.
.
.
دُموع سرّية أُحتبِست طويلاً في بدايةِ الحلق أُطلِق العنان لها لتنهمر
ليتني هجرتُك منذ زمن واحتفظتُ بالمعنى البِدائي للأشياء .. ضحكَات الطفولة ، ذكريَات الصِبا
حقد أسود أشعر به كما لو أنّي قنديل جفّ زيته والليل ما زال في أوله ، قُبلة لم تتم ، عاشقة مهجورة
انهكت مخيلتي في اللّيلة الماضية بأحلام شجية و رؤى غامضة ، رأيت فيما يرى النائم طفلة جميلة بشعر أسود فاحم أراها تمدّ ذراعيها الصغيرتين إليّ لأدفعها في أرجوحتها
تصيح بي : أقوى ..أعلى!! تحلّق صغيرتي بضفائرها في سماء دمشق
قطع -وصل
كان لي مدينة اسمها دمشق امشّط شوارعها شارع بعد شارع ، و أزرع قبلاتي على عروقِها المُنبجِسة في ظاهر يدها فتهمس لي :رضاي عليك
كان ثمّة ما يشدّني من يدي لأن استيقظ في الرابعة صباحاً فقط لِأستمع إلى مآذن دمشق تصرخ الصلاةُ خيرٌ من النوم
.فأصلّي لِوجهِها وأنام
كان لي مدينة اسمها دِ مَ ش ق ،اتهجئها على طريقة الدرويش
كُنتُ أقطن مدينة تدعى دِمشق لها موسيقا خفيفة تشبه ضحكات القلب والتماع المقل و رائحة طفل حديث الولادة
دمشق ، شامةُ الدنيا ،كِنانةُ الله،العامِرة ،الزاهِرة ،جلّق ،حبرون ، بيت رامون ،مدينة الياسمين ،الفيحاء
كان لي مدينة اسمها دمشق تعطي للأشياء خاصيتها وللتفاصيل رونقها وللقلب خفقانه الطبيعي
فطور جمعة متأخّر ، قيلولة الظهيرة ، نميمة نسائية هامسة في صبحيّة قهوة ، ارتصاف الركّاب وقوفاً في باص الدولة ، شجرة ليمون في “أرض ديار” بيت عربي ، ورقة نعنع في كأس شاي “خمير”، قط كسول يموء بانتظار حصّته من غداء العائلة ، تعارف سريع بين سيّدتين على طابور الخبز ، نظرات مُختلسة بين عاشقين ، رائحة أزقة دمشق القديمة بعد المطر
كان هنالك ما يجعلني أخف ، أرقّ ، أعذَب ، أجمَل ، أطوَل ، أشفّ
كان ثمة من الذكريات ما يكفي لأن أملأ جيوبي بها ، وأمشي مزهوة
.هذه أرض المعرض حيث غنّت فيروز ..نعم كان جدّي يأتي بأمي وخالتي إلى هنا
هذه هي حديقة المنشّية أم كلثوم غنت هنا
هنا بيت أبي خليل القباني وهذا بيت حفيده
هنا محي الدين بن عربي ..هنا يوحنا الدمشقي
هنا باب توما ..باب شرقي ..باب الجابية..باب السلام ..باب الصغير ..باب الفرج..باب السريجة..
“هنا حيث “أديم الأرض من هذهِ الأجساد
قطع – وصل
شريط صور سريع وغامض
حمّام البكري الدمشقيّ في ظهيرة شتائيّة دافئة – أدراج المهاجرين من نافذة دوّار شمالي مُسرع – كَراج السومرية ذروة الإزدحام – أبو وحيد الربوة في الربيع – رسّام الصالحية ذات طفولة غابرة – جسور معلقّة اتكاسل عن صعودِها – صخرة قاسيون – مئذنة الأموي – سور كليّة طب الأسنان – حديقة الآداب – فيروز تصدح من شباك غرفة في باب توما – رباعيات الخيّام في مقاهي قاسيون ليلاً – ساحة العباسين بتنظيمها الفوضوي- حديقة السبكي – مقهى الروضة – بوظة بكداش- بسطات شارع الثورة – المكتبة الظاهرية – سوق التنابل – متسكعي الشعلان – سكرى القصبجي
شهيق -زفير
صباحات ليس لها مثيل ، ذاكرة جمعية لثلاثة ملايين عاشق يقطنون المدينة ..ثلاثة ملايين خائب ..ثلاثة ملايين قاتل ..ثلاثة ملايين ضحية
جمعتها في حقيبتي ورحلت
شهيق -زفير
شهيق -زفير
.شهيق-زفير







