Feeds:
Posts
Comments

.

.

.

دُموع سرّية أُحتبِست طويلاً في بدايةِ الحلق أُطلِق العنان لها لتنهمر

ليتني هجرتُك منذ زمن واحتفظتُ بالمعنى البِدائي للأشياء .. ضحكَات الطفولة ، ذكريَات الصِبا

حقد أسود أشعر به كما لو أنّي قنديل جفّ زيته والليل ما زال في أوله ،  قُبلة لم تتم ، عاشقة مهجورة

انهكت مخيلتي في اللّيلة الماضية بأحلام شجية و رؤى غامضة ، رأيت فيما يرى النائم طفلة جميلة بشعر أسود فاحم أراها تمدّ ذراعيها الصغيرتين إليّ لأدفعها في أرجوحتها

تصيح بي : أقوى ..أعلى!! تحلّق صغيرتي بضفائرها في سماء دمشق

قطع -وصل

كان لي مدينة اسمها دمشق امشّط شوارعها شارع بعد شارع ، و أزرع قبلاتي على عروقِها المُنبجِسة في ظاهر يدها فتهمس لي :رضاي عليك

كان ثمّة ما يشدّني من يدي لأن استيقظ في الرابعة صباحاً فقط لِأستمع إلى مآذن دمشق تصرخ  الصلاةُ خيرٌ من النوم

.فأصلّي لِوجهِها  وأنام

كان لي مدينة اسمها دِ مَ ش ق ،اتهجئها على طريقة الدرويش

كُنتُ أقطن مدينة تدعى دِمشق لها موسيقا خفيفة تشبه ضحكات القلب والتماع المقل و رائحة طفل حديث الولادة

دمشق ، شامةُ الدنيا ،كِنانةُ الله،العامِرة ،الزاهِرة ،جلّق ،حبرون ، بيت رامون ،مدينة الياسمين ،الفيحاء

كان لي مدينة اسمها دمشق  تعطي للأشياء خاصيتها وللتفاصيل رونقها وللقلب خفقانه الطبيعي

فطور جمعة متأخّر ، قيلولة الظهيرة ، نميمة نسائية هامسة في صبحيّة قهوة ، ارتصاف الركّاب وقوفاً في باص الدولة ، شجرة ليمون في “أرض ديار” بيت عربي ، ورقة نعنع في كأس شاي  “خمير”، قط كسول يموء بانتظار حصّته من غداء العائلة ، تعارف سريع بين سيّدتين على طابور الخبز ، نظرات مُختلسة بين عاشقين ، رائحة أزقة دمشق القديمة بعد المطر

كان هنالك ما يجعلني أخف ، أرقّ ، أعذَب ، أجمَل ، أطوَل ، أشفّ

كان ثمة من الذكريات ما يكفي لأن أملأ جيوبي بها ، وأمشي مزهوة

.هذه أرض المعرض حيث غنّت فيروز ..نعم كان جدّي يأتي بأمي وخالتي إلى هنا

هذه هي حديقة المنشّية أم كلثوم غنت هنا

هنا بيت أبي خليل القباني  وهذا بيت حفيده

هنا محي الدين بن عربي ..هنا يوحنا الدمشقي

هنا باب توما ..باب شرقي ..باب الجابية..باب السلام ..باب الصغير ..باب الفرج..باب السريجة..

“هنا حيث “أديم الأرض من هذهِ الأجساد

قطع – وصل

شريط صور سريع وغامض

حمّام البكري الدمشقيّ في ظهيرة شتائيّة دافئة – أدراج المهاجرين من نافذة  دوّار شمالي مُسرع – كَراج السومرية ذروة الإزدحام – أبو وحيد الربوة في الربيع – رسّام الصالحية ذات طفولة غابرة – جسور معلقّة اتكاسل عن صعودِها – صخرة قاسيون – مئذنة الأموي – سور كليّة طب الأسنان – حديقة الآداب – فيروز تصدح من شباك غرفة في باب توما – رباعيات الخيّام في مقاهي قاسيون ليلاً – ساحة العباسين بتنظيمها الفوضوي- حديقة السبكي – مقهى الروضة – بوظة بكداش- بسطات شارع الثورة – المكتبة الظاهرية – سوق التنابل – متسكعي الشعلان – سكرى القصبجي

