث المبدأ صحيحة. لكنّ الخلل يكمن في التوقيت، فلا الليل ليل عنده، ولا النهار نهار

الكائن الصغير، بوزن ثلاثة كيلو غرامات، يحكم المنزل بقبضة ملائكية، يَسُنّ القوانين بصرخة واحدة تنِدّ عنه. صرخة واحدة، أشبه بأنينٍ خافتٍ لعصفورٍ جائع، كفيلة بإعلان الاستنفار العام: «يا قلبي جوعان!!». تلتمّ الأسرة حولي، حول الوليمة المنتظرة لقرش البحر. تظهر لِثّته الوردية الخالية من الأسنان تتحيّن الإطباق على وجبته

***


أذكر جيداً تلك الأيام، أذكر كل تفاصيلها، ويعاودني الألم الحارق كما لو أنّه وليد اللحظة

كان صيفاً مبكّراً، أو لعله الجهد المبذول في أخذ وضعية الرِّضاعة المناسبة، هو السبب في شعري المبتلّ دوماً وأطرافي المتعرّقة. أُغلِقت نوافذ المنزل وأُسدِلت الستائر منعاً لدخول كل ما يمكنه الدخول… حرارة لا تناسب المولود، هواء الشارع الملوث، بعوض، حشرات… لكن ضجيج الحياة الصاخبة كان يتناهى إليّ، أنا البعيدة عن كل شيء إلّاه. الكائن الصغير العاجز عن شرب الحليب لسبب ما
أمي بقربي تبلّل جبيني بمنديل رطب، وتمسّد رأساً أَوشَك على الانفجار، فيما أنا أستجمع طاقةً كادت تنفَد أو نفِدت. أكاد أُجن؛ كيف لي أن أساعده في تناول الوجبة الوحيدة التي يمكن لرضيع تناولُها: حليب الأم
لكنه كان عاجزاً عن التقام صدري، وحين ينجح، يطبق كفَكَّي كمّاشة متسبّباً في أكثر الأوجاع التي اختبرتُها في حياتي إيلاماً
لم يكن الألم الذي عايشتُه، والذي يعادل ألم الولادة أو أكثر، هو ما يثير دهشتي اليوم. بل محاولتي كأُمّ أن أكتم الألم لأسمح لطفلي الذي نجح في ارتشاف الحليب أخيراً أن يستزيد، وإن كان في وضعيته تلك يرسلني في غيبوبة من الألم

حاولت مراراً. استعنتُ بممرضات وأطباء، حاولوا تعليمي الطرق الصحيحة في الإرضاع. توصلت أخيراً إلى شفط الحليب من صدري لتقديمه في زجاجة
بدت الأمور أسهل مع ذلك الحل المبتكر. شعرت أننا قد توصلنا إلى اتفاق غير معلَن يُرضي الطرفين، لكن الأمر لم يدُم سوى أيام. اكتشفت متأخّرة أن آلية سحب الحليب كانت لها شروطها التي لم أُحسن تنفيذها وهذا ما حصل
أذكر غيبوبة الحُمّى التي دخلت بعد عشرة أيام على الولادة. أصرخ عالياً وأهذي بكلمات غير مفهومة لأغيب مجدداً في هلوساتي. حصل الأمر على حين غرّة. لم يكن لدي احتياطيٌّ من الحليب في زجاجات الرِّضاعة، وقد خرجت عن الخدمة وطفلي جائع. يتناهى صوته ضعيفاً واهناً فيضاعف ألمي وعجزي.
كان التشخيص التهاباً حاداً ، عُولج بالأدوية، ليَغيب أسابيع ويعود بشراسة وقوة تحت مسمّى آخر: خُراج يستدعي تدخّلاً جراحياً عاجلاً
وهكذا طُويت رحلة الإرضاع الطبيعي للأبد

*****

ويسألونك عن الكآبة! قل لهم: بطّانية سوداء كبيرة، نسيجها شائك، تُلقى عليك فتَمنع عنك النور والهواء. ترزح تحت ثِقَلها شهوراً طويلة، لكن لا أحد يقوى على إبعادها عنك
لم أكن أدرك ماهية ذلك الشعور إلا بعد مرور أشهر على الإنجاب، تحديداً في اليوم الذي عبرت به بوابة الثلاثين. ذلك الشعور بأنّي قد خلّفت وراء ظهري عشرة أعوام، يقال إنها الأجمل والأكثر عنفواناً. والسؤال الوحيد المُلحّ: ما الذي قد أنجزته؟
يومها بدا السؤال وقوداً لنار كانت قد شبّت في داخلي. عبثاً أحاول البحث عن إنجاز مُرضٍ، فلا يظهر في الأفق سوى مزيج من الإنجازات لأم ابتكرت خلطةَ شوفان وفواكه لفطور طفلها. إنجازٌ آخر تلخّص في تمكّنها من اجتياز عدة وعكات صحية للطفل بدون استخدام مضادّات حيوية… والكثير من الأشياء المشابهة المتعلّقة بالتغذية والتنظيف والطهو
هكذا تتسرب الأشياء بانسيابية مذهلة، لتتحول في النهاية مشاريع، ظننت أنها مؤجلة فقط إلى سراب
اليوم حين أفكر فيما جرى، أشعر باستغراب: كيف لم أطلب المساعدة؟ أقصد المساعدة لتخطّي النفق المظلم غيرِ واضح النهاية، لنفض الغطاء الخانق الذي أحاط بي من كل جانب