شهيق -زفير

صباحات ليس لها مثيل ، ذاكرة جمعية لثلاثة ملايين عاشق يقطنون المدينة  ..ثلاثة ملايين خائب ..ثلاثة ملايين قاتل ..ثلاثة ملايين ضحية

جمعتها في حقيبتي ورحلت

شهيق -زفير

شهيق -زفير

.شهيق-زفير

أصوات

هذه كلمات صديقتي خولة الأنقى على الإطلاق بين جموع الأحياء الأموات الذين يجلجلون ليل نهار بدون أدنى خجل …اعتذر عن التوطئة الرديئة

.

.

.

صوت لضميري أسمعه من دمشق، كنور يغمرني بالإيمان. رجل نفذ حبرُ قلمه فصار يغمس اصبعه بدماء قلبه كي يكتب. و حين يقول كلمه يخرج عجان الفيسبوك لرجمه. فأقول لنفسي: ليتني بلحظة أجتاز أربعين عاماً أخرى
صوت تطلقه حنجره ذبيحة، توالت عليه و بالتتابع سكاكين الموالاة و سكاكين المعارضة بالكاد أسمعه ، قص علىّ أجمل و أصدق ما قرأت من قصص قصيرة، يمنح كل ، كل ما يملك للمنكوبين و أسر الشهداء : 800000 ليرة، كل ما يملك. أقول: القاص الشاب ولد في المكان و الزمان الخطأ. ليته، ليته يأتي هنا لأعانقه
صوت متعب لشابة مقهورة تواجه الاستبداد و القتل المجاني للمدنيينً في آن معاً. في رحلة تهجير و ضياع لا تنتهي، للحظة أخال الأقدمين مجرد سفاحين نسجوا الحكايات كي نأتي نحنُ، لتفكيكها و ردها لعناصرها الأولى كي تصير مجرد تنويع صوتي، لا تحكمه ضوابط، بل ارتدادات، كالترجيع في برية لا تسكنها إلا الوحوش والسباع و الهوام و الآفة. . حكايا لا تساعد اليوم عقلاً يتأرجح بين سابع أرض و سابع سما على تصديق ما يحدث على أرض سوريا، معارك تدور في أسرة الأطفال و مدارسهم، معارك لا تنتهي، لا تنتهي و دبابات تجوب أزقة متعبة لم تعد تحتمل لهاث الخطوات التي تعبرها، خطف و قتل و ذبح على الهوية، مسنون يعادون لأحفادهم مسلوخين، نساء يتفنن القتلة بتقطيعهن، طلاب صف تاسع يذبحون على دروب مدارسهم و جثث جند مشلوحة تحت شمس حارقة. خدر يدب في أطرافي. رعشة مجنونة تكتسح هذا الجسد المكلوم ، كتائه في عشق مفاجئ ، في لحظة دوران أو غثيان لا أدري أهلوس في نوبة سهاد محمومة فأقول: سيكون الأمر سريعاً بمشرط حاد و بانيو ساخن يتسع لجسدي مقسّماً على أربعة…ثم ؟ . تدابير ما سيلي؟ سؤال تافه أطرحه عليّ: من منهما سيكتشف الجسد غارقاً في مياه حمراء أولاً: الابنة بسنواتها الخمس ؟أم الزوج؟ سؤال يوقف رحلة التزلج هذه التي استحسنتها لحظة. و أقول: بانتظار ذلك سيكفيني غرقي اليومي في كأس ماء أجترعها مخلوطة بجرعة سمٍ معدّل. يكفي لممارسة ما نشاء من القتل الافتراضي
صديقي الطبيب، رفيق طفولتي، يقول لأخيه مجيباً عن تساؤل عابر: ” رصاصة في الفم، لموت سريع و غير موجع.” أيام قليلة تمضي… صوت ٌيأتيه يطلب منه حضور جنازة”
أبي الذي أحبَّ حقله حتى صار له كأمي، مبيّضاً، مسجى على سرير في مشفى المواساة يقول معاتباً دون أن يخفي فرحه بي حين يراني : ” ما كان لهم أن يخبروك بالأمر”. يستثمر حضوري كي أتواطأ مع موته فأقنع أخي بضرورة إعادته لبيته و زيتونه . أتريدين قتلَه؟ يسأل أخي ، فأقول لا، لكن يحق له أن يقرر ما يفعل بما تبقى من جسد تفتته جرعات كيميائية قد تقضي عليه قبل أن يقضي عليه المرض.
كعاشق ولهان يذوب أبي، كقطعة ثلج تحت شمس دافئة، يغيب في لحظة بوح حميم طويلة مع زيتونة زرعها بيديه قبل أربعين عاماً في باحة داره، يمضي إليها كالسهم، يتحسس أوراقها غير مصدقٍ انتصاره علينا جميعاً.” بتعرفي يا بنتي: الأرض الواطية بتشرب ميتها و مية غيرها.” كانت تلك عبارة يرتلها على مسمعي في كل مناسبة حتى صارت بيت شعر أسكن فيه.
خالي الناقل لثقافة شفهية يقول لأمي: “سميّها خولة، هذه البنت لنا، لكن ستأخذها الفرنجة” ثم يقضي في نوبة سعال حادة حزناً على ولديه: الأول قتله الاخوان المسلمون في حماه، مدينتي، و الثاني تعفن 12 عاماً في سجون النظام قبل أن يخرج منهاراً يُغرق ماضيه بقنينة عرق
صوت جريح لرأس متوازن ،أتعبه الهجران، هادئ و حزين يقول لي : اهدأي يا خولة هذه ليست إلا أحشاء تتآكل” أتذكر دماثته و هو يشاهد مظاهرةً للعراة في باريس، أراه اليوم حافياً يجوب أرضاً مغطاة بالشوك و العبوات الناسفة ، أراه اليوم متشبثاً بسوريا كمحارب انتحاري. أقول: ليتني كنتُ مكانه
صوت صديقي الرسام العابث ، الماجن الذي كان يقول لي حين يراني أرطن و أحجل في اليوم الأول لعودتي إلى دمشق : “لا تقلقي، ثلاثة أيام و تعودين كما كنتِ ، متخلفة مثلنا”. كنت أفرط كرمانة في نوبة ضحك. أعود و أفرط من جديد وأنا أسمعه اليوم يصوّر حرفياً المشهد السوريالي لترحال أهله بين أحياء ريف دمشق و في نوبة ضحك حادة تشبه الذبحة الصدرية التي قد لا ينتهي إلا بالموت.. أقول: لمِ لمْ تتحول مخيلته المتوقدة المبدعة لتطبيب الأخصائيين النفسانيين؟
وجه نوراني يغمر المنكوبين و النازحين بالحب، لأجمل بنت رأتها عيني: قامة نحيلة، باسقة كشجرة صفصاف، عينان سوداوان هادئتان واسعتان كليل الشام. شعر داكن و بشرة مخلوطة بحنطة الحفّة و ما يحيطها من القرى.. أنبشها من ألبومي : ” أسمع أمها تقول: شوفي رفيقتك صرلها خمس سنين صيدلانية و لساتها عمتاخد خرجيتها من أبوها” أرافقها يوماً كاملاً إلى صيدليتها في الحفة لأكتشف أن كل مرضاها من الفقراء”. أقول : اللعنة على هذا الفيسبوك الذي لن يراها