***

كنت قد قرأت عن كآبةِ ما بعد الحمل. ظننتُها أشبه بالكآبة التي تنتاب الجميع؛ شيئاً كالمزاج السيء في يوم ماطر، أو الرغبة الخرافية في التهام الطعام
لكن كآبة الأم أمر مختلف، فهي تلمُس في قرارة نفسها التناقضَ المؤلمَ بين جمال الكائن الملائكي الذي ينام بقربها كلَّ ليلة وبين غرابةِ ما يعتمل في صدرها. ويتحول فرحها بالمولود الجديد بعد أن صادق الكآبة والتصق بها كتوأم سِياميّ إلى حزن عجيب
أخبرت زوجي عن المسمّى العلمي لما أشعر به. لم أدخل في التفاصيل. قلت بوضوح: «إنّها كآبة ما بعد الحمل. هكذا يُطلقون عليها

:ما زلت أذكر الملامح التي اكتسحت وجهه؛ مزيج من الدهشة والاستنكار

أنا لا أؤمن بشيء يدعى الهرمونات. أنتِ ضعيفة فقط. وأخشى أن تورّثي ابنَك ضعفَك هذا

في أحيان أخرى، حين كان يصطدم بالـ”ملامح البائسة” كما يحلو له أن يسميها يخبرني أن هذه الأيام ستمضي وأني سأشعر بالندم لأني سمحت للترّهات بأن تحرمني حقّ الاستمتاع بما لديّ
استجمع قواي لأنفض تلك «الطاقة السلبية» – هكذا تبدو للآخرين – لكن سرعان ما ينتهي بي الأمر في نوبة بكاء جارف؛ خوف غير مفهوم، رُهاب الخروج، رُهاب لقاء الآخرين. وفي نهاية اليوم ألم هائل لأنّي لست الأمَّ التي خطّطتُ أن أكونها ذاتَ يوم

..لأنّ الفشل كان صديقي

لا تحضيرَ مسبقاً لما قد تواجهه أيّة أمّ. لا مراكز ولا أطباء. نحن نُترَك لاحتمالات قدَرَنا المفتوحة. التوقّعات بأن لكل أم عائلةً كبيرة ستتلقّاها لتحتضنها؛ سيأخذون الطفل عنها، وستنعم بالراحة في الأشهر الأولى؛ ستكون هناك حفلات استقبال هنا، ومباركة هناك؛ الكثير من الفرح والسعادة والصور الجميلة في الألبوم العائلي وعلى جدران المنزل… هذا ما نتوقّعه، لكن هذا ليس دائماً ما تؤول إليه الحال
ما زاد وحشتي وألمي موجةُ الأمهات الجدد، التي راجت مؤخراً وبكثافة غريبة. صفحات على مواقع التواصل لأمهات جدد يشاركنَ تجارب أمومتهنّ الأقرب للمثالية

في البداية كان الأمر أشبهَ ببَوح لطيف لأولئك اللواتي يعِشنَ التجربة للمرة الأولى، ويشاركنَها على الملأ. بدا الأمر كصدى لصوتي المتألم. «أها! إذاً هذا يحصل معها هي أيضاً!». أشعر باطمئنان. إذاً لستُ الوحيدة التي لم تنل قسطاً من النوم لَيلتَينِ مُتَتالِيَتَين

لكن مع ازدياد المتابعين و«المبايعين» للأم المثالية تنسلّ بهدوء ومكر من خانة أمّ تحيا تجربة طبيعية تمرّ بأطوار صعوداً ونزولاً إلى أم آمرة وناهية، مستنكرةً حيناً وشاجبةً حيناً آخر لكلِّ فعل لا تراه مناسباً من وجهة نظرها
لقد أصبحَتْ مدرسة في حد ذاتها، تأتي إليها جموع الأمهات يتلمّسن الإجابات عن أسئلة تبدو لها سخيفة ومكررة وساذجة! تَسُنّ قوانينَ تدّعي أنها تناسب حالتها، لكن دون أن تدري أنها تُدرِج قوانينَها الخاصة في كتاب ضخم تحت عنوان «ما يجب وما لا يجب». وفي الضفّة الأخرى، نقبع (نحن) الأمهات اللواتي ترسّخ لديهن شعور بأنهن لن يَكُنَّ يوماً على قدْر التحدي