تكبـيـــر *

أنت مين ؟

أنت مين لحتى يجيبوا سيرتك ثوار الحرّية الجدد؟

أنت مين لحتى يندّدوا ويستنكروا ويدينوا دبحك ؟

آه ؟

استشهادك ما أجا على مقاييس الأيام يلي وصلنالا

“Stamps of the Syrian revolution” والدتك مارح يعملولها طابع الثوار ضمن مجموعة

وجهك السمح مارح يعملوا منّو رسم غرافيتي يتفنّنوا فيه على حيطان المدوّنات

لأنو وجهك مو ثورو – جِينيك

أنت مين يا حاتم؟

كنت ناشط حقوقي بزمناتك ؟

اشتغلت معارضجي ؟

اشتغلت مع تاعول حقوق الإنسان أجلّك!؟

أنت عندك تنسيقية ؟

درّسك البابا الإخراج السينمائي بامريكا لتقطع دراستك وتجي على حمص مشان تعمل فلم ضربة الموسم ؟

أنت واحد من خطاطي “كفر نبل ” المحتلة شي !!!؟

حملت علم أبو تلت نجوم ونطّيت عمخيم اللاجئين تبع عمو أردوغان و ذرفت دمعتين أمام الكاميرات متل الأبطال ؟

أنت حملت لافتة وكتبت عليها ” نريد وطناً لكل السوريين” ولبست تيابك الحلوين ونزلت تتمشى بطرقات  الشام ورجعت تغّرد وتفسبك عن بطولاتك الوهمية؟

أنت عانيت غربة المنفى متل الثوار السوريين يلي بيتظاهروا أمام السفارة السوريّة بعمان  ؟

أنت شنطتتك الغربة بمقاهي باريس ؟

أنت نمت برا بيتك بأوتيلات بيروت ؟

أنت كاتب ؟ مثقف ؟ شاعر ؟

أنت أخو المفتي  أو مدير شي جامعة خاصة ليندفعلك مبلغ يليق بمقامك وينفك أسرك؟

أنت مين أنت ..يا أنت

يا رجــوتي ..بعدك زغير

أنت …طالب بجامعة دمشق الحكومية،  قسم إعلام . بتشتغل مساعد كاميرا مان . انخطفت

عذّبوك ، قرّروك بسلميتهن وملائكيتهن، وقعدوا عالبازار بين بتجيب سعرك وبين ما بتجيب سعرك

طلعت ما بتجيب يا مسكين بهالليل يا عيني بهالليل

.أنت شبّيح ، مؤيد ، منحبّكجي

أنت حلال قتلك  ، دبحك  ، شنقك ، سحلك ،صلبك

أنت لازم يسكَروا بدمك

أنت يمكن رافِضيّ نصيري  يعني زنديق ، ويمكن مسيحي  يعني كافر

مين أنت يا حاتم ؟

أنت ولا حدا بدولة سوريستان الديمقراطية الجديدة

زعلان ؟

لا تزعل حاتم  … ما بعرف شو يلي بيعزّي  بهالحكي بس و أنت مخطوف قتلوا موظفين البريد بمنطقة “الباب” زتوهن من على ضهر بناية

هيك ببساطة دعّسوا عليهن وطرش دمهن الأحمر بالأرض

و قبل ساعتين من استشهادك  دبحوا واحد بحلب حزّوا رقبتوا بالسكين سمعت رقبتوا عم تنحز يا حاتم …أي والله عم تنحز على سنة الله ورسوله

تكبــــــــــــــــــــير ر ر ر

.

.

ليش عم خبرك ؟ ما بعرف

ذاكرتي رمانة،  أفرطها عليك حبةً حبة، و أنثرها عليك لؤلؤاً أحمر يليق بوداعٍ لا يطلب مني شيئاً غير النسيان

والله حسيت.. وحياة الرب عرفت …عرفت من لمّا شفت رفقاتك المخطوفين يارا صالح وعبود طيرة

عرفت من لما طلع الفيديو

  من لمّا لمحت جدايل  يارا الشّقر مغلفين بحجاب أسود سميك عرفت النهاية السودا

عرّفت أنكن وقعتوا بأيد كتيبة من كتائب ابن تيمية

قبض قلبي …ولك عرفت عرفت  يا ريت ما عرفت ولا تعرّفت أبداً

.