حتى اليوم ما زالت جملة إحداهن ترِنّ في ذاكرتي، وأضحك كيف جعلتني أبكي طويلاً بحُرقة
كانت تقول أن ليس هنالك من سبب وجيه واحد يجعل أمّاً تتخلى عن حق طفلها الطبيعي في الرِّضاعة سوى الأنانية
حقّاً!؟

*****

6/6/2019

الأيام تتلاحق بسرعة مدهشة..

أعيد التسجيل الصوتي لنبضات قلبِ جنينٍ لم يتجاوز عمره أسابيعَ مرّاتٍ عدّة. تلك الدقّات كقرع طبول إفريقية أرسلتني في إغماءة لذيذة لسعادةٍ عاشتها يوماً صبية تختبر شعوراً فريداً من نوعه للمرة الأولى. تتحسّس بطنها الذي لم يتكوّر بعد، وتتحرّى حركةَ جنينِها، وتتساءل بشوق عن جنسه
عشتُ لحظات من السعادة، وأخرى اختبرتُ فيها حزناً مقيماً بطعم لاذع
فشلت حيناً، ولمَست السماء في أحيان أخرى
لكن شريك تلك اللحظات جميعِها أَتَمّ عامه الثاني قبل أيام
قلبُه الصغير يرسم ملامح حياة قادمة مختلفة. قلبٌ صغيرٌ لم يخطفه هوى أو يعصفْ به وجْد أو يُلمَّ به شوق بعد. قلبٌ صغيرٌ غضٌّ لا يشتدّ وَجِيبُه إلا من خوف أو ألم أو جوع، أحمله داخل قلبي وأستودعه في قلب الله

سنة حلوة يا جميل

لا الدفاتر الصغير المنمنمة تلك المزودة بأقفال ذهبية إمعاناً منها في الإغراء ولا الضخمة بألوانها الجنائزية
لا لم أمتلك يوماً أيّاً منها لأدوّن عليها شيئاً يمتّ للمذكرات، اليوميات، الخواطر… أو حتى فكرة شاردة

عانيت من تعرّق الأطراف، راحة اليد على وجه التحديد، لم أوفق بالوصول إلى حلّ جذري سوى الابتعاد عن المصافحات الطويلة.. والأقلام

ليس بالإمكان تمييز خطّي عن خط آخر، ليس له صفة أو هوية، يتلون بما يرضي المزاج، لم أكتب كلمة بنفس الطريقة مرتين
.. لكن
في أحد الأيام الحارة لصيف عام 2010 وجدت في هذا المكان دفتراً أزرقاً لا تفضح صفحاته الكفّ المتعرّقة
المنصبّة فوقه، يحيل من أحرفي المبعثرة كأسنان متراكبة خطّاً مشذّباً أنيقاً، ويسألني: هل من مزيد؟
إلى م يّ في عامها السابع..سنة حلوة يا جميل

Screenshot_20180930-131406_WordPress

! أنا سعيد جداً

عن رياض ..السعيد جداً

في المرة الأخيرة التي التقيتُ بها أخبرتني عن أكبر مخاوفها! حزنت في سرّي ظنّاً منّي أن ما تخشاه هو النهاية. ما الذي يخيف من تجاوز عتبة التسعين من عمره سوى موت يتربّص به! ضَحِكت بهستيرية ثم مالت وهمست لي بسرّها.. كانت تخشى نسيان مخزونها القصصي الضخم المكدّس في صناديق ذاكرتها

كنّا عائلةً صموتة، تستنفذ الأحاديث الطويلة طاقتها، نجيد الإجابات المقتضبة و الاستماع بأكثر ما نتكلم. أما جدّتي لأمّي فكانت حكايةً أخرى. لم ترسل جيناتها إلى أيٍّ من بناتها وبالتالي إلينا نحن الأحفاد. لطالما كنّا جمهوراً بائساً بالنسبة إليها، كائناتٍ هزيلة أمام  ربّة الشعر المخضّب بالحناء الممتلئةِ حياةً وفتوة