.

.

و رفيقك البلبل شو مشتقلك كتــير

مخبّيلك بعبّو شي مية سوسنة …يا بني

حاتم أبو يحي خُطف في مدينة التّل أثناء مهمة تصوير ، وقُتل على أيدي عصابات ما يُدعى بالجيش الحر بتاريخ 13 آب 2012

.

.

تكبير : كناية عن عبارة “الله أكبر” تقال لإتمام عملية الذبح أو القتل عموماً على الطريقة الإسلامية الحنيفة،وقد كَثُر استعمالها في ما يعرف ب” الثّورة ” في سوريا . تكبيـــــر

لِ عصام حسن

و دمع..

وكُنتِ أجملَ من أمي ومن بَلدي…يا ابنة بلدي

..لا أحد خَجِل من دمعِ أمّك ديمة..لقد أصبحنا قليلي حياء
هل تراكِ فكرت حين تركتِ سريرك  بدون ترتيب أنّك ربّما لن تعودي إليه في المساء ؟! أقلامُ كحلك أحمرُ شفاهك أساوركِ الفضّية وشالاتكِ الملوّنة  التي بقيت متبعثرة في انحاء غرفتك هل كانت على علم بأن ذلك الصباح كان اللقاء الأخير مع أناملك
من سيطفأ أشواقهم إليكِ ..وبماذا سيخبرون والدك حين يسأل عن ضفائر صغيرته التي اعتادت أن ترخي جَمالها على كتفيه…
من سيطفأ تعب جبين والدتكِ بثغره بعد اليوم
من سيخبرني بما حصل صباح العاشر من أيار لديمة فرح تلك الصبية الجميلة بشعرها البني..ووجهِها  الأبيض الملائكي ..بخطاها الواثقة وأنوثتها المكتمِلة .
من سيخبرني كيف انطفأت كواكبها وتناثر جسدها  ليبقى حذاءها الدليل الوحيد على أنّها مرّت من هنا في 10 ايار…لعام 2012
.
.
كان من الممكن أن تكون أنا..وأن تكون أقلامُ كحلي أنا  أحمرُ شِفاهِي وأساوري وخواتمي أنا.

كان من المُمكن أن أكون في ذلك الصباح أكثر نشاطاً لأتّجه إلى جامعتي هناك..كان من الممكن أن أنام باكراً في الليلة السابقة لِأستيقظ في السادسةِ صباحاً..أُرخي شعري من رِباطِه وأُمشطَّه كيفما أتفق وارتدي على سبيل التغيير ثوب ربيعي أبيض..لا لشيء فقط لأني ظَنَنتُ خيراً بهذا اليوم المشمس..ولأن أحدهم خرج على التلفاز في الليلة السابقة ليتكلم بلهجة الواثق وابتسامة بَدَت لي مريحة أنّ الأزمة في سوريا..انتهت

كان من الممكن أنا التي كانت يومها في تاكسي صفراء مهترئة المقاعد وبدون عدّاد،أتجادل للمرة الألف مع سائق يشرح لي كيف أنّها لم تَعد توفيّ معه ، لِأخبره لِلمرّة الألف:الله يعين الجميع

أعبُر الشارع مدندنةً :..أنا صار لازم ودعكن وخبركن عنّي…ليقاطع دندنتي شخص ما وُعِد بأمر ما في السماوات العليا فقرر إنهاء حياته وحياتي وبضعة آخرين ليقوم بتفجير نفسه ذات صباح ربيعي مشمس
من كان يدري !! ربّما أنا التي كانت ستتكوم أجزائي في كيس بلاستيكي أسود..لتبحث عني أمي ظهيرة ذاك اليوم الأسود..ولا تدرك أنني أنا بفستاني الربيعي وشعري الأسود..مجموعة اشلاء في كيس اسود..وضعت لاحقاً في تابوت  كُتب عليه :الشهيد رقم-1-أشلاء.