في جلستها الأثيرية تلك التي تنتقي بها أفضل الأماكن وأوثرها وأكثرها عرضةً للنور لتفرش بعدها رحالها المكوّن من سبحتها الطويلة، مناديلها القماشية الكثيرة، عكّازها الخشبي، والراديو المتعدّد الاستعمالات. تمسح  وجهها بإحدى المناديل، وتفرك عينيها بآخر، وتتمخط بثالث. تسألني عن الوقت، أجيبها بسرعة درءاً لاحتمالِ خوضِ حديثٍ مطوّل. تستشعر ذلك لكن لا يعنيها الأمر إطلاقاً، تعيد الكرّة مجدّداً: هل أنتِ مشغولة؟ أجيبها بحزم: قليلاً.  تستدرك بسرعة: حسناً إذاً سأروي لك سريعاً هذه القصة. تضحك بنشوة ثم تقصّ لي بهدوءٍ وتأنٍّ للمرة الألف حكايتها عن كيف أمسكت “جقلة” حاولت أن تخطف إحدى دجاجتها وكيف ركضت خلفها منتزعةً الدجاجة من فمّها

بالطبع الحكاية ليست بهذا الاختصار الذي أوجزته. الحكاية هي حكاية، هي مقدّمة وخاتمة وحبكة. هيّ أحداث تدور بين الضفتين وحكمة هنا وطرفة هناك. والحكاية المكتوبة ليست نفسها تلك المحكية، فالأخيرة سرّها يكمن في فنِّ روايتها، الأمر الذي تبرع به جدّتي. تلك النغمة الهادئة المتصاعدة مع تصاعد الحدث، التوقّف قبل الذروة، حسّ التشويق، انتقاء الكلمات والتلاعب بالألفاظ والأصوات، حركات الجسد، تعابير الوجه، والتماع عينين تكاد تظنّ أنهما يختبران الأمر مجدداً.. انتزاع دجاجة من فمّ ..جقلة

هل كانت تعاني ضعفاً في البصر أو السمع!  لا ندري حقّاً. لكنّها يقيناً قد رأت وسمعت –حين أرادت هيّ ذلك- ما عجز سمعي وبصري عن إدراكه. أمّا أولئك الأشخاص الذين تكرههم فقد تنظر مطولاً في وجوههم كأنها تنظر إلى العدم، يمتص نظرها ثقبٌ أسود، ويغور سمعها في الرمل. أصيح بصوتٍ أقرب للصراخ: جدّتي إنها أم أحمد! هذه أم أحمد.. تمسك رأسها بيديها وتغمضُ عينيها مغمغمه: صداع .. صداع. تلملم حاجياتها وتبتعد مسرعةً ما أمكنها عكازها الخشبي

ربّة الشعر المخضّب بالحنّاء، الممتلئة حياةً وفتوة، تذرع خصال شعرها الأحمر بأسنان مشطها مراتٍ في اليوم ثم تودعه جيب جلبابها الطويل، تمضغ الثوم بتؤدة غير عابئةٍ بالرائحة النفّاذة، طمعاً في خواصه الوقائية. تمرّن أذرعها النحيلة الواهنة بحركاتٍ رياضية مدروسة، وتقطع شرفتنا مراتٍ عدة في الصباح، لتنتقي بقعة مشمسة تتمدّد بها مقلّبةً سبحتها الطويلة مئات المرات دون كلل أو ملل

لم يعرف النوم سبيلاً لها في السنوات الأخيرة.  كانت تسهر في سريرها طويلاً تتنقّل بين الإذاعات، تطلب من أخي أن يضبط لها تحديداً “مونت كارلو”و “البي بي سي”، وحتى ساعات الصباح الأولى يدوي صوت الضجيج المشوّش لمذياعها في أنحاء المنزل مرفقاً بصوتها المعلّق على الأخبار لتشتم الأعداء وترفع صوتها بالدعاء للوطن

في ليالٍ كثيرة كانت تبكي وتتمتم أدعية وأذكار.. تتلو آيات وتسأل: متى ؟  سؤال يدوي دون إجابة. تبحث عن أغنياتها المفضّلة لتعود إلى أيام الصبا  وتنتشي طرباً مردّدةً بصوتٍ عذب..  عذب للغاية: رقّة حسنك وســمارك

كان لها رحلة الصيف والشتاء تتنقّل فيها بين منزلي ابنتيها: أمّي وخالتي. حين زار زوجي منزل عائلتي للمرة الأولى كانت تقطن بيننا حينها. تزيّنت وتعطّرت، واستقبلته بابتسامةٍ خاليةٍ من الأسنان.. وغنت له وسط دهشتنا جميعاً أغنيةً مرتجلة! أغمضت عيناها وغنّت بصوت عذب موالاً لا أدري مصدره! لربّما ألّفته في ليالي سهرها الطويل.. جلست بعدها بالقرب منه لتتأمّله مليّاً وتروي له بعدها نبذة مقتضبة عن حياتها مطرّزةً بضحكتها المجلجلة ذلك اليوم

يا لله.. ربّة الشعر المحنّى بالأحمر كانت جميلة كإحدى عجائز روايات ماركيز، كان يجب أن تولد في أمريكا اللاتينية، كان يجب أن تنجب أطفالاً كثر يرثون طاقتها وفرحها، كان حرّي بسيناريو حياتها أن يتضمّن جمهوراً عريضاً، يتقن الاستماع والتفاعل

قبل حلول السنة الجديدة ،شَعَرت بالضجر الشديد فقررت أن ترحل دون مقدّمات طويلة..وهكذا ذوت خلال أيام ثم غطت في سبات لا استيقاظ بعده لتطوي سبعة وتسعين عاماً تاركةً إيّاي أبكي تفاصيل حكايات لم اتقن سماعها يوماً

.

.

30/12/2016

في ذكرى جدّتي

المنزل الأخير

سماء مخضّبة أيضاً في ذكرى مرور عام

!غمازة الـ عالخد

غمازة ال عالخد

متل الفرس ..مشنشلي مشنشلي

شارع مزدحم بمارته، حدّ التخمة، كحياةٍ أُفرغت للتو من علبتها البرّاقة الجديدة
رصيفان ضيّقان متوازيان أحدهما للمارة والمتّسكّعين، والآخر احتلّت مساحته الصغيرة مقاهٍ عصرية الطابع يتخلّلهما شارع بالكاد يتّسع لسيارتين أفقياً
الخطوط الثلاثة المتوازية  تُشكّل مهرجاناً للحواس بالكاد يمكن للمرء أن يفلت منه..لكن في الوقت ذاته من الصعب أن يتوقف طويلاً أمامه
إنه من ذاك النوع السريع الامتصاص، سريع الزوال..كفتاة جميلة تتهادى أمامك لتأسر نظرك ، من ثم يتلاشى كل شيء عند ناصية الشارع حيث غابت..وتنسى وكأنها لم تكن

كان الوقت مساءاً و الازدحام في ذروته. أفلحت أخيراً في  إيجاد طريقٍ لي  وسط الجموع للدخول إلى المبنى. وسط أضواء السيارات والموسيقى الصاخبة ، الأحاديث والضحكات المتفرقة  ينبثق فجأةً “مخول قاصوف”  من بين الجموع!

كان الأمر كقبلة خاطفة على العين:التقطتت أنفاسي، صممت أذنيّ عن الصخب لالتقط

!غمازة ال عالخد، ما الها اسم

والخد قدامي

ومكحلة والكحل راسمها رسم
مين البرا قلامي

حسناً الصوت يصدر من سيارة وليس من المقهى القريب.. بقي أن أعرف أينها، تجاوزت البناء، أينها ؟! يجب أن أعرف من هو

ومشنشلي متل الفرس

كانت قد تجاوزتني، لم يكن الصوت مرتفعاً، إنه يستمتع مع أناه بمفرده، غاب عن النظر لكن لم يتجاوز الحواس

ألمّت بي رغبة جارفة أن ألقي عليه تحية..أن أقول له: أسعد الله مساؤكم..أو أبتسم ملوحةً له فقط
لا أعرف سبب الدهشة في النهاية، هي مجرد أغنية أستطيع سماعها متى أشاء، بل واستحضارها ساعة أريد، لكن الأمر أشبه بسماع لغتك الأم في غربة لك، لتشعر فجأة بحنين إلى نفسك
وحنين إلى أبناء جلدتك أينما كانوا .. الدهشة ليس من “المتوحّدين” في عوالمهم فهم كُثر، الدهشة كانت مِما خلّفه هذا الصوت العابر للحظات لا تطول عن الدقيقة في نفسي
الدهشة من دهشتي، وسعادتي، ومن بقايا زجاجة العطر التي انسكبت بما فيها من ذكريات لزمن كان هناك به متّسع من الوقت ومن الروح لأن تستوقفنا التفاصيل في أغنية

.

.

.

استغرق الأمر عشر سنوات لأكتشف أن نسخة ركوة عرب بصوت مخوّل أجمل بمليون مرة من تلك التي بصوت مارسيل.. الأمر ليس له علاقة بكرهي لشخص الأخير، إنّها أجمل ببساطة

A nuclear war, will not be won by the Americans, Russians or the Chinese. The winner of World War III will be the cockroach.