في كل انفجار نحصي خسائرنا مابين أرواح  بشرية وأضرار مادية ..متناسين أسوأ أنواع الإنفجارات وأكثرها أذية تلك التي تحدث داخلنا ولا يسمع بها أحد..الحدقات المتّسعة لملايين السوريين أمام أجهزة التلفاز يبحثون عن من كانوا رفاق الأمس بعد أن تحولوا الى مجرد أسماء..أرقام

ديمة فرح استشهَدت.بَكينا عليها في 10 أيار..شُيّعت في 12 أيار..وعدنا الى منفانا الإنفصامي في 13
لننتظر أصبع احدهم  ليضغط على صاعق قنبلة لن تخطئنا المرة القادمة لأسباب عديدة مِن بينها  خطأ كَبير في القصيدة

.

.

أما بعد فقد كان الكلام من فضّة..والســلام

..

وتسأل : ما معنى كلمة وطـن ؟

سيقولون : هو البيت،وشجرة التوت،وقنّ الدجاج،وقفير النحل،ورائحة الخبز،والسماء الأولى

وتسأل : هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات….وتضيق بنا ؟

. . .

سيتّسع لنا جميعاً

القاتل والمقتول

الأحياء منّا والأموات ومن ينتظر

سيتّسع إتّساع المدى بين ذراعيك المفتوحين

سيتّسع

سيتّسع

حتّى يُطبق علينا جميعاً

نَراك  باسـل .. ولو بعد حين

باســـل ريّــا 1979-2012

كان اصبع السبّابة يقف مشدوهاً متفرداً في الكفّ التي بُترت عن ساعدها ،فيما انطوت اصابع الكف المتبقّية ليصبح المشهد على الشكل الآتي: يد ترفع سبّابتها كما لو أنّها تتشاهد(تلفظ الشهادة) في آخر فعل قامت به قبل أن تودّع الروح تحت جسر الميدان الذي لم يبق فيه غير حديدان

.

.

الساعة الخامسة صباحاً . تنبّه حديدان على صوت رعد هادر،لم يفتح عيناه بل اكتفى بإصغاء السمع لرشقات الرصاص التي تَلت صوت الإنفجار ليعرف مصدره.دقيقة واحدة كافية ليحدد الإحداثيات، إنفجار بعيد نسبياً، يعود بعدها حديدان ليغطّ في النوم

حديدان الذي  لم يخسر أحد من أفراد عائلته المقربّين  اللهم إلّا اثنين او ثلاثة ذو درجات قرابة بعيدة  لم تبخل عليه المكرُمة الإلهية فخصّته قبل ثلاثة اسابيع بتجربة مميزة وفريدة جداً تجلّت في انفجارأسفل منزله . كان حديدان في فراشِه قرابة الساعة الثالثة فجراً وهو يفكر أن يخصّ اصدقائه بستيتس عاطفية قبل النوم لكن الصوت الهادر الذي يحلو له أن يشبّههُ بصوت الرعد دوى قريباً جداً لدرجة تصمّ الآذان

صرخ رغماً عنه،صرخ رعباً ..صرخ كما لو أنّه يريد أن يغطي على صوت العبوة الناسفة التي وُضعت في سيارة مركونة أسفل البناء الذي يقطنه

ادرك ماذا تعني عبارة”قدماه لم تعد تحملاه” وقف بصعوبة وهو يضع بحركة لا إرادية يديه على أذنيه اتّجه إلى نافذة غرفته وقبل أن يصل دوى الانفجار الثاني الصادرعن السيارة المجاورة للسيارة المفخّخة

حديدان المسكين لم يعد يذكر تفاصيل تلك الليلة ،ربّما لا يريد أن يتذكّرها، ،لكنّه يذكر جيداً صوت امرأة كانت تزعق في البناء المجاور ..ميّز صوتها  الباكي  عن  بقية الأصوات

!وينك ياللــــــه

طلع الصباح على حديدان المتكوّم قرب نافذته محملقاً بِثلاث هياكل سيارات متفحّمة  وكثير من الزجاج..فقط

.