قابعاً في جحرهِ منتظراً ريثما تخفتُ الأنوار، حالهُ حال معظم بني جنسه القابعين في مختلف الجحور والثقوب على سطح هذا الكوكب. انتابه احساسٌ هائلٌ بالقرف جراء الدبيب المستمر للأرجل العملاقة المتجوّلة فوق منزله الذي لم يكن سوى فسحة صغيرة محشورة أسفل قطعةٍ خشبيةٍ عفنة، مهترئة، تشكّلُ سطح أرضيةِ منزلٍ ما

تململَ في جلسته متبرّماً.. كان قد سيطرَ عليه مزاجٌ كالح لم تنفع معهُ كل ضروبِ التسلية المتعارف عليها.  منذ أيام وصوتُ جدّه يدوي في نومه ويقظته. كان يُسعده أن يسترجعَ صوتَ صرصرته المميز كل ما داهمه هذا الشعور الغامر بالاختناق

يستذكرُ نبرتهُ الحادة الرزينة تتلو حقائق يغفلها الكثيرون من أجيال الصراصير، عن كيف أنّهم يفوقون البشر عدداً! يسترجعُ صوت جدّه في لحظاته الأخيرة قبل أن يدهسهُ حذاءٌ عابر

 نحن الأقدم على سطح هذا الكوكب، وسوف نرثه في النهاية.. نهاية العالم

:كحّ بشدّة محرّكاً قرني الاستشعار خاصّته

نحن هنا منذ الأزل. قالها بصوتٍ عالٍ وكأنما يريد أن يؤكّد لنفسه تلك الحقيقة

:عدّل جلسته وبدأَ يغمغمُ عباراتٍ غريبة

 الكروزومات في جيناتي الوراثية تحولُ بيني وبين الهلاك، أنى لنا أن نهلك بتلك البساطة

 قطع انسياب أفكاره وقعُ ارتطامٍ عنيف على سطح منزله. عاوده القرف وبصق أرضاً مراتٍ عدة

 تلك الكائنات البشرية التي تدّعي الاشمئزاز من مظهره البني الأشقر وتسارع هلعاً إلى قتله. رّباه كم هي منافقة!  أصابتهُ قشعريرة، تذكّر تلك الفتاة التي كادت بالأمس أن تودي به تحت وطأة كعبها المستدق لولا أنها-الحمقاء الغبية- لا تحسن التصويب

***

بحكم سكنه مع عائلته لعقودٍ طويلة تحت أرضيةِ المنزلِ الخشبية الذي يعود بعمره إلى ما يزيد على مائة عام فقد تعايش مع أصحاب المنزل وحفظ عاداتهم وأطباعهم، وبات يعرف مواعيد تحرّكاتهم

 تناوب على المنزل أجيالٌ ثلاثة من البشر. أشهدُ أن الجدّ الأكبر لهم كان إنساناً محترماً، حتّى أنّي ودَدتُ صادقاً لو أنه كان صرصاراً مثلنا. كان يمشي متمهّلاً على أرضية المنزل، ينجزُ أعمالهُ بتؤدة ورفق. في البداية ظننا أنه مجردُ طبعٍ رزين في المشي. لكن تبيّن لنا ما الأمر لاحقاً

لقد كان يخشى أن يطئَ بقدمهِ كائناً ما يدبُّ على الأرض، نملة، صرصار، أو أيّ كائنٍ حيٍّ ما يمشي على أربعة أو أربعين ..لا فرق. لكنّ على عكس هذا السيّد النبيل فإنّ سلالتهُ من البشر جاءت على عكسهِ تماماً

وحوشٌ بشرية كاسرة سقَطت عنها كل صفاتِ النبالة

المدهش أنهُ كصرصار بلغَ من العمر عتياً، كان جلُّ ما يمقتهُ في تلك الكائنات البشرية أمراً لا يمتّ إلى وحشيتهم بصِلة. لقد كان يمقتُ نفاقهم.  تلك الملامح التي ترتسم على الوجه. تكشيرة الاشمئزاز ما أن يُرى صرصار يمشي في حال سبيله من أو إلى منزله

بعض البشر يصرخون.  تخرج “آه” طويلة كزعقة مدوية ثمّ يتجمّدون في زاوية، مدّعيين الخوف والقرف. في حين نُصاب نحنُ “الصراصير” برعبٍ هائل يجعلنا نتسمّرُ بدورنا دون أن نأتي بحركة. يحملق الآخر عينيه ثم يشيح بوجهه كالمتألّم، كالمفجوع

هنا يجتاحُنا قرفٌ غريب! نعم، نعم نحن الصراصير يحلُّ بنا قرفٌ هائل من تلك التعابير