.

 تناول حديدان وجبة فطور دسمة متأخرة كعادة جميع السوريين في ظهيرة يوم جمعة ،استلقى أمام شاشته ، ليأتيه صوت هادر آخر إنه الصوت الثاني اليوم في فترتين متباعدتين ،تذكّر أنه لم يستطلع أخبار الانفجار المبكّر فجر اليوم ،أصغى السمع للحظات ..لا رشقات رصاص كما المعتاد ، أدرك أن الحادث بعيد عن منطقته..بعد قليل جاء الخبر العاجل لتفجير في” الميدان ” . طالعتهُ  اليد التي أعجبتهُ ملامِحها على شاشة التلفاز،ظنّها مميزة بطريقة ما ، ربّّما مناسبة لرسم غرافيتي !كما اثارت انتباهه ساق مبتورة لكنها حافظت على ما تنتعله في قدمها وكان بسطاراً عسكرياً

تساءل حديدان كالعادة لماذا يصورون الأشلاء بهذا النهم؟لكنّه لم يقف كثيراً عند التساؤل فالصوت الهادر عاد مرة آخرى ،هذه المرة أقوى لدرجةِ أنّ منزلهُ ارتجّ لصوتِ الانفجار

تحرّك حديدان متثاقلاً هذه المرة، خرج إلى شرفته ،رمى بنظره إلى الشام الممتده أمام ناظره ،فكر في أن الصيف جاء باكراً هذه السنة، لابأس في أن يُعدّ لنفسه نفس ارغيلة بنكهة النعناع ،تذكّر الإنفجار الذي خرج على أثره، حملق في المدى ،رأى خيط دخان ، تمتم قائلاً : ربّما من  القابون

عاد إلى مطبخِه متسائلاً: هل هم في حاجة إلى متبرعين للدم كما كان الحال في الانفجار الأول؟ فازدياد وزنه بات يقلقه ،كما أن الحجامة  التي أمرنا بها رسول الله لا تختلف عن التبرع بالدم ..هرش رأسه وبدأ بوضع الفحم على الغاز

تذكّر حديدان أنّه لم يضع أغنية أو حالة  بمناسبة انفجار اليوم ،دخل إلى تويتره وكتب :”أوقفوا القتل ، نريدُ أن نبني وطناً  لكل السوريين” . قام بجردة سريعة على تحديثات اصدقاءه ، كانت غاية في البلاغة والتعبير والإبداع  طالعها بسرعة ، رمى لايك هنا ، وإعجاب هناك ، طالع آخر أخبار التنسيقيات ليجد أن الانفجار الأخير كان موقعه في منطقة ” العدوي” التي لا تبعدعن” القابون” كثيراً. سرّ حديدان جداً بمقدرته المتحسّنة يوماً بعد يوم على تحديد مكان الانفجار وفكر في كيفية استثمارهذه الموهبة في مراسلة مواقع الأخبار العاجلة! تساءل عن ضرورة تغيير صورة بروفايله إلى أسود كما العادة عند حصول تفجيرات ،لكنّ حديدان فضل على ذلك  العلم السوري دون سبب واضح

عاد حديدان ليعدّ ارغيلته وهو يفكر بالإطمئنان على عائلتِه وجمع من ما تبقى لديهِ من اصدقاء، لربّما احدهم كان ماراً قرب موقع الانفجار،لكن سرعان ما أقنع نفسه بِأن خبر السوء يصل راكضاً

! عادت اليد لترتسم في مخيلته…كم كانت فريدة

قرّر حديدان أن يجلس على الشرفة، في هذا اليوم النيساني البديع،هكذا أعلن بصوت عال

كانت دمشق ترتمي أمام ناظره ، سحب نفس عميق…ونفث الدخان بعيداً لتغطي سحابة دخانه منظر الشام الرابض أمامه .. ومن ثم بدأ يبكي بصمت

مواطن سوري حالهُ حال “حديدان” في يوم ربيعي مشمس

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 80 other followers