الزوجة تصيح لزوجها، الابنة تصرخُ طلباً للمساعدة

 صرخات، صرخات  في كلّ مكان

 !صرصار.. صرصار

 كل تلك الزلازل والبراكين ونحن لم نأت بحركةٍ واحدة لبرهةٍ من الزمن تمتدُ لتبدو بالنسبة لنا سنواتٍ طوال. ونحنُ صامتين، متأمّلين في كل تلك المسرحية الهزلية التي تجري أمامنا

الكائنُ الضخم-نسبةً إلى حجمنا- ذاك الذي قيل أن خالق المخلوقات خصّهُ دوناً عن غيره بما يُدعى “العقل”، يتلوّى على بعد أمتارٍ منّا، ناسياً كل مآسي البشرية التي تُنسبُ إليه ولأجداده مستذكراً شيئاً واحداً فقط.. خوفهُ من الصرصار

 أذكُرُ جيّداً في إحدى المرات لدى عودتي إلى جحري بعد جولةٍ ليلية متأّخّرة، أنّي صدفتُ الابنة الكبرى للعائلة  تنسلُّ إلى المنزل على رؤوس أصابعها

كان الأوان قد فات على حسن التصرّف ولم أجد بدّاً من العبور سريعاً أمامها على أمل أن لا تلحظ مروري

آه.. تلك الحمقاء زعقت زعقةً مدوية ارتجّ لها المكان. كان بإمكاني الإسراعُ للاختباء، لكن دهشتي كانت طازجة، ورغبة جارفة في تأمّل وجه الفتاة لم استطع كبحها أو مقاومتها

 كانت قد وقفت على قدمٍ واحدة، ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها، وتلهث كفيل

وسط تلك النوبة الهستيرية، فعلت ما لم أتوقّعه على الإطلاق

!لقد صرخت بي: متْ ..متْ

 أصغيت السمع.. هل حقّاً ما تقول! ردّدتها مرّة أخرى بنغمة حادة يائسة وبطريقة ممطوطة: مُــتْ

لم أملك نفسي من الضحك. الحمقاء الغبية!  انصرفتُ سريعاً تاركاً إياها تنتحب وتبكي. سحقاً  أكلُّ البشر منافقون! تلك الفتاةُ بأظافرها المدبّبة المطلية بالأحمر القاني، وشعرها البُنّي المتموّج طويلاً على ظهرها، كانت تبدو جميلة، في الحقيقة إنّها جميلة

 .لكنّها بشعة للغاية

***

تنهّد بقوة، كان يشعرُ بتعبٍ هائل جعل من أرجلهُ الستّ خيوطَاً واهنة، فطار بجناحيه الشفّافين إلى نتوءٍ عالٍ يستطيعُ معهُ رؤية الجحر من الأعلى

 اعتادت شريكتهُ أن تجلس هنا حيث كان بإمكانها مراقبةُ العائلة وهي تتناول طعامها في حجرة المائدة، لا لكي تلتقط فتاتهم من الطعام، بل لتستزيد قرفاً من تلك الكائنات الهمجية التي تتعامل حتى مع الطعام بتلك الطريقة المقرفة، الخالية من متعة التذوق

.كانت تكبرهُ بالعمر مئات السنوات. جاءت من بلادٍ بعيدة، حارة صحراوية

 روت لهُ قصصاً عن المكان الذي جاءت منه تقشعرُ لها أبدان الصراصير. كيف أن أهلها يقتلون بعضهم البعض بلذة لا تخبو، مبتكرين أساليباً شائنة لزهق الأرواح. لكنّهم هم أنفسهم ينتابهم القرف لرؤية صرصار، وقد لا يجرؤون على قتله خوفاً من منظره! بل أنّهم يتمتمون بتعويذات ويتحاشون النظر إليه

خرجت حبيبتي ذات يومٍ ولم تعد. قيل أنّها قُتِلت. لكنّ قرون استشعاري تَتحسّس وجودها في مكانٍ ما على سطحِ هذا الكوكب. إنّها صرصاره حرّة ولعلّ هذا الوكر حدّ من وجودها

 في ليالي الشتاء حين أدخل في سُبات شهي منقطعاً عن الخروج لشهورٍ طويلة، استشعرُ روحها، وتغذّي رائحتها مخيلتي فأراها تقطعُ المدى دون توقّف، تستمتعُ بملمسِ الرياح على بشرتِها الشقراء. تبني ذاكرة جديدة ترويها للأجيال القادمة عن كيف أنّ الصراصير، المخلوقات النبيلة، سترث هذه الأرض يوماً ما

 

2016

 

مفتاحُ المنزل اليتيم، تيتّم بعد أن ضاع شقيقهُ(نسختي الخاصة من المفتاح) إلى غير رجعة

كنت أرمي به من علو أمتار لكل من يأتي إلينا في موعد انقطاع الكهربا، لكي يتسنى له فتح باب مدخل البناء دون أن أتكلف عناء النزول لفتحه
بدأت القصة حين قرر المفتاح أن يضع حدّاً لحياة السقوط والذل التي يحياها. في إحدى المرات التي رميت بها المفتاح، انكسرت سلسلة المفاتيح وفرّ مفتاح المنزل دوناً عن غيره من بقية المفاتيح

لم يكن قد مرّ على علاقتنا سويةً سوى أشهر، شعرت بأنه هرب من الظلم خصوصاً أنه في الاسبوع الأخير تعرّض لانحناء طفيف جراء رميه المتكرّر. احتفظت بنسخة زوجي على أمل تغيير قفل المنزل قريباً، وليس نسخ مفتاح آخر، خوفاً من إن تكون النسخة الضائعة قد وقعت بيد شريرة كوننا لم نجدها

في بادئ الأمر أرّقني الموضوع، وهجست طويلاً لدرجةٍ لازمت معها المنزل كي أكون لسارق المفتاح بالمرصاد. لكن لم نفعل شيئاً لحل المشكلة. بل حتى سافرنا..هكذا بكل بساطة آملين أن لا يكون المفتاح بحوزة أحد

سافرنا مرة ثانية وثالثة ورابعة…ولم نغير القفل، بل حتى لم نصنع نسخة أخرى، فبقي المنزل بمفتاح واحد يتيم. إن عاد زوجي للمنزل مساءاً فتحتُ له الباب، وإن لم أكن موجودة يدخل من باب آخر للشقة، باب يودي إلى المطبخ مباشرة يوجد أمامه اسطوانة غاز و نبتة تعيق فتحه لكنه بعد مرور شهر، قام بإبعاد الاسطوانة من ذلك المكان كأنه يعلم أن الأمر سيطول ويمتد ويعربش على أيام السنة

حصل هذا قبل سنة..تقريباً
مرت أيام كان تبديل المفتاح فيه أمراً ضرورياً، لأني أهملت مجدّداً نسختي اليتمية الوحيدة ونسيتها في الباب خارج المنزل..لليلة كاملة

كنت أتخيل ذلك الشخص الذي سيقرر الاستيلاء على المنزل كيف أن لا حاجة له لأن يقتحم المكان
كل ما عليه فعله هو أن يتحيّن أحد مواعيد سفرنا المتكررة ليدخل بنسخته الخاصة

أعتقد أنه شاب في مقتبل العمر، ظريف، مثلنا طبعاً، فاللصوص الظريفون للحمقى الظرفاء. يضعُ نسخته ويدير المفتاح ويدخل. يتّجه إلى المطبخ، يفتح البراد و يصنع سندويشاً له. ربّما يُعد الشاي أيضاً، لا يجد صعوبة في إيجاد الأشياء. يشرب كاسه فيما يتمشّى الهوينى في أنحاء المنزل متأملاً أياه
قد يبدي إعجابه بلوحات غرفة الجلوس، وربما يتمدد على الكنبة دون أن يخلع حذائه ويشاهد فلماً قصيراً عن أسرى الحروب. يأخذ اغفاءة قصيرة على الأريكة الوثيرة المغرية للنوم وحين يستيقظ يحمل كل ما خف وزنه ويخرج
!قد يوصد الباب جيداً قبل أن يخرج..فهو يشعر أن البيت..بيته

البارحة تم بعون الله تغيير القفل لنحصل مجدداً على نسختين جديدتين
دون أن يكون هنالك سببٌ محدد لهذا القرار المفاجئ. بدا الأمر إيذاناً بالعمل على قائمة الأشياء المعلقة لسنة كاملة

أشياء أخرى مؤجلة وكثيرة أرجأتها على أمل أن تقرع باب فضولي من تلقاء نفسه

.الكتب النائمة في العلب الكرتونية القابعة بصمت في حجرة “الكراكيب”أدخل الغرفة لأتأمل أغلفتها، أطفىء الضوء وأخرج

.الوسادات الكثيرة التي تنتظر قماشاً مناسباً لها لتخرج من أكياسها

.ألبومات الصور الشخصية التي تنتظر أن تؤطّر في إطاراتٍ خشبيةٍ مزينةٍ طالما تخيّلت تصميمها

.الأصدقاء الطيبون ينتظرون وعداً لا يتحقّق بجلسات تطيل العمر وتمد في نضارة الروح

الثقلاء المزعجين الرابضين على أنفاسنا نبتسم طويلاً لهم دون أن نأخذ القرار الحاسم بإخبارهم الحقيقة: أنتم تلوثون الهواء من حولنا

أصبح عندي الآن مفتاح جديد خاص، إنّها البداية فقط

%d bloggers like this: